انقلاب في خريطة الملاحة الدولية و"فتنة" هرمز الكبرى
Arab
4 days ago
share
أكدت الحرب على إيران عدة حقائق يجب التوقف عندها ودراستها جيداً، خاصة وأن نتائجها قد تُحدث انقلاباً في خريطة الملاحة الدولية وتغيراً جذرياً في طبيعة الممرات والمضايق المائية، وربما تمتد التأثيرات إلى القنوات المائية الصناعية، وفي مقدمتها قناة السويس وقناة بنما ومضيق البوسفور التركي، ومستقبلاً إلى قناة إسطنبول، البالغة كلفتها نحو 20 مليار جنيه إسترليني، وتسابق الحكومة التركية الزمن لتدشينها، باعتبارها أحد أكبر إنجازاتها منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002. الحقيقة الأولى تكمن في أهمية مضيق هرمز، باعتباره إحدى أبرز نقاط السيطرة والتحكّم في الاقتصاد الدولي، وربما في مصاير الشعوب، والممر البحري الأهم في تجارة العالم والأسواق، والثانية هي استخدام إيران المضيق سلاحاً فتاكاً في مواجهة العالم كله وليس الولايات المتحدة فحسب، والثالثة هي الأهمية الاستراتيجية للمضايق البحرية ونقاط العبور الحيوية، والدليل أن إغلاق مضيق هرمز أربك الأسواق العالمية، وفي مقدمتها أسواق الطاقة، والأغذية، والأسمدة، وخنق شريان النفط والغاز، والصناعات المرتبطة بهما، والرابعة هي محاولة إيران والولايات المتحدة وغيرهما من الدول المشاطئة إعادة رسم قواعد الملاحة العالمية، وإدخال تعديلات جوهرية على نظام الملاحة الدولي. وتكمن الحقيقة الخامسة في تجاهل طهران وواشنطن أحكام القانون الدولي العام لأعالي البحار، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الصادرة عام 1982، التي تنص صراحة على أحقية العبور في المضايق التي تربط بين بحرين للسفن والطائرات، وحرية الملاحة في الممرات البحرية، وعدم إعاقة مرور السفن والطائرات. أما الحقيقة السادسة فهي أن الاقتصاد العالمي لا يتحرك عبر ضخ الأموال والثروات، وتنشيط أسواق المال، وإنتاج مزيد من السلع والخدمات، وإقامة المصانع والشركات وسلاسل التوريد فقط، لكن أيضاً عبر مضايق وممرات مائية ضيقة، تختصر المسافات بين الدول والأسواق، وتحدد كلفة التجارة وتدفق مشتقات الطاقة والسلع، كما هو الحال مع هرمز وقناة السويس وقناة بنما، فإغلاق القناة المصرية في عام 2021 ولمدة ستة أيام، هزّ أنشطة التجارة الدولية، وتسبب في فوضى عارمة بأسواق العالم، وكذا الحال بالنسبة لمضيق هرمز حالياً، الذي تمرّ عبره نحو 20% من صادرات النفط والغاز العالمية. الاقتصاد العالمي لا يتحرك عبر ضخ الأموال والثروات، وتنشيط أسواق المال، وإنتاج السلع والخدمات، وإقامة المصانع، لكن أيضاً عبر المضايق والممرات المائية في ظل تلك الحقائق وغيرها تبدو مخاطر تحرّك إيران والولايات المتحدة نحو فرض رسوم على السفن والشاحنات المارة بمضيق هرمز، وهو ما يخالف القانون الدولي، والأخطر أنه يفتح الباب على مصراعيه أمام تكرار التجربة في مناطق أخرى، إن استطاعت طهران فرضها بالقوة، كما تلوّح الآن، فجماعة الحوثي اليمنية قد تتحرّك لفرض رسوم مماثلة على السفن المارة في مضيق باب المندب، وكذا حكومة الصومال من الناحية الأخرى من المضيق، حيث تتحكّم في مدخل البحر الأحمر من ناحية الغرب. أما الخطوة الأخطر هنا فتتعلق بمضيق ملقا، البالغ طوله 900 كيلومتر، ويقع بين إندونيسيا وسنغافورة وماليزيا، ويربط المحيط الهندي ببحر جنوب الصين، وهو من أكثر الممرات ازدحاماً في العالم، حيث يمرّ عبره نحو 40% من التجارة العالمية، ما يجعله ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة والسلع نحو جنوب شرق آسيا. فالدول الثلاث التي تتقاسم الإشراف عليه، ومنها إندونيسيا، قد تسير على خُطى إيران في حال نجاح طهران في فرض رسوم على السفن المارة في مضيق هرمز، بهدف جمع إيرادات تقدّر بنحو 64 مليار دولار سنوياً، وقد تستغل الصين فرصة الاضطراب في المضايق والممرات الدولية في توسيع نفوذها البحري داخل المنطقة والسيطرة على تايوان. يتكرر المشهد في تركيا، حيث يقع مضيق البوسفور الذي يربط البحر الأسود ببحر مرمرة، ويشكل فاصلاً طبيعياً بين قارتي آسيا وأوروبا في إسطنبول، ويخضع لاتفاقية مونترو. وكذا الحال مع مضيق الدردنيل وهو ممر مائي استراتيجي يقع في شمال غرب تركيا، ويربط بحر مرمرة ببحر إيجة والبحر المتوسط، ويعد جزءاً من الممرات المائية التركية التي تربط البحرين الأسود بالمتوسط، وهو شريان حيوي لحركة الشحن والتجارة الدولية. نجاح إيران في تغيير قواعد المرور بمضيق هرمز وتحول الأمر إلى "فتنة كبرى" لن يقف صداه عند التأثير سلباً على خريطة أسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية ببساطة، نجاح إيران في فرض أي تغيير في قواعد المرور بمضيق هرمز وتحول الأمر إلى "فتنة كبرى" لن يقف صداه عند التأثير سلباً وبشكل مباشر على خريطة أسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية، لكن سيكون التأثير الأكبر بحركة التجارة الدولية، وزيادة كلفتها، وهو ما يغذّي موجة التضخم العالمية والركود، ويدعم زيادة أسعار السلع الرئيسية، وفي مقدمتها الأغذية، ومشتقات الوقود والأسمدة، ويهزّ استقرار الاقتصاد العالمي الذي يعاني منذ سنوات، بسبب جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، وتعقّد سلاسل التوريد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows