Arab
تدرس واشنطن وبكين إطلاق محادثات رسمية بشأن الذكاء الاصطناعي في ظل تصاعد المخاوف من تحول المنافسة بين القوتين في هذا المجال إلى "سباق تسلح رقمي"، بحسب ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأربعاء عن مصادر مطلعة. ويأتي هذا التوجه بينما يناقش البيت الأبيض والحكومة الصينية إدراج الذكاء الاصطناعي على جدول أعمال القمة المرتقبة في بكين يومي 14 و15 مايو/أيار بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ. وإذا تم الاتفاق على ذلك، فستكون هذه أول آلية حوار رسمية بين واشنطن وبكين حول الذكاء الاصطناعي في ولاية ترامب الحالية.
وبحسب المصادر، فإن الجانبين يدركان أن السباق المحموم لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة قد يؤدي إلى أزمات لا تملك أي من الحكومتين أدوات كافية للتعامل معها. وتسعى واشنطن وبكين إلى إنشاء حوار دوري يناقش المخاطر المرتبطة بسلوك نماذج الذكاء الاصطناعي بشكل غير متوقع، والأنظمة العسكرية الذاتية، واحتمال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر في هجمات من قبل جهات غير حكومية. وأوضحت الصحيفة أن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يقود الجانب الأميركي في هذا المسار، فيما لا تزال الإدارة الأميركية تنتظر تسمية بكين للمسؤول الذي سيتولى قيادة الجانب الصيني. وحتى الآن، شارك نائب وزير المالية الصيني لياو مين في مناقشات أولية مع واشنطن حول إنشاء هذا الحوار.
وفي نهاية المطاف، سيقرر ترامب وشي ما إذا كانت محادثات الذكاء الاصطناعي ستُدرج رسمياً على جدول أعمال القمة. وقال المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن، ليو بينغيو، إن الصين "مستعدة للتواصل بشأن الحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي".
وخارج الإدارة الأميركية، بدأ خبراء من القطاع الخاص مناقشة ما يمكن أن تُنتجه هذه المحادثات مستقبلاً، بما في ذلك احتمال إنشاء آليات لإدارة الأزمات، مثل "خط ساخن" خاص بالذكاء الاصطناعي بين القيادتين. غير أن بعض المسؤولين الأميركيين السابقين أبدوا شكوكاً بشأن استعداد بكين لاستخدام مثل هذه القنوات فعلياً في أوقات الأزمات.
وأشار راش دوشي، المدير السابق لشؤون الصين في مجلس الأمن القومي خلال إدارة جو بايدن، إلى أن الصين تجاهلت في أزمات سابقة خطوط الاتصال القائمة مع الولايات المتحدة، سواء بعد حادثة اصطدام طائرة تجسس أميركية بمقاتلة صينية عام 2001 أو خلال أزمة المنطاد الصيني عام 2023. وأضاف: "السؤال الأساسي ليس إنشاء خط ساخن، بل ما إذا كانت الصين ستستخدمه فعلاً".
وكانت إدارة بايدن قد أطلقت أول حوار رسمي أميركي صيني حول الذكاء الاصطناعي خلال قمة عقدت في كاليفورنيا عام 2023، حين اتفق بايدن وشي لاحقاً على أن يبقى قرار إطلاق الأسلحة النووية بيد البشر لا أنظمة الذكاء الاصطناعي. لكن الحوار آنذاك لم يحقق تقدماً كبيراً، بحسب دوشي، الذي أوضح أن بكين أوكلت الملف إلى وزارة الخارجية بدلاً من جهات تقنية متخصصة، ما حدّ من عمق النقاشات.
ويعكس عودة ملف الذكاء الاصطناعي إلى مستوى القادة، عبر إدارتين أميركيتين مختلفتين، إدراكاً متزايداً لدى واشنطن وبكين بأن التكنولوجيا تفرض مخاطر استراتيجية مشتركة تستدعي تواصلاً مباشراً رفيع المستوى.
وفي هذا السياق، كشفت الصحيفة أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، قبل وفاته، لعب دوراً في تشجيع الحوار حول الذكاء الاصطناعي بين البلدين. ففي زيارته إلى بكين عام 2023، أصر كيسنجر على إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن مباحثاته مع شي، انطلاقاً من قناعته بأن المجال قد يشكل نقطة نادرة لتفاهمات مشتركة بين واشنطن وبكين.
وتحوّل ذلك لاحقاً إلى قناة حوار غير حكومية يقودها من الجانب الأميركي كريغ موندي، المسؤول السابق للأبحاث في "مايكروسوفت"، بمشاركة أكاديميين وشركات صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي. وتركز هذه الحوارات على سلامة النماذج المتقدمة ووضع "ضوابط" تضمن التزام أنظمة الذكاء الاصطناعي بالقوانين والتوجيهات البشرية مع تزايد قدراتها.
وتشير أنيا مانويل، المديرة التنفيذية لـ"مجموعة أسبن الاستراتيجية" (Aspen Strategy Group)، إن الذكاء الاصطناعي "يصبح نظام التشغيل للتجارة العالمية"، مضيفةً: "لا يمكن إجراء نقاش تجاري مع الصين من دون التحدث عنه".
أما الخبير التجاري الأميركي مايرون بريليانت، الذي التقى مسؤولين صينيين أخيراً، فنقل عن الجانب الصيني قوله إنه سيواصل المنافسة بقوة مع الولايات المتحدة، لكنه يرى أيضاً "فائدة في تعزيز الجهود لمنع الصدمات العالمية وسوء الاستخدام السيبراني"، مؤكداً أن "الاستقرار، لا التوافق، هو الهدف".
