مصارف خليجية تشدّد الرقابة على ممرات الظل للمال الإيراني
Arab
1 hour ago
share
تشهد المنطقة الخليجية تحولا في فلسفة الرقابة المالية بعدما تحولت إلى ساحة اشتباك جيوسياسي مفتوح يتداخل فيه الأمن القومي بالسيادة النقدية، حيث تراقب المصارف المركزية الخليجية، ومنها مصرف الإمارات المركزي والبنك المركزي السعودي، تداعيات تنامي استخدام المنصات الرقمية كقنوات بديلة للالتفاف على العقوبات المالية الدولية المفروضة على إيران، خاصة في ظل التصعيد العسكري الأخير الذي أدى إلى اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية. وتدعم هكذا منصات "ممرات ظل" مالية تعتمد على الأصول المشفرة لتمويل شبكات الوكلاء وتأمين احتياجات النظام الإيراني بعيدا عن الرقابة التقليدية، ما دفع عواصم خليجية إلى تسريع وتيرة إطلاق عملاتها الرقمية السيادية كأدوات دفاعية لضبط التدفقات العابرة للحدود وضمان عدم اختراق نظامها المالي، حسبما أورد تقرير نشرته منصة "لوجستيكس إنسايدر"، المتخصصة في شؤون النقل والخدمات اللوجستية الدولية، في 4 مايو/ آيار الجاري. ويعزز مستقبل "ممرات الظل المالية" أن حجم المعاملات الرقمية المرتبطة بكيانات خاضعة للعقوبات قد تضخم، حيث سجلت التدفقات غير المشروعة نموا بنسبة 694% خلال العام الماضي وحده، لتصل القيمة الإجمالية إلى 154 مليار دولار، حسبما أورد تقرير نشرته تشيناليسيز (Chainalysis)، المتخصصة في تحليل بيانات البلوكشين والأمن السيبراني، في 5 مارس/آذار الماضي. دور الذكاء الاصطناعي هذا التطور دفع المصارف المركزية في المنطقة إلى تبني استراتيجيات رقابية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد أي أنماط غير طبيعية في حركة السيولة الرقمية، مع التركيز على تتبع المحافظ التي تتفاعل مع وسطاء غير مرخصين، بحسب تقرير تشيناليسيز. وفي سياق المواجهة المباشرة مع هذه الشبكات، برزت "عملية الغضب الاقتصادي" التي قادتها وزارة الخزانة الأميركية بالتنسيق مع حلفاء إقليميين، والتي أسفرت في أواخر إبريل/ نيسان الماضي عن تجميد أصول رقمية بقيمة 344 مليون دولار من عملة USDT كانت مخزنة في محافظ مرتبطة بمركز تداول العملات في طهران، وكشفت التحقيقات أن هذه الأموال كانت تتحرك عبر مسارات معقدة تشمل "قفز السلاسل" وخلط العملات لإخفاء مصدرها قبل وصولها إلى الأسواق الخليجية، حسبما أورد تقرير نشرته منصة "فيات ريببليك"، المعنية بشؤون التقنيات المالية والامتثال التنظيمي، في 28 إبريل/ نيسان الماضي وإزاء ذلك، يلفت التقرير ذاته إلى أن المصارف المركزية الخليجية فرضت متطلبات امتثال "لحظية" على المنصات العاملة في دبي والرياض، تُلزمها بمطابقة كل عنوان محفظة رقمية مع قوائم العقوبات المحدثة، ما يعكس رغبة خليجية في إغلاق أي ثغرات قد تستغلها القوى الإقليمية لتمويل أنشطة زعزعة الاستقرار. وفي ظل تداعيات الحرب، واستمرار إغلاق مضيق هرمز، يرى خبراء أن لجوء طهران المتزايد للعملات الرقمية قد سرع من طموحات "التعددية القطبية المالية" في الخليج، فالعملات الرقمية للمصارف المركزية أصبحت تُطرح كحل لضمان استمرارية التجارة حتى في حال تعطل المسارات البحرية أو فرض قيود إضافية على النظام البنكي العالمي. كما أن الربط المرتقب بين العملات الرقمية لدول مجموعة "بريكس"، والتي تضم الآن السعودية والإمارات وإيران، يضع المصارف المركزية الخليجية في موقف دقيق؛ فهي من جهة تسعى لتعزيز استقلالها المالي، ومن جهة أخرى تلتزم بصرامة بمنع استخدام هذه المنصات الجديدة كأدوات للالتفاف على العقوبات الدولية، وهو ما يتطلب توازنا استراتيجيا بين الابتكار والامتثال، حسبما أورد تقرير نشرته منصة جيتواي هاوس (Gateway House)، المعنية بالشؤون الجيوسياسية والاقتصادية، في مطلع مايو الجاري. مصارف مركزية في الخليج تراقب في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، لـ"العربي الجديد"، إلى أن المصارف المركزية الخليجية تراقب عن كثب استخدام المنصات الرقابية للعملات الرقمية، خاصة في ظل تداعيات الحرب التي تدفع بعض الجهات للالتفاف على القيود والعقوبات المالية كما هو الحال مع إيران وغيرها، غير أن الموضوع يتجاوز مجرد كونه أداة للتحايل ليشمل تحديات هيكلية تتعلق بطبيعة هذه الأصول غير المنظمة خارج النظام المالي والمصرفي التقليدي. فالمؤسسات المصرفية تنظر بحذر شديد إلى العملات الرقمية لأنها تقلل من حصتها في سوق الحوالات المالية من جهة، ومن جهة أخرى يصعب ضبطها ورقابتها بشكل فعال، ما دفع بعض دول الخليج نحو تنظيم هذا القطاع عبر مصارفها المركزية أو دراسة إطلاق عملات رقمية سيادية مثل "الدرهم الرقمي" في الإمارات ومثيلاتها في السعودية، في محاولة لإضفاء طابع رسمي ومنظم على هذه التعاملات، كما يوضح درويش. لكن منظمات عالمية تحذر من التعامل بهذه العملات نظرا لمخاطرها العالية وإمكانية استخدامها في عمليات غسل الأموال بسبب طبيعة بعضها مجهولة المصدر والتي لا تخضع لامتثال وتدقيق دقيق لمصادر الأموال أو هوية المستفيدين والعلاقات بين المحول والمحول إليه، وهو ما يستدعي، وفق درويش، فترة زمنية طويلة لتحديد آليات تعامل آمنة تخلو من هذه المخاطر رغم إغراء الأرباح السريعة الذي جذب الكثيرين للدخول في هذا المجال. وهنا يشير درويش، إلى أن تسريع إطلاق العملات الرقمية كأدوات سيادية لضبط التدفقات المالية العابرة للحدود يعتمد على اعتبارات متعددة تتجاوز التشريع لتشمل طريقة التطبيق والتعاون مع الدول الأخرى، حيث تظل المصارف متحفظة بنسبة كبيرة ولن تتراجع عن حذرها إلا في حال وجود صيغة تنظيمية محددة تضمن أمانا وتقنينا واضحين لعمليات الشراء والبيع والتداول محليا وعالميا. وتهدف التنظيمات المحتملة إلى ضمان وضوح نسب الربح للمستثمرين وضبط حركة الأموال لتفادي استغلال هذه المنصات من قبل مؤسسات خاضعة لعقوبات أو عصابات تتاجر بالممنوعات لاستخدامها قنوات عبور لأموالها، حسب درويش. ازدواجية نقدية في السياق، يؤكد المحلل المختص بالأسواق المالية، هاشم الفحماوي، لـ"العربي الجديد"، أن المصارف المركزية الخليجية تسرّع وتيرة تطوير العملات الرقمية السيادية (CBDCs) كأداة استراتيجية لضبط التدفقات المالية العابرة للحدود، خاصة في ظل تصاعد استخدام إيران للعملات المشفرة كأداة للالتفاف على العقوبات الدولية، بينما تحافظ البنوك التجارية على موقف متحفظ في المدى القريب تجاه تبني هذه التقنيات الجديدة. ويوضح الفحماوي أن المخاطر القانونية وتحديات السمعة المؤسسية تفوق حاليا المكاسب المحتملة من الدخول المبكر في هذا السوق غير المستقر، حسب تقدير البنوك التجارية، متوقعا أن يشهد المستقبل القريب حالة من الازدواجية النقدية تتمثل في تعزيز السيطرة عبر العملات الرقمية المركزية الرسمية من جهة، واستمرار الحذر الشديد والرقابة الصارمة على العملات المشفرة الخاصة من جهة أخرى. ويعكس ذلك، حسب الفحماوي، التوجه نحو تنظيم دقيق يحفظ الاستقرار المالي ويحد من الأنشطة غير المشروعة في آن واحد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows