Arab
تثير الحرب في الشرق الأوسط، وعليه، سؤال حضور الدولة فيه، خصوصاً أنّ أراضي اثنتين من دوله (العراق ولبنان) جزء من ساحة تلك الحرب، وهما الطرف الأضعف فيها، وضعفهما سابق على الحرب، يعود في العراق إلى الاجتياح الأميركي (2003) الذي تعمّد هذا التفكيك، وبشّت له إيران والأكراد، ولم تكن قبله موطّدة الأركان، على الرغم من السلطة الواحدة والماسكة، لغياب إنتاج السلطة الديمقراطية. ويعود في لبنان إلى مفاعيل هزيمة حزيران (1967) التي تنامت في الحرب اللبنانية (1975 - 1989)، وحالت الوصاية السورية وصعود المقاومة الإسلامية دون إرساء اتفاق الطائف، على عيوبه الدولتية، ولم تكن الدولة فيه قبل الهزيمة موطّدة الأركان للمراعاة المتعمّدة والمغالية للطائفية. والسؤال الذي يتجاوز المعطيات القائمة: هل يمكن قيام الدولة في اللحظة الراهنة المرشّحة للاستمرار؟ ويتعمّد الكاتب هنا القول: "قيام" لا "بناء"، كما يكتب بعضهم، لدلالتها اللغوية في الانتقال من وضع القعود لا العدم، إلى النهوض من جهة، والرعاية من جهة ثانية. والدولة هي كذلك من ناحية حضور الأمرة في أي اجتماع منذ بدء تكوّنه، وناحية وجود دول حديثة في الدول المتعثّرة في منطقتنا، أيّاً كانت ثغراتها.
وجود الدول، على علّاتها في مجالنا منذ 1920، أنتج مشتركات بين المقيمين ضمنها في السكن والاقتصاد والثقافة والولاء، لم تنجح الاقتتالات في شطبها
يُجمع الناس على المطالبة بالدولة، بما فيها القوى الفاعلة والخارقة لها من موقع انتماء تقليدي أو من موقع تبعي، لكنّ البنية المجتمعية لهذه البلدان لا تقول هذا، فالدول التي قامت بعد اتفاق سايكس - بيكو لم يكن لها إرث دولتي حديث، ولم تكن رأسمالية موطنها نازعة وقادرة على بناء سوق يوحّدها، كما فعلت نظيرتها الأوروبية قبل أكثر من قرن، وكان حضورها بفعل قرار الدول المنتدبة، وهو يتجاوز تعمّد التجزئة، وهي، في الأساس، موحّدة بالانضواء في الدولة العثمانية، لا العربية ولا السورية، إلى تلبية متطلّبات الشركات الرأسمالية في مرحلة الإمبريالية، من ناحية توفير مؤسّسات حديثة تيسّر استثماراتها. وكان تعاملها مع نُخب تلك المرحلة (وهي تقليدية)، فراعتها ورعتها منتجة أنظمة ودولاً هجينة، لم تفلح القوى الوحدوية والشيوعية في دفع ما أنجز دولتياً، لانشغالها بالكمال، وكذا كان الحال بعد الاستقلالات، إذ انشغل الاستقلاليون، يميناً ويساراً، قطرياً ووحدوياً، بالسلطة دون الدولة.
يقود هذا التأسيس الملتبَس للدولة إلى استمرار الانتماءات الأولية للناس في هذه البلدان ومراعاتها بالنصّ، كما في لبنان، وإبقائها حيّة في الولاءات لأركان السلطة، كما في غيرها، ولم تُتِح صيغ رأسمالية الدولة قيام رأسمالية توحّد السوق، بل وحّدت السلطة التي أصبحت ربّ عمل، أيضاً، وأنعشت الولاءات. وتزامن دخول الإمبريالية، بالمعنى الاقتصادي، في مرحلة العولمة، وما رافقها من تطوّرات تكنولوجية في ثمانينيّات القرن العشرين مع نماء، عفوي أو متعمّد، للحركات الاسلامية، وكلاهما اشتغل على تفكيك الدولة، فلم تعد الشركات متعدّدة الجنسية، واستتباعاً دولها، بحاجة إلى الدولة، بما فيها في المركز فكيف بالأطراف، ولا تتطلّب العودة إلى الإسلام الأول دولاً حدّت منه. ولم يكن صدفة اندلاع الحرب في لبنان، المستمرّة، بأشكال مختلفة، وحصار العراق، ثم تفكيكه في هذه المرحلة.
وتجاوز تفكيك الدول الخطاب السياسي والدعوي في الحقل السياسي إلى البنية المجتمعية، فأصبح للقوى الناقضة فكرة الدولة فئات اجتماعية مستفيدة ولها مصالح معها، وتتجاوز الاستفادة المباشرة "الكاش" لقوى وشخصيات تابعة، وهو قديم في تاريخنا السياسي، وإن تضخّم، راهناً، إلى نمو شركات مرتبطة بالشركات العالمية، ما أدّى إلى ضعف القطاعات الإنتاجية، وأكثرها أهمية الزراعة والصناعة، أولاً، وإقامة مشاريع خدماتية لطوائف ومناطق خارج إشراف الدولة، ثانياً. ويتساوى في هذا الشركات العالمية ودولها والمحاور المعارضة لها من المنطقة وخارجها، وإن كانت الأولى أكثر فعلاً. ويعني هذا أنّ تفكيك الدولة أصبح حاضراً بفعالية في البنية المجتمعية والسياسية، وقد غذّته اقتتالات داخلية زمناً طويلاً، فقد الناس (ويتعمّد الكاتب هنا ألّا يقول: "المواطنون") ثقافة القانون والانتماء الوطني، فكيف يمكن قيام الدولة، أو بالأحرى هل يمكن قيامها؟
قد تكون الرأسمالية في مرحلتها الراهنة تتطلّب تجاوز الدولة الوطنية، فكذا عملت الرأسمالية في بدء تشكّلها، إذ جبّت نمط الإمارات المحلّية والإمبراطوريات الدينية، وأقامت دولاً وطنية، كما قد يكون خيار الخروج من الوهن والاستتباع ببناء دولة إقليمية محقّاً، وقد خبرناه في المشروع العروبي في الخمسينيّات ولم ينجح، وخبرته الحركة الصهيونية في توسّعها في حرب 1967، وفي معاهدتَي التطبيع، ولم يُلبِّ طموحها.
لكن التجاوز الرأسمالي الراهن للدولة الوطنية، والحدّ منها، وتفكيكها في الأطراف ومنها منطقتنا العربية، دونها عقبات تندرج في وجود دول كبرى بصناعات حديثة وإرث دولتي تعارضها (الصين، وروسيا، والدول الأوروبية) أولاً، ووجود مؤسّسات دولية أرست العلاقات العالمية على بنى الدولة، ثانياً، ووجود تنوّع ثقافي في العالم مقاوم لها، ثالثاً، ووضوح توحّش الرأسمالية وجشع استغلالها، رابعاً. وكذا محاولة التجاوز الإيراني حدودها دونه عقبات من نوع آخر، أبرزها: تباين مرتكزها الفكري في التوسّع (التشيّع) مع الفكر الديني السائد في المنطقة، والتنافس مع المحاور الإقليمية والعالمية على المنطقة، وأبرزها أميركا وإسرائيل، واستمرار حضور العروبة في فكر المنطقة السائد الذي لم تخاطبه بمنطق جامع، سوى القول بتحرير فلسطين، ممارستها المنفرة في أكثر من بلد عربي، إن بالمساهمة في الاحتلال الأميركي للعراق (عفواً أو عمداً)، وفي الأحداث السورية، وفي اليمن. ومثله التوسّع الصهيوني، إذ يُجمع الجوار العربي على رفض إقامة "إسرائيل"، ولم يسلم أو يستسلم لانتصاراته، ولم تنتج معاهدتَا التطبيع نيل قبول عند شعوب المنطقة، وتثير الفجاجة والوحشية في خطابها وممارستها الرعب والرفض معاً لها، وكان الإيغال في ذلك، خاصّة في الإسقاط الفعلي للحكم الذاتي للفلسطينيين، وشطب حضورهم، حتى الجسدي، مدعاة الرفض بين العرب، بما فيهم القابلون بتسوية ما مع إسرائيل.
ويعني هذا الجنوح إلى التفكّك، وهو قائم فعلاً في بعض البلدان، وهذه المقاومة له، عالمياً وعربياً، تعني أنّنا في فراغ دولتي بالشرق الأوسط، والفراغ مستحيل في الطبيعة والاجتماع، فكانت التعبئة بالعصبيات الأولية التي سقط أو ضعف عُرفها بمرور الحداثة، لكنّ القوى الإقليمية المتصارعة ترعاها بانتظار أن تندرج في مشروع كلٍّ منها، الأمر الذي يدفع إلى القول بصعوبة قيام الدولة الوطنية.
المهمة الراهنة (والملّحة)، قيام ناظم للاجتماع السياسي، هو دولة بسلطة واحدة منتجَة من ناسها
يدرك الكاتب صعوبة هذا، ويتهيب القول باستحالته لتحكّم القوى التابعة والمستفيدة من المحاور في اللحظة الراهنة بها، لكن المحاولة ممكنة، لأن منطق الاجتماع السياسي، منذ القدم حتى اليوم، يفترض قيام إمرة واحدة لأي جماعة وقانون/ عرف يحكم علاقات مكوّناته، ولأنّ وجود الدول، على علاتها في مجالنا منذ 1920، أنتج مشتركات بين المقيمين ضمنها في السكن والاقتصاد والثقافة والولاء (حبّ الوطن على الأقلّ)، لم تنجح الاقتتالات في شطبها، وما زالت بيروت ودمشق وبغداد مدن جمع لا تفرقة، كما أنّ وجود فئات اجتماعية متضرّرة من ضعف مؤسّسات الدولة، وأحياناً غيابها، وأبرزها: المزارعون، والحرفيون، وما تبقى من صناعيّين وتجّار محلّيين، ناهيك عن استمرار وجود المؤسّسات العامة، وأبرزها الجيش وقوى الأمن والتعليم الرسمي، وهي، بمعنى ما، قطاعات إنتاجية تضمّ ألوف الشباب. وهناك أيضاً عامّة الناس، بمن فيهم العاملون في شركات وهيئات الخارج، وجنود القوى العسكرية والسياسية، المناهضون، لشعور بالغبن من جهة، ولفقدان الأمن من جهة ثانية، ولاستحالة التوفيق بين علاقات اجتماعية حيّة وعلاقات متخيّلة مع العالم أو مركز التوجيه الديني. وأخيراً، هناك التنافس الإقليمي والدولي الذي قد يتيح ذلك، لا بل يستدعيه ليكون لنا حضور، ولو ضيّقاً، فيما ستستقر عنده الأوضاع.
يبقى السؤال: من يعلّق الجرس، بخاصّة أنّ طبيعة هذه الفئات مبعثرة جغرافياً، وأن الأحزاب السياسية والهيئات النقابية الناشطة في مراحل سابقة لم تراجع تجربتها، وكذا المنظّمات المدنية، ولم تدرك هذه القوى أنّ مهامّ المرحلة الراهنة تختلف عن السابقة، ولا يخرجها من أزمتها استخدام خطاب ووسائل المرحلة السابقة لمواجهة مهام المرحلة الراهنة، فإمّا أن تتراجع وتُغيّر وإمّا أن تستريح.
والمهمة الراهنة (والملّحة)، قيام ناظم للاجتماع السياسي، وهو في اللحظة الراهنة الدولة من دون إضافات، وبالحدّ الأدنى دولة بسلطة واحدة منتجَة من ناسها وقانون يحكم العلاقات فيما بينهم ومع الخارج. وهذا يحمي هواجس الأقلّيات التي توهّمت أنّ أحزابها تحميها، ولم تفلح، ويشكّل الخطوة الأولى لقيام الوحدة أو الاتحاد العربي أو السوري الذي توهّم الوحدويون أنّ حمل الشعار ونشر الدعوة يحقّقها، ولم يفلح، ويشكّل الموضع الأكثر إيلاماً للإمبريالية، بالمعنى السياسي، الذي توهّم اليساريون أنّ إسقاطها في الخطاب وفي الهواء الطلق ممكن، ولم يفلحوا، وهي التي توفّر لهؤلاء كلّهم، وللناس جميعهم، المواجهة للصهيونية في لحظة توحّشها الإسرائيلي، وفي سعيها إلى استتباع المنطقة بالمفرّق.

Related News
الدوري السعودي: القادسية يكسر غرور النصر بثلاثية
aawsat
7 minutes ago
رباعية الأهلي ترسل الأخدود إلى «يلو»
aawsat
10 minutes ago
ميلانشون يعتزم الترشح لرئاسة فرنسا في 2027
alaraby ALjadeed
14 minutes ago