إن المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران تفرض إعادة تقييم جذرية لما جرى وصفه تقليدياً بـ “محور المقاومة”. فلم تعد الأدلة تدعم النظر إلى هذا المحور كتحالف سياسي فضفاض أو مجرد ائتلاف بين إيران وجماعات مسلحة تابعة لها، بل تكشف عن منظومة عسكرية عابرة للحدود تم بناؤها عمداً على مدى عقود لتعمل كامتداد لعقيدة الحرب الإيرانية خارج حدودها.
هذه ليست مجرد شبكة من التحالفات، بل هي بنية عملياتية متكاملة، تعمل من خلال قيادة وسيطرة مركزية، وتتحرك ككيان متماسك ضمن إطار استراتيجي موحد.
أولاً: مركزية القرار وتناغم الإيقاع العملياتي
تظهر الأحداث الأخيرة أن تحركات الوكلاء الموالين لإيران ليست عفوية ولا مدفوعة بأسباب محلية، بل هي منسقة عبر مسارح متعددة، مما يعكس تصميماً عملياتياً مشتركاً.
ويشير هذا المستوى من التناغم بوضوح إلى وجود هيكل قيادي مركزي، يُدار على الأرجح من قبل الحرس الثوري الإيراني، الذي يتولى مسؤولية:
- توزيع الأدوار بين قوى الوكلاء.
- التحكم في دورات التصعيد والتهدئة.
- ضبط مستويات الاشتباك لتحقيق أقصى تأثير استراتيجي مع تقليل التكاليف المباشرة على إيران.
إن هذا التنسيق يعكس تحول نشاط الوكلاء من العمل اللامركزي إلى ما يعادل وظيفياً “قيادة مسرح عمليات إقليمي”.
ثانياً: التخصص الوظيفي عبر مسارح الاشتباك
تتمثل السمة البارزة لهذه المنظومة في التوزيع المتعمد للأدوار العملياتية عبر المسارح الجغرافية:
- البحر الأحمر وخليج عدن: فتح الحوثيون جبهة ضغط بحري تستهدف الملاحة التجارية وتدفقات الطاقة لفرض تكاليف اقتصادية عالمية.
- لبنان: يعمل حزب الله ضمن نموذج تصعيد مدروس — يمكن وصفه بـ “حرب استنزاف وإشغال” — لإنهاك الخصوم دون الانزلاق إلى صراع شامل.
- العراق: تنفذ الميليشيات الموالية لإيران هجمات موزعة على المصالح الإقليمية والدولية، لتعمل كأدوات مرنة للضغط متعدد الاتجاهات.
هذا التوزيع ليس عرضياً، بل يعكس تصميماً استراتيجياً يهدف إلى توسيع ساحة المعركة، وتشتيت تركيز الخصم، وتقليل فرص القيام برد انتقامي حاسم.
ثالثاً: الاستثمار طويل الأمد في قدرات الحرب غير المتكافئة
إن فاعلية هذه المنظومة هي نتاج استثمار مستدام وطويل الأمد، وليست مجرد تعبئة رد فعل. فقد طورت إيران بشكل منهجي قدرات وكلائها من خلال:
- نقل تكنولوجيا الصواريخ المتقدمة والطائرات المسيرة.
- التدريب على خوض الحروب غير المتكافئة وغير النظامية.
- توسيع قدرات الضربات بعيدة المدى.
- تأسيس شبكات لوجستية واستخباراتية متكاملة.
لقد حوّلت هذه الجهود جماعات الوكلاء من ميليشيات محلية إلى قوات شبه نظامية مندمجة ضمن منظومة قتالية إقليمية.
رابعاً: انهيار سردية “الفاعل المحلي”
لقد فككت المواجهة بفعالية الادعاء بأن هذه الجماعات تعمل كحركات وطنية مستقلة، بل أظهرت خصائص واضحة لتبعيتها لهيكل قيادي عابر للحدود، يتسم بـ:
- الارتباط الأيديولوجي بمبدأ “ولاية الفقيه”.
- الاندماج ضمن سلسلة قيادة مركزية.
- العمل كطبقة دفاع أمامي للمصالح الاستراتيجية الإيرانية.
- العمل كأدوات لتصدير الصراع بعيداً عن الأراضي الإيرانية.
وهذا يعكس نموذجاً ناضجاً لحروب الوكالة المدارة مركزياً، وليس مجرد شراكة لامركزية.
خامساً: التداعيات الاستراتيجية على الأمن الإقليمي والعالمي
تفرض بنية الحرب هذه فئة جديدة من التحديات الاستراتيجية:
- تهديد التجارة العالمية: تعطيل الممرات البحرية الرئيسية (البحر الأحمر، باب المندب، مضيق هرمز).
- تآكل نماذج الردع: غموض الجهة المسؤولة يعقد الرد من دولة إلى دولة.
- ضغط مستمر متعدد الجبهات: تصعيد متزامن عبر مسارح مختلفة.
- تقويض السيادة: جهات مسلحة تعمل خارج نطاق سيطرة الدول التي تتواجد فيها.
لم يعد هذا صراعاً ثنائياً، بل يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة الحروب.
الخاتمة
الدرس الأساسي المستفاد واضح: استهداف إيران وحدها لا يكفي. فمركز الثقل الحقيقي يكمن في شبكتها الإقليمية الموزعة، التي تمنحها القدرة على الصمود، والإنكار، وتجديد الصراع.
وبناءً عليه، يجب أن تركز الاستراتيجية الفعالة على:
- تفكيك التماسك العملياتي للشبكة.
- تقويض عمودها الفقري اللوجستي والتكنولوجي.
- تعزيز سيادة الدول التي ينشط فيها الوكلاء.
- تأسيس إطار دولي منسق للتعامل مع هذا النموذج كتهديد عابر للحدود.
إن الفشل في معالجة هذه البنية سيتيح للمنظومة الاستمرار والتكيف والتجدد، حتى لو تعرضت إيران نفسها لضغوط مستمرة.
معمر الإرياني، وزير الإعلام اليمني
المصدر: مجلة يونيباث، تصدر عن قيادة القوات المركزية
The post إيران تنظر إلى الميليشيات الإقليمية كأفرع لقواتها المسلحة appeared first on يمن مونيتور.
أخبار ذات صلة.