Arab
مع تأكيد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الإبقاء على الحصار البحري على إيران، تتسع انعكاسات هذا القرار لتطاول العراق بشكل مباشر، في ظل اعتماده شبه الكامل على الممرات البحرية في الخليج ومضيق هرمز.
فالعراق كان يصدّر يومياً أكثر من 3 ملايين برميل نفط عبر موانئ الجنوب تمر بمعظمها عبر هذا الممر، ويستورد سلعاً تتراوح قيمتها بين 50 و70 مليار دولار سنوياً، يصل الجزء الأكبر منها عبر المسار ذاته، ما يجعل أي قيود على الملاحة عامل ضغط مزدوج على الصادرات والإمدادات في آنٍ واحد.
ومع تصاعد القيود على حركة السفن وارتفاع كلف النقل والتأمين، تتزايد الضغوط على تدفقات النفط والسلع، في بلد يعتمد على هذا المسار في أكثر من 70% من تجارته الخارجية، دون بدائل فاعلة قادرة على تعويضه في المدى القصير.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه العراق من ضائقة مالية، فيما تستعد حكومة جديدة لتسلّم ملف اقتصادي معقّد، ما يضع البلاد أمام تحديات متصاعدة في إدارة تدفقات الإيرادات وتأمين استقرار السوق، ضمن بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من القيود على حركة التجارة والطاقة.
تأمين بدائل جزئية
في السياق، قال المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، إن التصريحات الأخيرة بشأن استمرار الحصار البحري على إيران واحتمالية تمديده، تفرض تداعيات مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد العراقي، بحكم ارتباطه الجغرافي والتجاري بالممرات الحيوية ذاتها في مضيق هرمز.
وأضاف صالح أن العراق يصدّر أكثر من 3 ملايين برميل يومياً عبر موانئ الجنوب، وتمثل عائدات النفط نحو 90% من إيرادات الدولة، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة أو تشديد في القيود البحرية عامل ضغط مباشر على الإيرادات والتجارة في آنٍ واحد، في وقت لا تسد صادراته النفطية عبر الخطوط البديلة حاجة البلد المالية.
وأوضح صالح، لـ"العربي الجديد"، أن ارتفاع كلف الشحن والتأمين، التي زادت بنسب تصل إلى 200% في بعض الحالات، إلى جانب تباطؤ حركة السفن، ينعكسان على كلفة الاستيراد وسلاسل الإمداد، وليس فقط على الصادرات النفطية.
وأشار إلى أن الحكومة تعمل ضمن خطط طوارئ لتأمين بدائل جزئية، منها تفعيل خط كركوك - جيهان بطاقة أولية تبلغ 300 ألف برميل يومياً، والتوجه لنقل النفط براً عبر الأراضي السورية، إلا أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى خسائر شهرية تُقدّر بين 3.5 و4 مليارات دولار، ما يتطلب إدارة دقيقة للموارد، وتسريع خطوات تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
الحكومة الجديدة في مواجهة التحديات
من جانبه، أكد عضو لجنة الطاقة في مجلس النواب العراقي بدورته السابقة، باسم نغيمش، أن العراق يشهد منعطفاً اقتصادياً وسياسياً مهماً مع بداية تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع استمرار التوترات الإقليمية والحصار البحري على إيران، وما يرافقه من اضطراب متزايد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وأوضح نغيمش، لـ"العربي الجديد"، أن هذا الواقع يضع الحكومة المقبلة أمام اختبار مبكر ومعقّد، إذ ستتسلم ملفاً اقتصادياً مثقلاً بالضغوط، في وقت يعتمد فيه العراق على هذا الممر الحيوي لمرور صادراته النفطية، فضلاً عن كونه شرياناً رئيسياً لحركة التجارة والاستيراد.
وبيّن أن بسبب تراجع حركة الملاحة وارتفاع كلف الشحن والتأمين، بدأت تداعيات الأزمة تظهر بوضوح، سواء على مستوى الإيرادات العامة أو داخل السوق المحلية، من خلال زيادة كلفة السلع، وتأخر وصول بعض الإمدادات، وهو ما يفاقم الضغوط المعيشية في ظل وضع مالي حساس أصلاً.
وأفاد عضو لجنة الطاقة في مجلس النواب العراقي بدورته السابقة، بأن الحكومة الجديدة مطالبة منذ اللحظة الأولى باتخاذ إجراءات عاجلة لإدارة هذه التحديات، تبدأ بضبط الإنفاق، وتأمين تدفق الإيرادات، ولا تنتهي عند العمل على فتح بدائل تصدير أكثر استقراراً وتعزيز مسارات التجارة الإقليمية.
وشدد نغيمش على أن المرحلة الحالية تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول المؤقتة، عبر تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وتحصين الاقتصاد من الصدمات الخارجية، لأن استمرار الوضع القائم يعني بقاء العراق في دائرة التأثر المباشر بأي تصعيد إقليمي، وهو ما لا يمكن تحمّله في هذه المرحلة الدقيقة.
خسائر اقتصادية مباشرة
من جانب آخر، قال الخبير الاقتصادي، كريم الحلو، إن تداعيات استمرار الحصار البحري على إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز بدأت تُترجم إلى خسائر مباشرة للاقتصاد العراقي، لا تقتصر على الصادرات النفطية، بل تمتد إلى حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
وأوضح الحلو، لـ"العربي الجديد"، أن العراق يعتمد على هذا المسار في الجزء الأكبر من وارداته الملاحية القادمة من أوروبا وأميركا اللاتينية والصين والهند، وأي تباطؤ في الملاحة يعني تأخير الشحنات وارتفاع كلفها، وهو ما ينعكس على السوق المحلية بشكل سريع. وأضاف الخبير الاقتصادي أن الخسائر لا تُقاس فقط بتراجع الكميات أو تأخرها، بل أيضاً بارتفاع كلف النقل والتأمين، التي تضاعفت في بعض الحالات، ما يرفع كلفة الاستيراد، ويؤدي إلى زيادة أسعار السلع، خاصة المواد الأساسية، ويخلق ضغوطاً إضافية على القدرة الشرائية، كما أن استمرار هذا الوضع يهدد بحدوث اختناقات في الإمدادات، واضطراب في توفر بعض السلع، وهو ما ينعكس على استقرار السوق.
وأشار الحلو إلى أن الاقتصاد العراقي قد يستفيد ظاهرياً من ارتفاع أسعار النفط عالمياً، لكن هذه المكاسب تبقى محدودة إذا ما قورنت بالخسائر الناتجة عن تعطّل التجارة وارتفاع الكلف، ما يضع البلاد أمام معادلة صعبة بين الإيرادات النفطية والضغوط المعيشية. ولفت إلى أنّ معالجة هذه التحديات تتطلب تحركاً سريعاً لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، عبر تفعيل بدائل التصدير والنقل، وتعزيز الربط الإقليمي، إلى جانب اعتماد سياسات اقتصادية مرنة قادرة على احتواء التضخم، وضمان استقرار السوق على المدى القريب، مع ضرورة العمل على تنويع الاقتصاد لتقليل تأثير الصدمات الخارجية مستقبلاً.

Related News
"جنوب أفريقيا أولاً" تستنسخ شعار ترامب
alaraby ALjadeed
21 seconds ago
تحالف بينت لبيد: الدلالات والمعاني
alaraby ALjadeed
21 seconds ago