"أرشيف الجثث" يمنح الضحايا فرصة أخيرة للوداع في السودان
Arab
6 days ago
share
في جدول بيانات ضخم، جمع علي جباي معلومات عن آلاف القتلى المجهولين جراء الحرب في السودان، مع صورهم ومواقع المقابر، في مهمة شاقة ومؤلمة، على أمل أن تجد العائلات المكلومة ذويها المفقودين يوماً ما، قائلاً: "نصور كل جثة ونبحث في جيوب الملابس عمّا قد يدل على هويتهم (القتلى). وعند الدفن نضع علامة واضحة على كل قبر". وقبل الدفن ينتظر جباي، الذي يعمل مهندساً في الأصل، 72 ساعة بعد أن ينشر صور القتلى على مواقع التواصل الاجتماعي عسى أن يتعرف إليهم أحد. داخل غرفة مستشفى صغيرة يستخدمها جباي مشرحة، لا يبرّدها سوى جهاز تكييف، مُدّد جثمان امرأة على الأرض وقد غطّى ثوبها البني وجهها وجسمها. وفي حال لم يتعرّف إليها أحد، سيتولى فريق المتطوعين تكفينها ودفنها في مكان قريب. ويروي علي جباي الذي دفن مع فريقه 7 آلاف شخص، أن الجثث ملأت شوارع الخرطوم عند اشتداد المعارك. قائلاً: "خفنا أن تتعفّن" في العراء، فبدأ هذا العمل التطوعي من أجل مجهولي الهوية". وأسفرت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي دخلت عامها الرابع، عن مقتل عشرات الآلاف، بالإضافة الى 11 ألف مفقود، وفقاً لبيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ويقول نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان، خوسيه لويس بوزو جيل: "هذه التقديرات محبطة. لا يمكن تجاهل الصدمة وتأثيرها" على شعب "لا يعرف ماذا يحصل". وقال: "عندما دخلنا مشرحة أم درمان، كان هناك الكثير من الجثث. وكانت الكهرباء مقطوعة منذ وقت طويل. يمكنك أن تتخيل الوضع". ولا توجد في أنحاء السودان مرافق للاحتفاظ بالموتى ولا وسيلة دقيقة لتعدادهم. وكثيراً ما اضطر المسعفون، أثناء المعارك الأشدّ عنفاً أو قصف المرافق كالمدارس والمستشفيات، إلى دفن القتلى بملابسهم، أو في أكياس بلاستيكية، لعدم وجود أكفان كافية. بينما قُتل كثيرون في قرى تفتقر إلى المرافق الطبية أو المشارح أو حتى السجلات الرسمية. ويقول مدير الطب العدلي في وزارة الصحة، هشام زين العابدين، إن مشارح العاصمة كانت ممتلئة حتى قبل الحرب. وخرجت هذه المشارح من الخدمة بعد اندلاع الحرب، وفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، واصفاً زيارته للمشرحة بعدما طرد الجيش قوات الدعم السريع من المنطقة، قائلاً: "كانت المشرحة منهوبة ومدمّرة بالكامل"، وتُركت الجثث فيها لتتحلل.  يروي علي جباي الذي دفن مع فريقه 7 آلاف شخص، أن الجثث ملأت شوارع الخرطوم عند اشتداد المعارك ويركّز عمل الفريق الذي يشرف عليه زين العابدين على استخراج الجثث الملقاة "في الشوارع وفي مجاري المياه ونهر النيل" لتقليل المخاطر الصحية، فقد اضطرت آلاف العائلات لدفن موتاها في قبور مؤقتة وضحلة أمام المنازل وفي الساحات، ما حوّل الخرطوم إلى مقبرة مفتوحة. يقول زين العابدين: "هذا يترك أثراً في المجتمع؛ فهو يحط من كرامة الإنسان ويطَبّع الموت"، مشيراً إلى أنه منذ أعلن الجيش السيطرة على الخرطوم قبل عام، استخرجت السلطات "نحو 28 ألف جثة" كانت قد دفنت في مقابر مؤقتة.  ولا يختلف الوضع في باقي أنحاء السودان بل قد يكون أكثر سوءاً. ففي إقليم دارفور مثلاً يمكن رؤية آثار أعمال القتل وبرك الدماء في صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية. وفي ولاية الجزيرة، أُلقيت الجثث في قنوات الري، فيما لا تكف المسيّرات عن حصد أرواح الناس في كردفان.  وقد تعرّفت عائلات إلى جثث أبنائها، لكنّ عدداً كبيراً من الجثث ظلّ مجهول الهوية. وتحتفظ السلطات بعينات من الشعر أو العظام على أمل أن يجري التعرّف إليهم في ما بعد، علماً أنه لا توجد مختبرات لتحليل الحمض النووي في السودان حالياً. ويقول جيل "نُدرك أن المصير المجهول للضحايا يترك جرحاً مفتوحاً لدى ذويهم. ولا بدّ من معالجة قضية المفقودين من أجل التعافي في المستقبل"، مبدياً صلابة وهو يقوم بعمله، لكن التأثر سرعان ما يطغى على ملامحه حين يذكر شاباً ظلّ يبحث لأكثر من عام عن أبيه وعمه، وكيف انهار حين أُبلغ بمقتلهما في الشارع في أول أيام الحرب، لكن، على الأقل، بات بإمكان هذا الشاب أن يزور قبر أبيه الآن. (فرانس برس)

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows