ميناء عدن وباب المندب: فرصة تعود إلى الواجهة
Arab
2 hours ago
share
أعلنت مؤسّسة موانئ خليج عدن أنها دخلت في تفاهمات متقدمة مع شركة صينية كبرى لإعادة تشغيل نشاط الترانزيت في ميناء عدن اليمني، بعد توقف دام أكثر من 15 عاماً. وأكد رئيس مجلس إدارة المؤسّسة محمد علوي مزربة، أن الميناء يتمتع بجاهزية فنية وتشغيلية كاملة لاستقبال الخطوط الملاحية العالمية، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تمثل بداية لاستعادة دور عدن بصفتها مركزاً رئيسياً للتجارة الدولية. بل وكشف عن أن المفاوضات وصلت إلى مرحلة تفاهمات نهائية تمهيداً لتوقيع اتفاق رسمي يعيد للميناء موقعه التقليدي محطةً محوريةً على خطوط التجارة العالمية، بالتوازي مع خطط تطوير مستمرة لتعزيز الكفاءة التشغيلية وتحديث البنية التحتية. وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية، الذي غالباً ما يجري تجاهله: كيف دخل هذا المشغل الصيني اليمن؟ وهل جرى ذلك عبر مناقصة شفافة وتنافسية تتيح للدولة الحصول على أفضل العروض وبأقل التكاليف؟ أم أن الأمر جرى عبر تفاهمات مباشرة خارج إطار المنافسة المفتوحة؟ في قطاع استراتيجي كالموانئ، لا يتعلق الأمر باختيار مشغل فحسب، بل بطريقة الاختيار نفسها. فغياب المنافسة لا يعني احتمال خسارة أفضل عرض اقتصادي فحسب، بل يفتح الباب أيضاً أمام ترتيبات قصيرة الأجل، قد تخدم مصالح أطراف محدّدة أكثر مما تخدم الاقتصاد الوطني. ومع غياب الشفافية، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت هذه التفاهمات تمثل استثماراً طويل الأجل، أم مجرد صفقة مؤقتة يستفيد منها فاعلون بعينهم. في الحالة اليمنية، لا يمكن فصل هذا التساؤل عن الإطار الأوسع. فغياب النظام والقانون لا يعطل الفرص فحسب، بل يعيد تشكيلها. والفرص الاستراتيجي، كالموانئ، تتحوّل في مثل هذه البيئات من أدوات للنمو الاقتصادي إلى قنوات محتملة لإعادة توزيع الريع خارج الأطر المؤسّسية. وهذا ما يفسر لماذا تفشل مشاريع واعدة في تحقيق أثر مستدام، رغم توفر المقومات الجغرافية والفنية. إن هذا الإعلان يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل محاولة لإحياء دور ميناء عدن: هل تكفي الجاهزية الفنية والتفاهمات مع مشغل دولي لإعادة إدماج الميناء في سلاسل التجارة العالمية؟ أم أن التحدي الحقيقي لا يزال في مكان آخر، أعمق وأكثر تعقيداً؟ من الناحية الاقتصادية، لا يمكن التقليل من أهمية دخول مشغل دولي قطاع الموانئ اليمني، خصوصاً إذا كان يمتلك شبكة علاقات مع خطوط ملاحية كبرى. مثل هذه الشراكات قد تشكل نقطة انطلاق لاستعادة نشاط الترانزيت، وهو النشاط الذي كان يمثل جوهر القيمة الاستراتيجية لميناء عدن، لكن التجارب الدولية تشير بوضوح إلى أنّ المشغلين العالميين لا يستثمرون في الأرصفة والرافعات فحسب، بل في "البيئة الكاملة" التي يعملون ضمنها. هذه البيئة لا تقتصر على البنية التحتية، بل تشمل الإطار القانوني، واستقرار الجهة المتعاقدة، وكفاءة النظام المصرفي، وقدرة الدولة على ضمان تنفيذ الالتزامات. في الحالة اليمنية، يظلّ هذا هو التحدي الأساسي. فوجود تفاهمات متقدمة لا يعني بالضرورة أنّ الطريق أصبح ممهداً. الانقسام المؤسّسي وازدواج السلطات يطرحان تساؤلات جوهرية لأيّ شريك دولي: من يملك القرار النهائي؟ من يضمن استمرارية الاتفاق؟ وكيف سيجري التعامل مع المخاطر السياسية والأمنية في حال تغيّرت المعادلات؟ هذه ليست تفاصيل إجرائية، بل هي جوهر قرار الاستثمار نفسه. إلى جانب ذلك، تبرز مسألة النظام المصرفي عنصراً حاسماً غالباً ما يجري تجاهله في النقاش العام. فعمليات الترانزيت والتشغيل اللوجستي تعتمد على تدفقات مالية سريعة ومنتظمة، تشمل رسوم الموانئ، وخدمات الشحن، والتأمين، والتسويات الدولية. في ظل نظام مصرفي يمني غير مستقر أو محدود القدرة على الاندماج في النظام المالي العالمي، تصبح حتى العمليات التشغيلية اليومية عرضة للتعقيد، وهو ما يقلل من جاذبية أي استثمار مهما كانت ميزته الجغرافية. في المقابل، لا ينبغي تضخيم بعض التحديات على حساب أخرى. كثيراً ما يجري ربط مستقبل ميناء عدن بملف الأمن في باب المندب، وكأنّ الميناء لن يستعيد دوره إلّا إذا جرت السيطرة الكاملة على هذا المضيق. هذا الطرح يتجاهل حقيقة أنّ باب المندب ممر دولي بالدرجة الأولى، وأن أمنه يرتبط بتوازنات إقليمية ودولية تتجاوز قدرة اليمن منفرداً. تاريخياً وعملياً، تأمين هذا الممر لم يكن مسؤولية دولة واحدة، بل هو نتاج ترتيبات أوسع تشارك فيها قوى بحرية كبرى. وبالتالي، فإنّ ربط تطوير الميناء بهذا الملف يضع شروطاً غير واقعية، بينما يمكن لليمن أن يكتفي بدور دبلوماسي وتنسيقي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار دون أن يتحمل عبئاً يفوق قدراته. المفارقة أنّ اليمن لا يبدأ من الصفر. فميناء عدن لم يكن مشروعاً نظرياً، بل كان بالفعل محطة ترانزيت رئيسية قبل أن يفقد هذا الدور تدريجياً. التأخر في استعادة هذا الموقع لا يعود إلى الظروف الحالية فحسب، لكنه يمتد إلى عقود سابقة لم يجرِ فيها تحويل الموقع الجغرافي إلى استراتيجية اقتصادية متكاملة. في الوقت الذي كانت فيه موانئ المنطقة تعيد تعريف نفسها بصفتها مراكز لوجستية عالمية، ظل اليمن يدور في إطار محدود، لأسباب تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، وتغيب فيها الرؤية طويلة الأجل. اليوم، تبدو الفرصة وكأنها تعود، لكن بشروط أكثر صرامة. فالمنافسة الإقليمية أصبحت أعلى، وسلاسل الإمداد العالمية أكثر حساسية للمخاطر، ومعايير المشغلين الدوليين أكثر دقة. وهذا يعني أن أي محاولة لإعادة تموضع ميناء عدن لا يمكن أن تعتمد على التفاهمات أو الجاهزية الفنية فحسب، بل تحتاج إلى إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة المؤسّسية. إذا نجحت هذه الخطوة، يمكن أن تكون نقطة تحول حقيقية، ليس لميناء عدن فحسب، وإنما للاقتصاد اليمني ككل. فاستعادة نشاط الترانزيت تعني تدفقات نقدية مستمرة، وخلق وظائف، وتنشيط قطاعات مرتبطة بالنقل والخدمات. لكنها في الوقت نفسه تظل اختباراً لقدرة اليمن على تقديم ما هو أبعد من الموقع الجغرافي: تقديم بيئة يمكن الوثوق بها. وفي المحصلة، وبعيداً عن الحماس الإعلامي، تبقى الحقيقة الأهم: بدون استعادة الدولة اليمنية لسيادة القانون، وفرض الأمن، وإعادة تفعيل مؤسساتها المالية والإدارية، وضمان الشفافية في إدارة العقود، فإن مثل هذه الإعلانات، مهما بدت واعدة، لن تتجاوز كونها رسائل للاستهلاك الإعلامي، أكثر منها خطوات قابلة للتحول إلى واقع اقتصادي مستدام.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows