Arab
يقع مهاجرون أفارقة ضحايا لعصابات تهريب واتّجار بالبشر تنشط في عمق الصحراء الجزائرية، إذ يستغلون الحالمين بالعبور إلى أوروبا ويبتزونهم طوال محطات الرحلة، فضلاً عن تشغيلهم قسراً في التنقيب غير الشرعي عن الذهب.
- "هل سنصل إلى وجهتنا؟"؛ ألحّ هذا السؤال، على عقل المهاجر النيجيري إبراهيم أدامو، بعد أيام من العطش والتيه في عمق الصحراء الجزائرية، إذ شاهد الموت مرات عديدة، وكلما اقترب منه دعا الله وابتهل من أجل نجاةٍ لم ينلها كثيرون من رفاق درب طويل، ظن أنه لن ينتهي بعدما بدأ من محيط مدينة أغاديس شمالي النيجر، إحدى أبرز نقاط تجميع المهاجرين المستحدثة.
يروي أدامو لـ"العربي الجديد" تفاصيل ما يجري في مسارٍ للهجرة غير النظامية، بات يحظى بتفضيل المهربين لتدهور الأوضاع في دول الجوار مثل مالي والنيجر، وصعوبة الهجرة عبر الطرق التقليدية في شرق البحر المتوسط، إذ يقول الشاب إنّ الرحلة انطلقت في مارس/آذار 2025، وكانت محطتها التالية في منطقة أرليت بصحراء آير ضمن نطاق الصحراء الكبرى، مروراً ببلدة تين زاوتين في ولاية عين قزام الواقعة أقصى جنوبي الجزائر على الحدود مع النيجر، ومن هناك جرى الانتقال إلى مدينة تمنراست الواقعة على بعد نحو 2000 كيلومتر جنوبي العاصمة الجزائر.
لم يتحرك أدامو من مكانه قبل دفع 1150 دولاراً أميركياً لوسيط محلي وعده بالعبور ضمن قافلة ضمت 40 مهاجراً من جنسيات مختلفة، ويضيف: "تنقلنا ليلاً في أغلب محطات الرحلة تفادياً للوقوع في أيدي حرس الحدود، كنت أظن أن هذه أكبر مخاوفي، لكن بعد وصولي إلى الجنوب الجزائري، أُبلغت بأنني جرى بيعي لشبكة تهريب أخرى، وأصبحت مديناً لها وعليّ العمل للسداد".
هكذا، فإنّ ما يجري في عمق الصحراء الجزائرية تعدى كونه مجرد حركة هجرة غير نظامية نشطة، ليصبح علامة على منظومة معقدة من الاستغلال العابر للحدود، يتحول فيها المهاجر من إنسان يبحث عن فرصة إلى رقم في قافلة، ثم إلى سلعة في سوق لنخاسة المهاجرين، كما يصف أدامو وثلاثة من رفاقه حالهم ومعاناتهم المستقرة في نفوسهم حتّى أنها بلغت حد الخوف من الليل، إذ ناموا في العراء محاطين بالعقارب والثعابين، ما جعلهم يسألون بعضهم دائماً: "هل سنصل أحياءً إلى المحطة المقبلة؟".
البحث في عمق الصحراء
بأعجوبة، وصل أدامو ومن بقي حياً من القافلة إلى الجزائر بعدما قطعوا مسافة تتراوح بين 800 و900 كيلومتر، كما يروي أدامو بمرارة: و"من لم يقوَ على مواصلة الرحلة، تُرِك في عمق الصحراء ينازع الموت، كما حدث لشاب غيني انهار من شدة العطش في اليوم الثالث"، يضيف بألم: "تركوه ومضوا، ولم يكن لدينا خيار سوى الصمت، وإلّا كان مصيرنا الإلقاء خارج السيارة حال اعتراضنا".
تتقاطع إفادة أدامو مع بيانات وثقها مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)؛ إذ رصد وفاة أكثر من ألفَي شخص أثناء عبورهم الصحراء الكبرى منذ عام 2014 حتى إبريل/نيسان 2026. وأشار المشروع إلى وفاة 769 مهاجراً عبر هذا المسار في العام الماضي وحده. وتُعزى غالبية الوفيات المسجلة إلى الحرارة الشديدة، وانعدام المأوى، والجفاف، والجوع، والتعرض للعوامل الجوية القاسية، فضلاً عن الأمراض وغياب الرعاية الصحية، ما يجعل من تتقطع بهم السبل في تلك المناطق النائية في عداد الهالكين، كما سُجلت مؤخراً حالات وفاة اختناقاً في مؤخرة الشاحنات سيئة التهوية، فيما يشكل العنف الممارس من شبكات التهريب والمتاجرين بالبشر، أو بعض مسؤولي الحدود في المنطقة، نسبة كبيرة من الوفيات المسجلة.
إزاء ذلك، يحاول متطوعون في أقصى الجنوب الجزائري سد جزء من هذا الفراغ الإنساني والرسمي، كما يوضح أحمد بيكة، نائب رئيس جمعية غوث للبحث والإنقاذ ويعتمد منتسبوها على خبرتهم العميقة في المسالك الصحراوية، مستخدمين سيارات رباعية الدفع للتدخل السريع، إذ يقدمون الماء والغذاء والإسعافات الأولية للناجين، وفي كثير من الأحيان، يعثرون على مهاجرين قضوا عطشاً أو تيهاً. يقول بيكة: "على بُعد مئات الكيلومترات من أقرب نقطة مأهولة، تكرّر عثورنا على جثث مهاجرين في عمق الصحراء، معظمهم قضوا بسبب العطش أو بعدما ضلوا الطريق"، ويضيف أن الجمعية تعتمد في تنظيم عمليات البحث الميدانية على نداءات استغاثة تصلها عبر أقارب المفقودين أو مرافقيهم.
محطات الابتزاز
أثناء الرحلة يطالب المهربون المهاجرين بمبالغ إضافية تصل إلى 200 دولار عند كل محطة، رغم أنهم دفعوا في البداية ما يفترض أنه تكلفة كاملة تتراوح بين 800 و1500 دولار. ومن لم يملك المال تلقى تهديداً بالرمي وسط الصحراء ليواجه مصيره. فلم يجد بعض المهاجرين بداً سوى بيع ممتلكات بسيطة أو استدانة المال من رفاقهم، كما يقول أدامو، الذي كان يحمل كغيره قنينة ماء صغيرة لا تكفي ليوم واحد، مضيفاً أن الرحلة تحولت إلى عملية ابتزاز متكرّرة واختبار قاسٍ، على شكل أعطال ميكانيكية ونقص حاد في المياه، وتهديد دائم من المهرّبين الذين يتعاملون مع الركاب باعتبارهم حمولة بضائع غير آدمية.
اليوم تمكّن أدامو من الوصول إلى أطراف العاصمة الجزائرية، حيث يعمل في ورشة للبناء، بعد تمكنه من الفرار مع عدد من رفاقه من مدينة تمنراست التي عمل فيها متسولاً لصالح شبكة التهريب. على العكس من الشابة النيجيرية أمينة العالقة هناك وتُستغل حالياً في التسول كغيرها من المهاجرين، كما تقول بصوت متقطع، مضيفة لـ"العربي الجديد:" وعدني وسيط في النيجر بعمل لائق في الجزائر، وعندما وصلت إلى هنا، قالوا لي: "عليك أن تجمعي يومياً حوالى 10 آلاف دينار جزائري (70 دولاراً). وإن لم تفعلي، سنعيدكِ إلى الصحراء. لم أكن حينها أملك المال الكافي لسداد ما تبقى من تكاليف الرحلة، فوجدت نفسي مجبرة على التسوّل المنظم في شوارع المدينة".
خلال وجودها في مدينة تمنراست، تعرفت أمينة على مهاجرات يُنقلن إلى بيوت ليعملن خادمات مقابل "دين الرحلة"، وحتّى الأطفال الصغار كانوا وسيلة ابتزاز في أيادي المهرّبين وأقسى ما شهدته ولن تنساه إلى يوم القيامة هو "امرأة تنهار باكية بعدما أخذوا طفلها منها، وأخبروها أنها لن تراه حتّى تدفع".
هذا النمط، المعروف بـ"إعادة بيع المهاجرين"، على "طول طرق الهجرة شمالاً أمر شائع. فهناك ممارسة لبيع المهاجرين إلى عصابات التشغيل القسري"، وفق بحث "تقارب الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين في غرب أفريقيا: عوامل ضغط الهجرة والجهات الفاعلة الإجرامية"، المنشور في مجلة Social Sciences (أكاديمية مقرها في مدينة بازل السويسرية) بتاريخ 22 يوليو/تموز 2025، موضحاً أن "المهربين جزء من نظام أوسع يبدأ بتواصل أولي مع المهاجرين في مجتمعاتهم الأصلية، وينتهي باستغلالهم أثناء العبور أو في وجهتهم النهائية".
تداعيات أمنية وبيئية
يكاد عدد المهاجرين يتساوون مع سكان بعض أحياء مدينة تمنراست، كما يقول أحمد بيكة، لـ"العربي الجديد": "خلق هذا خللاً ديموغرافياً، وولّد توترات اجتماعية، ومنافسة على الموارد القليلة كالماء والغذاء والسكن".
في مقابل ذلك، تستفيد شبكات محلية من تشغيل المهاجرين في أعمال قسرية مثل التنقيب غير المشروع عن الذهب بضواحي بلدية أبلسة بولاية تمنراست، ما يخلق اقتصاداً موازياً يقوّض سلطة الدولة ويعزز منطق من يدفع يحكم، بحسب إفادة بيكة.
تتضح خطورة الظاهرة بالتدقيق في بيانات رقمية صادرة عن وحدات ومفارز الجيش الوطني الجزائري، التي وثقت في عام 2024 إيقاف 13.722 شخصاً في إطار قضايا التهريب والتنقيب غير الشرعي عن الذهب، وصادرت 681 قطعة سلاح ناري، و2 مليون لتر من الوقود، و90 مطرقة ضغط، و8204 مولدات كهربائيّة، و220 جهازاً للكشف عن المعادن، و1620 مركبة، و4.322 طناً من الغذاء، ومن ثم تفاقمت تلك الأعداد في العام الماضي، إذ أوقف 18.744 شخصاً في إطار قضايا التهريب والتنقيب غير الشرعي عن الذهب، و498 قطعة سلاح ناري، و2 مليون و637 ألف لتر من الوقود، و7633 مطرقة ضغط، و12574 مولداً كهربائياً، و280 جهاز كشف عن المعادن، و1747 مركبة، و1298 طناً من الأغذية.
والأخطر أنّ ظروف استغلال المهاجرين في التنقيب غير الشرعي لها تداعيات أمنية وبيئية معقدة، كما يقول لـ"العربي الجديد"، حسان قاسيمي، الخبير في شؤون الهجرة بالساحل الأفريقي ومدير سابق مكلّف بملف الهجرة بوزارة الداخلية الجزائرية، مضيفاً أنّ وجود شبكة تهريب قوية يخلق اقتصاداً موازياً باستغلال العمالة الرخيصة من المهاجرين غير القانونيين العالقين في الجزائر بعد إغلاق أوروبا لمنافذها البحرية والبرية.
45 جنسية أفريقية
يقول موسى الحاج عبد الله، المهاجر من النيجر وهو زميل لأدامو في ورشة البناء إنّهم أجبروا على العمل في التنقيب مقابل وجبات غير مشبعة.
عموماً يبدو أدامو وأمينة وعبدالله محظوظين حتّى اللحظة، على خلاف 24.071 مهاجراً غير قانوني من جنسيات مختلفة وقعوا في قبضة الجيش الجزائري خلال عام 2025، بينما أوقف 29.587 مهاجراً غير قانوني في عام 2024، بحسب بيانات وزارة الدفاع الوطني المنشورة على موقعها الرسمي.
أوقف الجيش الجزائري 24 ألف مهاجر غير قانوني في عام 2025
على هذا النحو، يوجد مهاجرون من 45 جنسية أفريقية في الجزائر، بحسب قاسيمي، مشيراً إلى أنّ الحدود الجنوبية للبلاد أصبحت أكثر عرضة لتدفقات بشرية متزايدة، إذ شهدت الهجرة عبر هذا المسار تصاعداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ضمن تحولات سياسية وقانونية في النيجر، ففي عام 2015، أقرت السلطات بدعم أوروبي قانوناً يجرم تهريب المهاجرين، ما أدى إلى تراجع مؤقت في النشاط. غير أنّ إلغاء هذا القانون في عام 2023، عقب الانقلاب العسكري في البلاد، أعاد تنشيط شبكات الهجرة غير الشرعية بقوة ما ساهم في استئناف عمل قوافل التهريب بوتيرة أعلى، وانعكس مباشرة على دول العبور باتجاه أوروبا، وعلى رأسها الجزائر.
بالتالي فإنّ "ما حدث في النيجر شكل ضربة مباشرة لجهود الجزائر في تأمين حدودها"، كما يقول قاسيمي، مضيفاً: "يواجه الجنوب الجزائري موجات من المهاجرين لا يمكن ضبطها في ظل غياب إرادة سياسية على الطرف الآخر من الحدود".
في النهاية "تهريب البشر ليس مجرد حركة انتقال غير شرعية، بل يولد سلسلة تهديدات أمنية معقدة، إذ تجد الأجهزة الأمنية نفسها مضطرة لتخصيص موارد ضخمة لملاحقة الشبكات بدل مهام استراتيجية أخرى مثل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة" يقول أحمد ميزاب، رئيس اللجنة الجزائرية الأفريقية للسلم والمصالحة، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن ارتباط هذه الشبكات أحياناً بالجماعات الإرهابية يزيد من خطورة الوضع. التهريب يمكن أن يصبح بنية تحتية لوجستية لنقل الأسلحة أو المقاتلين، بينما يُستغل بعض المهاجرين للتجنيد، مستفيدين من ضعفهم المالي والاجتماعي.
كل هذا يشكل خطراً مباشراً على الاستقرار المحلي، إذ يمكن أن يتسلل عناصر مجهولو الهوية ضمن المهاجرين لتنفيذ أعمال تجسس أو تخريب، يقول ميزاب، إضافة إلى ذلك، ينشأ اقتصاد غير رسمي على التهريب والابتزاز، يقوض سلطة الدولة ويخلق مناطق خارج القانون.

Related News
فنزويلا توقع اتفاقات مع شركتي نفط أميركيتين
alaraby ALjadeed
8 minutes ago
روسيا المزود الأول لسورية بالنفط بعد الأسد
alaraby ALjadeed
23 minutes ago