Arab
تواصل تكاليف المعيشة في تركيا ارتفاعها بوتيرة متسارعة، مدفوعة بتداعيات الحرب في المنطقة وارتفاع أسعار الطاقة والنقل، في وقت ترفض فيه "لجنة الحد الأدنى للأجور" إقرار زيادة ثانية لرواتب القطاع الخاص هذا العام، ما يعمق الضغوط على الأسر ويعيد تشكيل أنماط الاستهلاك اليومية.
"لم تعد هذه حياة تحقق الرفاهية، ولا حتى تلبّي الاحتياجات الأساسية"، بهذه العبارة يلخص حسين (42 عاماً)، من حي باغجلار في مدينة إسطنبول، واقع شريحة واسعة من أصحاب الدخل المحدود، عند سؤاله عن طريقة تكيّف دخله مع موجة الغلاء المتصاعدة. ويضيف أنه اضطر إلى اللجوء إلى حلول مسكّنة، أبرزها التسوق من الأسواق الشعبية (البازار) التي تبقى أقل تكلفة من المتاجر والمراكز التجارية، إلى جانب إعادة ترتيب أولوياته الاستهلاكية جذرياً، بما في ذلك الاعتماد على وسائل النقل الجماعي مثل "الميتروبوس"، رغم ارتفاع تكلفتها بعد زيادة أسعار الوقود، ما جعلها عبئاً حتى على مستخدميها من ذوي الدخل المحدود. ويتابع: "تكلفة 15 محطة تبلغ 52.73 ليرة (نحو 1.17 دولار)، فيما تصل الرحلة الكاملة من أول الخط إلى آخره إلى نحو 62 ليرة (قرابة 1.38 دولار)".
تدابير النفقات
وعن كيفية تدبير نفقات المعيشة حتى نهاية الشهر، يقول العامل في منشأة خياطة لـ"العربي الجديد": "زوجتي تعمل بنصف دوام لتوازن بين رعاية المنزل والأولاد والمساهمة في الدخل، وألجأ أحياناً إلى العمل الإضافي خلال أيام العطل بأجر مضاعف، ورغم ذلك بالكاد يكفي الدخل لتغطية النفقات"، مستدركاً: "لو كنا نسكن في منزل بالإيجار، لاضطررت إلى الاستدانة شهرياً". ورغم أن هذه الحالة لا تنطبق على جميع الأتراك، إذ لا يقل متوسط أجر الموظف الحكومي عن 70 ألف ليرة (نحو 1555 دولاراً)، وتتجاوز أجور بعض العاملين في القطاعات الصحية أو الأمنية أو القضائية 150 ألف ليرة شهرياً (قرابة 3333 دولاراً)، فإنها تعكس بوضوح معاناة شريحة واسعة من العاملين بالحد الأدنى للأجور.
فقد ارتفع الحد الأدنى للأجور مطلع العام الجاري بنسبة 27%، مقابل تضخم بلغ 31%، ليصل إلى 28.075.50 ليرة تركية (نحو 624 دولاراً)، إلا أن هذه الزيادة، وفق تقديرات محلية، لا تواكب الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، خاصة مع تداعيات الحرب في المنطقة وارتفاع أسعار المحروقات، التي انعكست مباشرة على أسعار السلع والخدمات والنقل، ما دفع تكاليف المعيشة إلى أكثر من 112 ألف ليرة (نحو 2489 دولاراً)، بحسب اتحاد العمال.
وتكشف بيانات اتحاد نقابات العمال أن عتبة الجوع ارتفعت إلى 34.6 ألف ليرة (نحو 769 دولاراً)، بينما بلغ خط الفقر 112.7 ألف ليرة (نحو 2504 دولارات) في إبريل/نيسان الماضي، في وقت تسارع فيه التضخم الغذائي مسجلاً زيادة شهرية قدرها 5.47%.
تكاليف المعيشة
ووفق دراسة أجراها الاتحاد، ارتفع الحد الأدنى للإنفاق الغذائي اللازم لأسرة مكونة من أربعة أفراد في أنقرة (عتبة الجوع) إلى 34.586.86 ليرة (نحو 768 دولاراً)، فيما قُدّر خط الفقر – الذي يشمل الغذاء والسكن والمواصلات والتعليم والصحة – بنحو 112.660.80 ليرة (قرابة 2503 دولارات).
أما تكلفة المعيشة الشهرية للعامل الأعزب فقد بلغت 44.802.03 ليرة (نحو 996 دولاراً)، ما يعكس فجوة واضحة بين الدخل والإنفاق حتى لدى الأفراد غير المعيلين. وتُظهر البيانات ارتفاعاً متواصلاً في هذه المؤشرات، إذ زادت عتبة الجوع من 32.792.74 ليرة (نحو 728 دولاراً) في مارس/آذار إلى 34.586.86 ليرة في إبريل، فيما ارتفع خط الفقر من 106.816.70 ليرات (نحو 2373 دولاراً) إلى 112.660.80 ليرة. وعلى أساس سنوي، قفزت عتبة الجوع من 24.035.59 ليرة (نحو 534 دولاراً)، وخط الفقر من 78.291.84 ليرة (نحو 1740 دولاراً)، ما يعكس تسارع الضغوط المعيشية.
وفي المقابل، أظهرت بيانات معهد الإحصاء التركي استمرار الضغوط التضخمية، مع ارتفاع مؤشر أسعار منتجي الخدمات بنسبة 4.06% خلال مارس مقارنة بالشهر السابق، وبنسبة 14.47% منذ بداية العام، وبنسبة 35.94% على أساس سنوي، وبنسبة 35.63% وفق متوسط 12 شهراً، ما يشير إلى استمرار انتقال الضغوط السعرية إلى مختلف قطاعات الاقتصاد. وتتصاعد المطالب بزيادة الأجور وتحسين الوضع المعيشي للأتراك، خاصة من الأحزاب المعارضة. إذ قال وزير الاقتصاد الأسبق وزعيم حزب ديفا، علي باباجان، خلال الاجتماع الأخير لكتلة حزب الطريق الجديد في الجمعية الوطنية الكبرى التركية، إن تركيا تعاني من أزمة اقتصادية حادة، مضيفاً: "لقد أدى سوء الإدارة وعدم كفاءة الفريق إلى تدمير البلاد"، مشيراً إلى أن دخل الحد الأدنى للأجور لا يكفي للخبز والشاي. وأضاف: "إذا اقتصرت تكلفة ثلاث وجبات يومياً لعائلة مكونة من خمسة أفراد على الشاي والسميت فقط، فإن التكلفة الشهرية الإجمالية تتجاوز الحد الأدنى للأجور". متسائلاً: "من سيدفع الإيجار، وفاتورة الكهرباء، والماء، والغاز؟ ومن سيتكفل بمصاريف الملابس ودراسة الأطفال؟ هذا هو الوضع الاقتصادي للبلاد".
زيادة مرتقبة
في المقابل، يقول الخبير التركي وعضو حزب العدالة والتنمية الحاكم، يوسف كاتب أوغلو: "أنا لا أبرر أو أقول إن الحد الأدنى للأجور يكفي لسد نفقات الأسرة، لكن أقل من 5% من الأتراك يتقاضونه، وربما الأسر التي يعمل فيها شخص واحد قليلة، إن لم أقل نادرة". وحول ضرورة رفع الأجور للعاملين بالدولة والحد الأدنى للعمال، يضيف كاتب أوغلو لـ"العربي الجديد" أن العاملين بالدولة سيحصلون على زيادة في النصف الثاني من العام بنسبة 7%، مضافاً إليها فارق التضخم، بعد زيادة مطلع العام البالغة 11%. وأوضح أن أدنى راتب لموظف حكومي يبلغ نحو 62 ألف ليرة (1373 دولاراً)، في حين يبلغ راتب المعلم 70 ألفاً، والمهندس نحو 85 ألف ليرة (1882 دولاراً)، ومع الزيادة المقبلة "تصبح الدخول معقولة، لا أقول مرتفعة"، مشيراً إلى أن وجود أكثر من موظف في الأسرة قد يتيح "ربما ادخاراً".
لكن بالنسبة لأصحاب الدخول المحدودة، يشير كاتب أوغلو إلى أن الحكومة واتحاد العمال وأرباب العمل اتفقوا على عدم رفع الحد الأدنى للأجور خلال النصف الثاني من هذا العام، كما كان معمولاً به خلال عامي 2023 و2024، "لكن هذا ليس نهائياً، وربما يُعاد النظر فيه إذا استمرت الأسعار بالارتفاع جراء الحرب وأسعار الطاقة". وفي الوقت نفسه، تعمل الحكومة على تنفيذ سياسات مكافحة التضخم، مستهدفة خفضه إلى 16% بنهاية العام الجاري، إلى جانب الرقابة على الأسواق والأسعار والتدخل بما لا يتعارض مع اقتصاد السوق. ويرى كاتب أوغلو أن تركيا تمتلك حزم دعم اجتماعي متعددة، تشمل مساعدات نقدية مباشرة، وبرامج دعم صحي، وبطاقات مساعدات من البلديات لشراء الخبز والمواد الأساسية بأسعار مدعومة. ويرى الخبير التركي أن رفع الحد الأدنى للأجور قد يزيد من عرض الليرة التركية ويعيق جهود كبح التضخم، مشيراً إلى أن "زيادة الأجور قد لا تنعكس على المعيشة كما يفعل كبح التضخم ومراقبة الأسعار"، مؤكداً أن "ارتفاع التضخم ليس مسؤولية المواطن".
ويتفق اقتصاديون مع هذا الرأي، محذرين من آثار رفع الأجور على التضخم، وداعين إلى البحث عن حلول بديلة. إذ قال رئيس غرفة تجارة إسطنبول، شكيب أوداغيتش، خلال تقييمه لأجندة عالم الأعمال: "يتم تعديل الحد الأدنى للأجور مرة واحدة سنوياً، ومن المنطقي الحفاظ على هذا النهج". لكنه دعا، في الوقت نفسه، إلى توسيع نطاق الحوافز لتشمل قاعدة أوسع من المنتجين والمستهلكين، مع التركيز على دعم الشركات المتوسطة. وفي إطار مساعي الحكومة لانتشال أصحاب الدخول المنخفضة من تحت خط الفقر، الذي يطاول نحو 13% من السكان، فعّلت أخيراً برنامج "راتب المواطنة" لدعم الأسر الأكثر حاجة، في محاولة لتعويض غياب زيادة الأجور خلال النصف الثاني من العام. ويهدف هذا النظام، بحسب مصادر لـ"العربي الجديد"، إلى تعزيز القدرة الشرائية للأسر، لكنه لن يشمل جميع المتقاعدين، بل من لا تغطي مداخيلهم الاحتياجات الأساسية، إلى جانب الأسر التي تعيش تحت خط الفقر. كما يستند إلى معيار الحاجة بهدف إبعاد الأسر عن الفقر، على أن لا يقل راتب أي متقاعد عن 20 ألف ليرة تركية (443 دولاراً).
