مفاوضات واشنطن بين إسرائيل ولبنان: تفاوض تحت النار
Arab
59 minutes ago
share
عُقدت جولتان من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان على مستوى السفراء في واشنطن، في 14 و23 إبريل/ نيسان 2026، من دون التوصّل إلى نتائج فعلية. وكثّفت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ضغوطها على لبنان لرفع مستوى التفاوض، عبر الدعوة إلى عقد لقاء بين الرئيس اللبناني، جوزاف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وذلك في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، ومن دون تقديم ضمانات بإمكانية تحقيق تقدّم على صعيد الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. ويعدّ هذا المسار غير مألوف في العلاقات الدولية؛ إذ لا يلتقي قادة الدول مباشرةً للتفاوض في حالة الحرب، بل يجتمعون عادةً لتوقيع اتفاقات سلام بعد التوصل إلى تفاهمات حول القضايا الرئيسة. غير أن اللقاء المطروح في هذه الحالة يفتقر إلى شروط مسبقة، ولا تتوافر بشأنه ضمانات، حتى لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، في حين يقتصر ما طُرح عمليًا على التعاون في محاربة حزب الله. وفي هذا السياق، يُرجّح أن يتعرّض لبنان لضغوط شديدة خلال هذا اللقاء للقبول بشراكة كاملة مع إسرائيل لنزع سلاح حزب الله. وفي المقابل، يسعى نتنياهو إلى استثماره لإعادة تأهيل نفسه، وفكّ العزلة التي أحاطت به، باعتباره مجرم حربٍ مطلوبًا للمحكمة الجنائية الدولية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها أثناء حرب الإبادة على قطاع غزة، ويتجنب قادة العالم الظهور معه بسببها. أما ترامب، فيرجّح أن يقدّم هذا اللقاء باعتباره إنجازًا شخصيًا جديدًا له، بوقف حرب أخرى، وبضمّ لبنان إلى مسار "الاتفاقات الإبراهيمية". غيّرت واشنطن وتل أبيب موقفيهما من مبادرة عون، بعد إصرار إيران على أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، بهدف فصل مسار الحرب في لبنان عن إيران مفاوضات تحت النار طرح الرئيس عون في 9 مارس/ آذار 2026، بعد أسبوع على عودة الحرب بين إسرائيل وحزب الله في الثاني من الشهر نفسه، مبادرة تقوم على إعلان وقف شامل لإطلاق النار باعتباره مدخلًا أساسيًا لأيّ تسوية، يترافق مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وإعادة انتشار الجيش اللبناني على طول الحدود الدولية، بما يتيح بسط سلطة الدولة في الجنوب، ومعالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، في مقابل الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، برعاية دولية، من أجل التوصل إلى ترتيبات أمنية دائمة، وإنهاء حالة الصراع بين الطرفين. ووصف عون إطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل، أول مرة بعد وقف إطلاق النار الذي لم تلتزم به إسرائيل على الإطلاق، وسرى عمليًا من جانب واحد منذ التوصل إليه في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، بأنه عمل غير مسؤول، وترأس بعد ساعات قليلة من الهجوم جلسة للحكومة أصدرت خلالها قرارًا شدّد على رفض أيّ عمل عسكري ينطلق من الأراضي اللبنانية، مع التأكيد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصرًا في يدها. ونصّ القرار أيضًا على الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية. لكنّ إسرائيل تجاهلت عرض عون، وموقف الحكومة اللبنانية من حزب الله، وأصرّت على مواصلة الحرب لتحقيق أهدافها في القضاء على قدراته العسكرية. لكنّ إصرار إيران على أن يكون لبنان مشمولًا في وقف إطلاق النار، الذي جرى التوصل إليه مع الولايات المتحدة الأميركية، بوساطة باكستانية، في 8 إبريل 2026، دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تغيير موقفهما من مبادرة عون بشأن بدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وذلك بهدف فصل مسار الحرب في لبنان عن إيران، وإبرام اتفاقية سلام يتحول بموجبها لبنان إلى شريك كامل في عملية نزع سلاح حزب الله. جرت الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بحضور الوزير ماركو روبيو. وعقب ذلك، نشرت الوزارة النص الكامل لمذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان، والتي تضمّنت تفاهمات أولية تقضي بوقف الأعمال القتالية اعتبارًا من 16 إبريل 2026 "لتهيئة الظروف لإطلاق مفاوضات سلام بين الطرفين". ونصت كذلك على احتفاظ إسرائيل بما وصفته بـ"حقها في اتخاذ ما تراه ضروريًا من تدابير للدفاع عن النفس في مواجهة أيّ تهديدات وشيكة أو قائمة"، مع "التزامها بعدم تنفيذ عمليات عسكرية هجومية داخل الأراضي اللبنانية، سواء برًا أو جوًا أو بحرًا، بما يشمل الأهداف المدنية والعسكرية والحكومية". وأشارت المذكّرة إلى أنه بدخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، "وبدعم دولي، ستتخذ حكومة لبنان خطوات جادة لمنع حزب الله وجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية الأخرى في الأراضي اللبنانية من شن أيّ هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف إسرائيلية". وبعد صدور مذكرة وزارة الخارجية، أعلن ترامب في منشور له على منصة "تروث سوشيال" عن اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان مدته عشرة أيام، ثم أعلن أنه سيدعو نتنياهو وعون إلى البيت الأبيض لإجراء "أول محادثات جادة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983"، في إشارة إلى المفاوضات التي أسفرت عن توقيع اتفاق 17 أيار (1983) بين الطرفين. لقاء عون – سلام – نتنياهو، في هذه الظروف، لن يكون إلا تطبيعاً مجانياً مع مجرم حرب يسعى إلى فك عزلته الدولية، والحصول على تبرئة من ضحاياه على جرائمه على الرغم من استمرار المفاوضات، فإن إسرائيل لم تلتزم بوقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب؛ إذ استمرت في اعتداءاتها على لبنان، وكان آخرها استهداف أحد قادة حزب الله الميدانيين في الضاحية الجنوبية، وواصلت قواتها نشاطها داخل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، في توجّه يهدف، بحسب ما أعلن عنه وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى إنشاء "منطقة أمنية" تشمل كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، والتي تمثّل نحو 10% من الأراضي اللبنانية. وفي هذا السياق، مُنع السكان من العودة إلى منازلهم، في حين واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلية عمليات القصف والهدم على نطاق واسع، حيث سوّت عشرات القرى بالأرض، بهدف تغيير الواقع الديموغرافي في جنوب لبنان. ويبرر نتنياهو هذه السياسات بهدفه المعلن المتمثّل في "تدمير حزب الله"، وهو ما يشكّل في الواقع حملة ممنهجة لتدمير المجتمعات المحلية وتهجيرها. وفي موازاة ذلك، يسعى إلى الحصول على تعهّد رسمي من الدولة اللبنانية، عبر الجيش، بالمشاركة في عملية نزع سلاح حزب الله والعمل على تنفيذها خلال المرحلة المقبلة، وإلا فستتولى إسرائيل بنفسها فعل ذلك. تعاظم الضغوط الأميركية أما الجولة الثانية من المفاوضات، فقد حضر ترامب جزءًا منها في إشارة إلى اهتمامه بالتوصل سريعًا إلى اتفاق يضم لبنان إلى مسار الاتفاقات الإبراهيمية. وعلى الرغم من أن هذه الجولة لم تسفر عن أيّ نتائج، بل ظلت في إطار التحضير والتفاوض الأولي، فإن ترامب استغلها للإعلان عن تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان مدة ثلاثة أسابيع، معربًا عن أمله في عقد اجتماع ثلاثي قريبًا، يضمه إلى نتنياهو وعون. وإمعانًا في الضغط على لبنان، كرر ترامب رغبته في عقد لقاء في البيت الأبيض يجمع فيه نتنياهو وعون خلال فترة وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن ذلك قد يكون خلال الأسبوعين التاليين. لكنه لم يشر إلى أيّ ضمانات بشأن ما سيسفر عنه هذا اللقاء، واكتفت مصادر أميركية بالحديث عن "احتمال" أن يسهم في الدفع نحو انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. وأشارت السفارة الأميركية في بيروت إلى أن لبنان يقف "عند مفترق طرق"، وأن عقد لقاء مباشر بين نتنياهو وعون، بوساطة ترامب، يمكن أن يتيح للبنان فرصة للحصول على ضمانات ملموسة تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إلى جانب الدعم الإنساني وإعادة الإعمار، بما يعزّز استعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها بضمان أميركي. وتتوافق المهلة التي أعطتها واشنطن لعقد لقاء بين عون ونتنياهو، مع طلب الأخير، خلال مكالمة هاتفية مع ترامب، تحديد مهلة تُراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع تنتهي في منتصف أيار/ مايو، للتوصل إلى اتفاق، وإلا فستستأنف إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان، مع التحضير لشنّ هجوم برّي واسع النطاق بعمق نحو 15 كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية للسيطرة على كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، بهدف الضغط على الحكومة اللبنانية للتحرك ضد حزب الله. ويبدو أن ترامب لا يمانع في استخدام إسرائيل الضغوط العسكرية على لبنان لدفعه إلى الاستجابة لدعوته إلى عقد اجتماع على مستوى الرؤساء في البيت الأبيض، بل يكتفي بـ"النصح" بإبقاء هذه العمليات ضمن نطاق ضربات "جراحية"، بحسب وصفه. انقسام لبناني يشهد لبنان انقسامًا حادًا حيال صيغة التفاوض مع إسرائيل ومخرجاته، وكذلك جدوى الانخراط في هذا المسار، في ظل غياب إجابات واضحة من الولايات المتحدة بشأن الضمانات التي يطالب بها. ويزداد هذا الانقسام حدة في ضوء أن وقف إطلاق النار، الذي جرى بوساطة أميركية، لم يفضِ إلى إنهاء الأعمال القتالية، أو الحد من الاعتداءات الإسرائيلية. وفي حين يتمسك عون بموقفه الداعم لإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، بهدف تحويل وقف إطلاق النار (غير المطبّق) إلى "اتفاقات دائمة" عبر المسار التفاوضي، وعيّن، على هذا الأساس، سفير لبنان الأسبق في واشنطن، سيمون كرم، رئيسًا للوفد اللبناني، مع تأكيده في الوقت ذاته على ضرورة التزام إسرائيل بتنفيذ وقف إطلاق النار كاملًا، فإن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، يعارض الانخراط في أيّ مفاوضات تحت النار، معتبرًا أن الأولوية ينبغي أن تكون "لوقف الحرب قبل أيّ مسار سياسي"، وأن "أيّ تفاوض دون ضمانات بوقف العدوان مرفوض". أما حزب الله، فقد أكد أن المفاوضات التي تجريها الحكومة مع إسرائيل لا تعنيه "ولن يسمح بتمرير نتائجها"، وأعلن رفضه لكل مسار المفاوضات التي ترعاها واشنطن منذ البداية، وعدّها بمنزلة تنازلات مجانية لإسرائيل، وشدّد على أن أيّ تهدئة لا ينبغي أن تمنح إسرائيل "حرية الحركة" داخل الأراضي اللبنانية، وأن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي يبرر "حق المقاومة". وعلى الرغم من التزامه بوقف إطلاق النار، فإنه اعتبر أنه جاء نتيجة صمود مقاتليه في الجنوب، والضغط الذي مارسته إيران على الولايات المتحدة بإغلاقها مضيق هرمز، وليس نتيجة مفاوضات الحكومة المباشرة مع إسرائيل. ويفضّل مقاربةً تقوم على تسوية إقليمية، والاستفادة من أيّ تحرك دولي أو إقليمي يضغط على إسرائيل، بدلًا من الانخراط في مسار تفاوضي مباشر، من دون ضمانات بأن يؤدي إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الجنوب. انقسام لبناني حادّ حيال صيغة التفاوض مع إسرائيل ومخرجاته وجدواه، في غياب إجابات أميركية بشأن الضمانات التي يطالب بها لبنان وقد شهد لبنان محاولات قادتها أطراف عربية لتشجيع القوى السياسية على تبنّي موقف موحد من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، عبر الدعوة إلى عقد اجتماع ثلاثي يضم الرؤساء الثلاثة: عون وبري ورئيس الوزراء نواف سلام. لكنّ هذه المحاولات لم تسفر عن أيّ نتيجة، في ضوء استمرار الخلاف في الرؤى والمواقف، ولا سيما بين عون وبري، بما يعكس انقسامات أوسع داخل المجتمع اللبناني بشأن مسألة التفاوض مع إسرائيل. وفي هذا السياق، يبدو أن عون بات يدرك صعوبة تلبية دعوة ترامب لعقد اجتماع مع نتنياهو في ظل غياب موقف لبناني موحّد. وبناء عليه، جاء بيان رئاسة الجمهورية اللبنانية، الذي اعتبر أن "التوقيت غير مناسب الآن للّقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، إذ علينا أولًا أن نتوصل إلى اتفاق أمني، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية علينا، قبل أن نطرح مسألة اللقاء بيننا". خاتمة يتعرض لبنان لضغوط أميركية شديدة، بما في ذلك عسكريًا من خلال إسرائيل، للموافقة على عقد اجتماع ثلاثي يضم ترامب وعون ونتنياهو، من دون أيّ ضمانات بأن يُسفر عن إنهاء عدوان إسرائيل المستمر على لبنان منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أو انسحابها من الأراضي التي تحتلها في الجنوب. وفي حين يسعى ترامب إلى انتزاع إنجاز جديد يفاخر فيه بأن عدد الحروب التي أنهاها صار عشرة، وجعل لبنان أول المنضمين إلى مسار الاتفاقات الإبراهيمية في ولايته الثانية، فإن نتنياهو يسعى من خلال هذا اللقاء إلى جعل لبنان شريكًا في عملية نزع سلاح حزب الله، حتى لو كان الثمن إدخاله في حرب أهلية. غير أنه لا يبدو مرجّحًا، حتى الآن، أن يرضخ لبنان، مع كل الضغوط الهائلة التي يتعرض لها، للقبول بعقد هذا اللقاء في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية عليه، والانقسام السياسي القائم حول المفاوضات. فهذا اللقاء، في هذه الظروف، لن يكون إلا تطبيعًا مجانيًا مع مجرم حرب يسعى إلى فك عزلته الدولية، والحصول على تبرئة من ضحاياه على جرائمه. ومع ذلك، لن يستطيع لبنان مقاومة الضغوط وحده، بل يحتاج إلى موقف عربي موحّد يدعمه، ولا يتركه وحيدًا تستفرد به إسرائيل لفرض اتفاق استسلام عليه كما حاولت أن تفعل في عام 1983.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows