"جنوب أفريقيا أولاً" تستنسخ شعار ترامب
Arab
55 minutes ago
share
اجتاحت جنوب أفريقيا، خلال الأسابيع الماضية، موجةً جديدة من التظاهرات المناهضة للمهاجرين، ما استدعى دولاً أفريقية مجاورة لتفعيل آلتها الدبلوماسية، واستدعاء السفراء، وإبداء تصريحات الاستنكار. هذا الوضع، ليس جديداً على دولة جنوب أفريقيا، لكنه مثير للاستغراب. فالأفارقة في هذا البلد، يتظاهرون ضد الأفارقة، في بلد أصبح موصوماً بـ"عداء الأجانب"، لكن من السود. ويختلط السياسي بالاجتماعي – الاقتصادي، لتفسير هذه الظاهرة، التي تستثني البيض والمصالح البيضاء، ما يثير الريبة بالنسبة لبعضهم، حول ما إذا كانت هذه تظاهرات جنوب أفريقيا مموّلة من الغرب، خصوصاً لجهة تنظيمها، في وقت تطمح أكثر من جهة، إلى إطاحة الحزب الحاكم، المؤتمر الوطني، ورئيسه سيريل رامافوزا، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصديقه إيلون ماسك. أصبحت دكاكين الـ"سبازا"، أهدافاً للمتظاهرين الذين يرون أن المهاجرين الأفارقة يفتتحون أعمالاً بتكلفة رخيصة لمنافستهم تظاهرات معادية للمهاجرين في جنوب أفريقيا لكن حتى الآن، لا مؤشرات على نظريات مؤامرة كبيرة، في التظاهرات التي عادت لتغزو شوارع مدن رئيسية في جنوب أفريقيا، خلال الأسابيع الماضية، من بريتوريا، إلى جوهانسبورغ، إلى كيب تاون، وهي تظاهرات غير جديدة، لكنها بدأت تأخذ أشكالاً أكثر تنظيماً وتجذب عدداً أكبر من المواطنين. المتظاهرون الغاضبون يصوّبون على المهاجرين غير النظاميين من الدول الأفريقية، خصوصاً، ويطالبون بطردهم، مع أن في البلاد عمّالاً باكستانيين وآسيويين. أعمال شغب، سرقات، اعتداءات بالعصي، تكسير محلات للمهاجرين، مصالح تجارية، خصوصاً محلات الحلاقة والـ"سبازا"، دكاكين التجزئة الصغيرة، التي تُفتح في الأحياء، وتعود نشأتها إلى مرحلة الفصل العنصري، حين كان المواطنون يسعون إلى تيسير أمور معيشتهم، بعيداً عن البيض. اليوم، أصبحت الـ"سبازا"، أهدافاً للمتظاهرين الذين يرون أن المهاجرين الأفارقة يغزون بلدهم، ويفتتحون الـ"سبازا" بتكلفة رخيصة أو محلات الحلاقة لمنافستهم. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل وصل إلى شنّ حملات لطرد أبناء المهاجرين غير النظاميين، أي الذين لا يمتلكون أوراقاً، من المدارس الابتدائية، والمرضى من العيادات والمستشفيات، في وقت توفر لهم الدولة خدمات مجانية، يراها الجنوب أفريقيون تؤدي إلى امتلاء المرافق التربوية والصحية، وتأكل من مخصصاتهم. هذا الغضب تجلى خلال مرحلة كورونا، حين أنفقت الدولة مبالغ طائلة لتلقيح المهاجرين غير النظاميين. اليوم، تعود الحالة الهستيرية، ما يعزّز وصم الجنوب أفريقي بالمعادي للأجانب xenophobic، وهي صبغة رافقته طويلاً لكنها اليوم تجد صداها أكثر وسط تراجع الاقتصاد، في بلد يفترض فيه أن يكون باقتصاد واعد، ومن الأكثر تطوراً ونمواً في القارة. أسباب الغضب وترفع راية هذه التظاهرات، مجموعات عدة، ليست جديدة، أبصرت النور منذ أعوام، وتنضم إليها شرائح مجتمعية من النساء وطلّاب المدارس والعمّال. فعلى سبيل المثال، تدخل مجموعات نسوية، في التظاهرات، لمطالبة المواطنات المتزوجات من رجال أجانب أفارقة، بأخذ أزواجهم والاستقرار في دول هؤلاء. وكذا، بالنسبة لأهالي طلّاب المدارس، أو بالنسبة للممرضين، أو الأطباء، الذين يرون العيادات والمستشفيات، تفيض بالمرضى من الدول المجاورة، وبعضهم يأتي إلى جنوب أفريقيا للولادة أو إجراء عمليات جراحية، بتكلفة منخفضة. تلك هي عيّنات، من أسباب الغضب، لكن أخرى، تعود إلى وضع جنوب أفريقيا في حدّ ذاته، وحالة الهلع التي تصيب نحو 65 مليون نسمة، مما ترى فيه غزواً للمهاجرين الذين يبلغ عددهم حوالي خمسة ملايين، وسط بطالة تتخطى الـ30%، وأزمة ترشيد كهرباء خانقة، وأخرى للمياه، تلوح في الأفق. ففي مارس/آذار الماضي، على سبيل المثال، شهدت جوهانسبورغ، تظاهرات "الاستحمام"، حين نزل المتظاهرون إلى الشوارع، للاستحمام في العلن، اعتراضاً على شحّ المياه، وتفاقم غضبهم مع ردود المسؤولين الباهتة، فيما اجتاحت البلاد قبل شهر فيضانات عارمة. ويرى هؤلاء، سبب اختفاء مياه الشرب خصوصاً، وجفاف صنابير المياه، لاهتراء البنية التحتية، ما استدعى المجتمع المدني، للانتفاض. الأمر ذاته، ينطبق على أزمة الكهرباء، التي وصفتها الحكومة في 2023 بكارثةٍ وطنية، رغم الطفرة التنموية التي شهدتها البلاد خلال العقدين الماضيين. قبل أعوام، تظاهر الجنوب أفريقيون، أيضاً، لمدة 9 أيام، في يوليو/تموز 2021، وخرجوا إلى الشوارع في حراك اتسم بالكثير من العنف وأعمال الشغب والسرقة الممنهجة وحرق الممتلكات العامة، احتجاجاً على اعتقال وسجن الرئيس السابق جاكوب زوما، وكانت في خلفية التظاهرات أسباب اقتصادية، وإحباط المواطنين من نسبة البطالة العالية، والفقر، وانعدام الأمن الاقتصادي، وغياب المساواة في ظلّ الإغلاق المرتبط بـ"كوفيد". هكذا يتمّ إسقاط السياسي، على كلّ ما هو اقتصادي – اجتماعي، لخلق حالة من انعدام الأمان، تترجم بحراكات مدنية، تحمل غالباً علامات التطرف. ينطبق الأمر ذاته على الحراكات المُعادية للمهاجرين غير النظاميين في جنوب أفريقيا: "مارش أند مارش"، المغلّفة بشعارات وطنية ولغة مدنية، وفق تقرير لموقع "ديلي مايفيريك" الجنوب أفريقي، نشر في 29 إبريل/نيسان الماضي، ويرى أن هذه الحركة، تحاول إعادة رسم السياسة المعادية للأجانب في البلاد، بتقليد الحركات الفاشية واليمينية المتطرفة في الدول الغنية. وتقود الحراك، جاسينثا نغوبيزي زوما، وهي مقدمة برامج إذاعية، شابة، ومتحدرة من محافظة كوازولو ناتال، وهي ذات المحافظة التي اندلعت فيها تظاهرات 2021، مع سجن جاكوب زوما. لا يعترض المنظمون للحراكات المعادية للمهاجرين، على الوضع الاقتصادي فقط، بل يتهمون المهاجرين غير النظاميين بنشر المخدرات وتنشيط الدعارة وتسعير الجريمة المنظمة وتدعم حركة "مارش أند مارش"، حركة أخرى، هي "أمابهينكا ناشون" Amabhinca Nation، التي يقودها المؤثر ومقدم البرامج الإذاعي أيضاً نغيزوي مشونو، المدان بالتحريض بعد أحداث الشعب في 2021. حركات فاشية وبدأ حراك "مارش أند مارش" على وسائل التواصل الاجتماعي، وأخذ مساراً منظماً العام الماضي، وفق "ديلي مايفيريك"، حين نظّم تظاهرة كبيرة في دوربان، مع سقوط طفلتين في مصعد بمبنى قيل إنه مملوك من أجانب. ولا يعترض المنظمون للحراكات المعادية للمهاجرين، على الوضع الاقتصادي فقط، بل يتهمون المهاجرين غير النظاميين بنشر المخدرات وتنشيط الدعارة وتسعير الجريمة المنظمة. وقال تيمبا مابوندا، من حزب "أكشون ساوث أفريكا"، الذي انضم إلى تظاهرات الأسبوع الماضي، لوكالة أسوشييتد برس، في 29 إبريل الماضي: "نحن لسنا معادين للأجانب، لكن نريد فقط الشيء المناسب لبلدنا، نرفع شعار جنوب أفريقيا أولاً. يمكننا العيش مع الأجانب، لكن عليهم أن يدخلوا وفق القانون". وانضم حزب "التحالف الوطني" إلى التظاهرات المعادية للأجانب، والتي شملت إلى جانب "مارش أند مارش"، حركة أخرى هي "أوبيريشون دودولا" operation dudula، التي توصف عادة بالفاشية، وترفع شعار "أطردوهم بالقوة"، (معنى دودولا بلغة الزولو)، بقيادة زانديلي دابولا. هذه الحركة قادت أولى تظاهراتها في عام 2021، حين اتهمت المهاجرين غير النظاميين، بالتسبب بأزمات كورونا الاقتصادية. والعام الماضي، أقدمت هذه الحركة على منع الأجانب من الطبابة في البلاد، وهو ما وُوجه بصمت من الحكومة. وتقول دابولا: "لا نستطيع أن نطبب كلّ العالم". وكانت الحركة قد أثارت الجدل في 2022، عندما تمّ طرد مريضة من زيمبابوي، من محافظة ليمبوبو، أقصى شمال البلاد، بتهمة إثقال نظام الرعاية الصحية. في 2025، حاولت الحركة اقتحام معهد الحقوق الاجتماعية الاقتصادية، في جوهانسبرغ، ما أدى إلى اندلاع أعمال عنف، وتدخل الشرطة. رويترز: شعار الزعيم نيلسون مانديلا، "أمة قوس قزح"، كان وهماً هكذا، ترفع هذه الحركات شعاراً واحداً: "لا نستطيع أن نُطعم كلّ العالم، لا نستطيع أن نستضيف كلّ العالم"، "دفعنا ما يتوجب علينا من حماية الجيران لنا خلال نظام الفصل العنصري، وكفى"، "عودوا إلى بلادكم"... ووصل الأمر إلى محكمة العدل الدولية، التي حثّت في أغسطس /آب 2025، المحاكم في جنوب أفريقيا، على تطبيق القوانين التي تحمي المهاجرين واللاجئين من العنف المعادي للأجانب. في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، قادت "دودولا" تظاهرات عارمة، رفضاً لقرار الحكومة السماح لـ150 فلسطينياً من غزة بدخول البلاد. في تقرير لها في 23 مايو 2024، ترى وكالة رويترز أن شعار الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، "أمة قوس قزح"، كان وهماً، مع تنامي شعور الكراهية للأجانب، قبل الانتخابات التشريعية التي أجريت في مايو قبل عامين، موضحة أنه حتى الحزب الحاكم، الذي تعرّض لمنافسة شديدة من أحزاب المعارضة في 2024، عرض الانسحاب من اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين، لإرضاء الناخبين، خصوصاً من أجل رفض طالبي اللجوء السياسي. ويقول زعيم حزب "أكشون جنوب أفريقيا" Action SA، هيرمان ماشابان، عن مطالب الحراك، في حديث لموقع أي أو إل نيوز، في 27 إبريل الحالي: "نريد من الحكومة إعادة كل المهاجرين بلا أوراق لبلدانهم، لدينا ما يكفي من مشاكلنا. طلبنا ذلك من وقت طويل، واليوم نقول كفى يعني كفى". ويتساءل عمرات إسماعيل مقدم، على موقع "مسلم فيوز" الجنوب أفريقي، في 4 مايو/أيار الحالي، عن سبب استثناء هذه التظاهرات، شركات البيض، وأعمالهم، والمستثمرين الأوروبيين البيض الذين يرفع وجودهم أزمة السكن، في مدن مثل كيب تاون، مذكّراً بأن العبيد الأفارقة، من موزامبيق وغيرها، بنوا جنوب أفريقيا، خاتماً بالقول: "لسنا ترامب أفريقيا". لكنّ آخرين يجادلون أن البلاد ليست معادية للمهاجرين، بل أصبحت ممتلئة. على مدونته على "فيسبوك"، يكتب الجنوب أفريقي تاو تاو هارامانوبا: "الجنوب أفريقيون ليسوا معادين للأجانب، لأنهم يكرهونهم، لكنهم البلاد باتت ممتلئة. عندما تصبح البلاد غير قادرة على بناء المنازل، وخلق فرص عمل، ومواصلة فتح العيادات، يبدأ المواطنون بالشعور بالرعب الذي لا يعود يفصل بين إخفاق حكومي وعامل أجنبي". وأضاف: "البلاد لا تزال تنزف بعد انتهاء الفصل العنصري. عندما أغلقت تلك المرحلة، لم نكن مستعدين لاستضافة دول أخرى. لكننا فتحنا الأبواب. ولكن عندما يأتي شخص من دولة أفريقية بعيدة، فإنه لا يعود بسهولة".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows