العبث الكيماوي... ورشة حدادة ونائب رئيس بين مشهدين تاريخيين
Arab
1 hour ago
share
يحدث أن يولد مذهبٌ ما في مكان، و"يزدهر"، وربما يتحوّر في مكانٍ بعيدٍ تماماً. هذا ما حدث مثلاً مع الشيوعية، وما حدث في مثالٍ منفصل مع مذهب العبث في المسرح، الذي وُلِد في مكانٍ قصيٍّ عن سورية، لكنه "أخذ مجده" فيها لأن البلاد كلّها كانت "خشبته" بكل بساطة. وإذا كان من موجبٍ لهذه المقدمة، فإنه موجودٌ في ثنايا الكشف "العَرَضي" عن قضية التعامل مع 75 أسطوانةٍ كيماوية من مخلفات المخلوع، آلت إلى ورشة حدادة، لتتحول إلى خردةٍ للبيع، وأُصيب مَن أُصيب جرّاء ذلك، وكان يمكن أن يكون لذلك وقعٌ أفدح لو وصلت تلك "الخردة" لتدخل في مقعدِ تلميذٍ بمدرسة، أو سريرِ مريضٍ في مستشفى. أغلبَ مَن شهدوا أو شاركوا في دفنها قد دُفنوا، فإن مأساة مواراة النفايات السامة في البادية السورية ما زالت ماثلةً للعيان، شاهدةً على نوعٍ استثنائي من القضايا التي تتشابك فيها الصراعات الشخصية مع النفوذ وتصفية الحسابات استبدادٌ وحرية وعلى شفافيته غير المعهودة في سورية، فإن هذا الكشف على لسان مندوب سورية الدائم في الأمم المتحدة إبراهيم العلبي، والذي جاء مدسوساً في ثنايا خطابه، أبقى أسئلة حرجة معلّقةً في أذهان السوريين، عن فحوى أن نأخذ علماً بهذا الحدث الخطير الذي شهدته سورية من نيويورك وليس من دمشق، وعن مدى نجاعَةِ الخطوات التي اتُّخذت (إن اتُّخذت أصلاً) في سبيل محاسبة المسؤولين عمّا جرى؛ أقلّها لبثّ الطمأنينة بأنه لن يتكرّر، وأننا بتنا أمام سلطةٍ تطبّق أعلى معايير الأمان والسلامة في تعاملها مع السموم والمواد المميتة، حرصاً على سلامة مواطنيها أولاً، وليس لمجرّد حصد شهادات، أو تسجيل نقاطٍ سياسية، كما سنرى في حيثيات قضية النفايات الكيماوية التي مضى عليها نحو 40 عاماً، وأعادتها الحادثة الأخيرة إلى الذاكرة قسراً وقهراً. ورغم أن أغلبَ مَن شهدوا أو شاركوا في دفنها قد دُفنوا، فإن مأساة مواراة النفايات السامة في البادية السورية ما زالت ماثلةً للعيان، شاهدةً على نوعٍ استثنائي من القضايا التي تتشابك فيها الصراعات الشخصية مع النفوذ وتصفية الحسابات، لكنها تؤول، في النهاية، إلى مكانٍ واحد: إفلات (بل تأمين إفلات) المتورّط الرئيس من العقاب، وسقوط حقوق الضحايا، لأنهم لم يُذكروا أصلاً في ملف دعوى، بل إنه لم تكن هناك دعوى من أساسها، وفق ما تدلّ بياناتٌ نعرضها للمرة الأولى. ففي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، خرجت أولى المعلومات عن تلك المأساة في شكل تسريباتٍ محدودة و"منضبطة" أملاها تناطح أمراء النفوذ داخل نظام حافظ الأسد، وأوصل بعضهم خبرها إلى الصحافة اللبنانية التي نشرت تفاصيل عنها تحت عنوانٍ عريض: "مَن سمح بدفن النفايات الكيماوية في صحراء تدمر؟ دمشق: قصة فضيحة اسمها زنوبيا"، في يونيو/ حزيران 1988. ومعلومٌ أن صحفاً غير قليلة في لبنان في تلك الفترة كانت صندوق رسائل يودِع فيه كبار مسؤولي النظام ما يريدون من رسائل، مستفيدين من جوّ الهيمنة على هذا البلد، ومن حرية الصحافة فيه في آنٍ معاً. متجايلان وبعد قفز عبد الحليم خدّام من سفينة المخلوع عام 2005، صار الحديث عن جريمة دفن النفايات السامة متاحاً جهاراً نهاراً، بل ومطلوباً، ما رسّخ انطباعاً عاماً أن النظامَ حاكم (أو سيحاكم) خدّام عن هذه الجريمة التي قد لا تقلّ عن جرم "الخيانة العظمى"، لكن الحقائق المثبتة تقول غير ذلك. فحسب سجلاتٍ رسمية اطّلع عليها معدّ هذه المادة، صدرت بحق خدّام بعد انشقاقه ما لا يقلّ عن ثمانيةِ أحكام، من مختلف المحاكم والدرجات، ولم يكن بينها واحدةٌ تتعلّق بجريمة دفنه موادّ مشعّة تورّط فيها مع البحّار السوري م. ط. المتحدّر من جزيرة أرواد، والذي يطابق عمرُه عمرَ خدام. وعقب انشقاقه عن النظام، حاول عبد الحليم خدام بشتى السبل نفي علاقته بقضية دفن النفايات، لكنه، لا هو ولا ابنه الأكبر تحديداً، استطاعا يوماً إنكار علاقتهما بـ"م. ط"، الذي طولب به عبر الشرطة الدولية (الإنتربول)، وتم التعامل مع ما ارتكبه بوصفه قضيةً اقتصادية الأبعاد لا غير، بل كانت أول مذكرة توقيف على الغياب بعد الواقعة، وعقب تواريه (صدرت عام 1988)، كانت من هذا الباب. أمّا خدّام، الذي حمّل قضية النفايات السامة كلها لـ"م. ط"، فلم يحاكمه المخلوع عليها أبداً، رغم كل الضجة التي أمر أتباعه بإثارتها حوله وحول علاقته بهذه القضية خاصة. لو فرضنا أن حصانة خدّام حالت دون محاكمته عن قضية النفايات مع "م. ط" أيام كان نائباً للرئيس، فكيف نفهم منعَ محاكمته بعد زوال مناصبه وانفكاكه التام عن النظام؟ نقرأ من سجلات موثقة، مثلاً، أن قاضي الفرد العسكري الرابع في دمشق أصدر في إبريل/ نيسان 2007، قراراً خلاصته حبس خدّام ثلاث سنوات، وتغريمه ألفَي ليرة، "بجرم إخفاء أسلحة الجيش". وكانت محكمة بداية الجزاء في بانياس قد أصدرت في 14 يونيو/ حزيران 2006، حكماً على خدّام، مستنداً إلى تورّطه في التعدّي على "أملاك الدولة"، مع عقوبةٍ قوامها ستة أشهر حبس. وفي سبتمبر/ أيلول 2008، أوكل المخلوع أمر خدام إلى المحكمة الجمركية في طرطوس، التي دانته بجرم "الاستيراد تهريباً"، وألزمته بغرامةٍ 465 ألف ليرة. وبعدها بنحو عامين، حاكمته محكمة الجنايات في طرطوس بجرم سرقة أموالٍ عامّة مقروناً بإساءة الأمانة، وأصدرت عليه حكماً بالسجن 15 سنة، فضلاً عن حجره وتجريده مدنياً، بموجب القرار رقم 223. ولم تكن هذه المحاكمة الغيابية الوحيدة لخدام أمام محكمة الجنايات في طرطوس، بل سبقتها محاكمةٌ بجرم سرقة أموالٍ عامة، وأخرى بجرم اختلاس، وقد انتهت كلُّ محاكمة منهما عن حكمٍ متطابقٍ في ما يخص مدة سجنه، وضرورة حجره وتجريده مدنياً، فضلاً عن تغريمه بدفع عشرات ملايين الليرات. ورغم أنها كانت أطول لائحة اتهامٍ وُجّهت إلى عبد الحليم خدّام، كما حملت أشدّ العقوبات الموقعة بحقه، فإن ما جاء في حكم المحكمة العسكرية بدمشق في صيف 2008 لم يأتِ مطلقاً على ذكر النفايات السامة ولو بحرفٍ، بل حكمت على الرجل بالأشغال الشاقة المؤبدة، جزاءً لقيامه بجملة أفعالٍ من أهمها: جرمُ الافتراء الجنائي، والإدلاء بشهادةٍ كاذبةٍ بتحقيقٍ جنائي، والنيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي، ودسّ الدسائس لدى دولةٍ أجنبية، والإقدام على أعمال مكاتباتٍ وخطاباتٍ لم تجزها الحكومة السورية، والمؤامرة لاغتصاب سلطةٍ سياسيةٍ ومدنية بشكلٍ غير دستوري. كما قضى الحكم يومها بحجر خدّام وتجريده مدنياً، وضيّق عليه سبل المناورة بنصٍّ مفاده: "في حال تخفيض عقوبته أو إبدالها يُمنع من الإقامة في محافظتَي دمشق وطرطوس 15 سنة". ويُلاحظ أن القضايا التي حوكم عليها عبد الحليم خدّام ركّزت على قضايا اقتصادية ومالية الطابع، ولم تتعرض إطلاقاً لأخطر تجاوزاته المتمثلة في دفن النفايات المشعّة في البادية السورية. وحدها المحكمة العسكرية الأولى تعرّضت لاتهاماتٍ خارج النطاق المالي والاقتصادي، لكنها أغفلت ملف النفايات كلياً لصالح اتهاماتٍ تُشَمّ من خلالها رائحةَ اغتيال رفيق الحريري ودور خدّام فيها، وما أجراه من مقابلات، وما أدلى به من شهاداتٍ، والتي قدّر المخلوع أنها تُقرّب السكين من رقبته. وتعطي هذه المحاكمة بالذات قرينةً إضافية على أن المقصَّ الذي فصل المشيمة التي ربطت خدّام بالنظام طويلاً جداً كان قضية اغتيال الحريري قبل كل شيء. سير (وطبيعة) المحاكمات التي أجراها المخلوع على خدّام، وما صدر عنها من أحكامٍ مختلفة، لا يمكن أن تعنيَ براءته من قضية دفن النفايات كما قد يوحي الظاهر، إذ لا ذكر لهذه القضية إطلاقاً في ملف محاكماته؛ فكل ما في الأمر أن المخلوع تحاشى إعطاء الأمر لقضائه بتتبّع هذه الجريمة، لاعتباراتٍ عدة، أولُها أن آخر ما يهمّه حياةُ السوريين، التي لم تعنِ له في أي يومٍ شيئاً، أمام صورته وسطوته التي رفعها بالإكراه إلى مقام "هيبة الدولة" و"الشعور القومي"، فحصدت البلادُ مسخاً من الهيبة والوطنية، استحقَّ سخرية السوريين المريرة قبل غيرهم. ولو فرضنا أن حصانة خدّام حالت دون محاكمته عن قضية النفايات مع "م. ط" أيام كان نائباً للرئيس، فكيف نفهم منعَ محاكمته بعد زوال مناصبه وانفكاكه التام عن النظام؟ بل كيف نفسّر محاكمة "م. ط" على أساسٍ اقتصادي لا غير؟ أم كيف يجوز لنا أن نفهم أن "ع. ز"، أحدَ مَن دارت حولهم الشبهات في قضية النفايات، حُكم عليه بمدةٍ لا تتجاوز 15 يوماً؟!

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows