Arab
انتحر ما لا يقل عن عشرة جنود في الخدمة الفعلية بجيش الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية العام الحالي، ستة منهم خلال الشهر الجاري. كما أنهى ثلاثة جنود آخرين خدموا في قوات الاحتياط خلال الحرب حياتهم هذا الشهر، عندما لم يكونوا في إطار الخدمة الفعلية. وانتحر شرطيان، من بينهم مقاتل في الخدمة الإلزامية بحرس الحدود، خلال هذا الشهر أيضاً.
وتشير المعطيات، بحسب صحيفة هآرتس العبرية، التي نشرت التفاصيل اليوم الاثنين، إلى ارتفاع إضافي في عدد حالات الانتحار داخل المنظومة الأمنية، وهي ظاهرة بدأت مع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وأقرّت مصادر في الجيش بأنهم يواجهون صعوبة في اتخاذ خطوات فعّالة للحد من الظاهرة، خصوصاً في الحالات التي لا يتوجّه فيها الجنود الذين يعانون من ضائقة نفسية لطلب المساعدة.
واعترف أحد كبار المسؤولين في شعبة القوى البشرية، في الآونة الأخيرة، بأنّه "في بداية الحرب اعتقدنا أننا نسيطر على الوضع، لكنه انفجر في وجوهنا". ونسب بعض الضباط الآخرين في الشعبة العدد المرتفع من حالات الانتحار هذا الشهر إلى أحداث إحياء إسرائيل ذكرى قتلاها في الحروب، والانشغال الواسع بقضايا الفقدان والحزن.
وأوضح خبراء في الصحة النفسية أنّ السنوات السابقة لم تُظهر ارتفاعاً لافتاً في عدد حالات الانتحار في الفترات الموازية لمثل هذه الفترة. وقال أحدهم: "من الممكن أن تكون لهذه الأحداث تأثير، لكن لا يمكن الجزم بذلك بشكل قاطع". وبحسب الضباط في شعبة القوى البشرية، فإن استمرار القتال، وما يسببه من ضغط متراكم على عدد محدود نسبياً (من مجمل المجتمع) ممن يؤدون الخدمة العسكرية، يؤثر هو الآخر في حالتهم النفسية وفي الزيادة بعدد حالات الانتحار.
وقدّم نشطاء يعملون في مجال علاج المصابين نفسياً، على خلفية عسكرية، تفسيراً إضافياً محتملاً لهذا الارتفاع. وبحسبهم، طرأ تراجع في حجم الدعم النفسي الذي يقدّمه الجيش الإسرائيلي لجنوده، خلافاً لما يُنشر رسمياً. ففي فبراير/شباط، قرر الجيش إلغاء أيام المعالجة النفسية لجنود الاحتياط، التي كانت تُجرى قبل عودتهم إلى حياتهم المدنية. وبعد الحرب مع إيران وزيادة ميزانية الأمن، تقرر إعادة هذه الجلسات، ولكن ليس بشكل شامل.
وبحسب الصحيفة العبرية، فإنّ جنوداً يخدمون على الحدود الشمالية وفي الضفة الغربية سُرّحوا في الأسابيع الأخيرة دون أن يلتقوا أي مختص نفسي. وقال أحدهم: "هذا ببساطة تصرّف غير مسؤول أن يرسلونا إلى البيت بهذه الطريقة. ينفقون مليارات على الذخائر والصواريخ الاعتراضية، وبهذا الأمر بالذات يوفّرون؟".
ويعتقد عدد من ضباط الصحة النفسية في قوات الاحتياط أن أيام المعالجة النفسية نفسها لا توفّر حلاً كافياً للجنود، الذين خدم جزء منهم مئات الأيام خلال الحرب. وأوضح أحدهم: "في النهاية، هذا لقاء يستمر بضع ساعات، وفي معظم الحالات لا يجريه اختصاصي نفسي سريري. إنها بداية، لكنها بالتأكيد غير كافية". وفي بعض الوحدات المختارة، تقرر إجراء جلسات معالجة نفسية موسّعة، بتمويل من تبرعات جُمعت خصوصاً لهذا الغرض.
وقال جنود إن حضور ضباط الصحة النفسية في الميدان تراجع، وإن بعضهم لم يلتق بأي مختص بعد مشاركتهم في حوادث كان فيها مصابون في جنوب لبنان. كما واصل الجيش خلال الحرب تجنيد جنود يعانون من إصابات نفسية، رغم أنهم كانوا قد سُجّلوا لدى وزارة الأمن بسبب حالتهم النفسية، لكنهم لم يخضعوا بعد للجنة الطبية التي تحدد نسبة إعاقتهم، وجاء تجنيدهم دون التحقق من مدى أهليتهم للخدمة أصلاً.
وفي العديد من الحالات، مارس قادة ضغطاً على الجنود للحضور للخدمة، بل وهددوا بعضهم بالاعتقال. وخلال الحرب، أفاد عشرات الجنود في الخدمة النظامية بأن قادتهم منعوهم من الحصول على علاج نفسي. وبحسب الشهادات، فإن بعض القادة فعلوا ذلك بسبب النقص المتزايد في القوى البشرية داخل الوحدات القتالية، ما يجعل من الصعب إتمام المهام، بينما فعل آخرون ذلك بسبب تصوّرات قديمة وغير محدّثة حول مجال الصحة النفسية.
وحذّر مسؤول سابق في الفرع السريري بقسم الصحة النفسية في الجيش الإسرائيلي، من أن هذه الظروف قد تؤثّر بشكل كبير بعدد حالات الانتحار. وأوضح أنّه "لا يمكن إنقاذ كل شخص، والجيش لا يستطيع الاعتماد بالكامل على منظومة الصحة النفسية، لكن فحص الحالات يُظهر أنه كان من الممكن إنقاذ بعضهم على الأقل، لو أن القادة أولوا اهتماماً للإشارات المبكّرة. المنظومة يجب أن تتحسّن، فهذه لم تعد مجرد إنذارات، بل صفارة إنذار حقيقية".
جرعات زائدة.. ومعطيات من سنوات سابقة
تُظهر المعطيات أنه في العقد الذي سبق السابع من أكتوبر، بلغ المعدّل السنوي لحالات الانتحار في الجيش 12 حالة في السنة، ومنذ ذلك الحين يُسجَّل ارتفاع في عدد الحالات. وتشير البيانات إلى أنه منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى نهاية ذلك العام، انتحر سبعة جنود في الخدمة الفعلية، وفي عام 2024 وضع 21 جندياً حداً لحياتهم، وفي العام الماضي (2025) بلغ عدد الحالات 22، وهو الرقم الأعلى خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة.
ومع ذلك، فإن معطيات جيش الاحتلال تقدّم صورة جزئية فقط عن حجم الظاهرة، لأنها لا تشمل الجنود الذين أنهوا حياتهم عندما لم يكونوا في إطار الخدمة الفعلية. وعلى مدى سنوات، امتنع الجيش عن التطرق للموضوع بدعوى أن الجنود الذين سُرّحوا من الخدمة لم يعودوا ضمن مسؤوليته، لكن سلسلة من التقارير الإعلامية عن جنود شاركوا في الحرب وانتحروا بعد خلع الزي العسكري أجبرت الجيش على تغيير سياسته، ولو بشكل محدود.
وفي نهاية عام 2025 وافق الجيش الإسرائيلي على الكشف بأن فحصه أظهر وجود 15 حالة من هذا النوع حتى ذلك الوقت. وأشارت صحيفة هآرتس إلى ما لا يقل عن أربع حالات إضافية منذ ذلك الحين، ثلاثة منها خلال الشهر الأخير. وإلى جانب هؤلاء، كانت هناك عدة حالات لجنود شاركوا في حروب سابقة، شُخّصوا باضطراب ما بعد الصدمة، وأنهوا حياتهم بعد السابع من أكتوبر. كما رصدت وزارة الأمن عدة حالات لجنود احتياط شاركوا في الحرب، وعانوا من ضائقة نفسية، وبعد تسريحهم توفوا نتيجة جرعات زائدة من مواد مخدرة أو كحول.
مع ذلك، يواصل قسم الصحة النفسية في جيش الاحتلال الادّعاء بأنه لم تُحدَّد بوضوح سمات مشتركة لحالات الانتحار منذ بداية الحرب، لا من ناحية الوضع العائلي، ولا الخلفية الاقتصادية، ولا ظروف الخدمة العسكرية. ويعزو القسم الارتفاع في عدد حالات الانتحار خلال الحرب إلى الزيادة الكبيرة في حجم القوات، وخاصة في صفوف قوات الاحتياط.
وقال الجيش الإسرائيلي في رده إنه "يرى في الصحة النفسية لجنوده، في الخدمة النظامية والاحتياط، جزءاً لا يتجزأ من مسؤوليته والتزامه تجاههم وتجاه جاهزيتهم العملياتية. ورغم تقليص أيام المعالجة النفسية وفق الصيغة التي اعتُمدت هذا العام، فإن لكل قائد لواء مجموعة أدوات تهدف إلى مساعدة الجنود وتنسيق أيام معالجة وفق الحاجة والمهمة". وأضاف الجيش أنه "منذ بداية الحرب جرى توسيع منظومة الصحة النفسية بشكل كبير، من خلال تجنيد مئات المهنيين ونشرهم في جميع الجبهات، بما في ذلك قطاع غزة والحدود الشمالية. إلى جانب ذلك تُجرى عمليات معالجة ودعم عاطفي لعشرات الآلاف من الجنود، ويستمر حجم الاستجابة في التوسّع وفق الاحتياجات الميدانية".

Related News
12 شركة طيران تستأنف رحلاتها من سورية وإليها
alaraby ALjadeed
7 minutes ago
خالد كمال: الشغف يقود اختياراتي الفنية... لا الحسابات
aawsat
8 minutes ago