Arab
أثارت تصريحات وزير الإعلام المصري، ضياء رشوان، موجة انتقادات حادة في الشارع المصري لم تهدأ على مدار يومين؛ وذلك بعد قوله عبر إحدى القنوات الفضائية إن الحد الأدنى للأجور البالغ سبعة آلاف جنيه، يُمكّن المواطن من شراء نحو 35 ألف رغيف خبز مدعم شهرياً بسعر 20 قرشاً للرغيف، بينما نظيره في فرنسا الذي يحصل على الحد الأدنى بنحو 1800 يورو، لا يشتري سوى 1500 رغيف فقط بسعر 1.2 يورو للرغيف (الدولار = نحو 54.2 جنيهاً).
وفي حين اعتبر رشوان أن الحد الأدنى للأجور في البلاد يتفوق على نظيره في دول كبرى عند قياسه بسعر رغيف الخبز المدعوم، وصف منتقدوه هذه المقارنة بـ"المضللة"، كونها تتجاهل الفوارق الهيكلية في مستويات المعيشة.
وقد كشفت تصريحات لاحقة أطلقها الوزير عبر صفحته الخاصة على "فيسبوك" عن تناقضات كبيرة في أعداد المصريين الحاصلين على بطاقة دعم الخبز؛ إذ أوضح أن عدد المستفيدين يبلغ نحو 55 مليون مواطن، بينما تقدمت الحكومة بمشروع موازنة يطلب دعماً لنحو 61 مليون نسمة للعام المالي 2026/ 2027، وذلك بعد استبعاد 7 ملايين نسمة من البطاقات في العام المالي الجاري المنتهي في يونيو/ حزيران المقبل، مقارنة بنحو 69.7 مليون نسمة في العام الأسبق 2024/ 2025؛ ما يعكس اتجاهاً حكومياً لتقليص عدد المستفيدين رغم ارتفاع تكلفة الدعم الغذائي واتساع الضغوط الاجتماعية وفقاً للبيانات الرسمية.
وقد وصف رشوان الخبز المدعوم بأنه "عمود الخيمة" و"خط الدفاع الأول" عن المواطن، في إشارة إلى مركزية الدعم الغذائي في السياسة الاجتماعية للدولة.
فجوة القدرة الشرائية
من جانبه، وصف الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني تصريحات الوزير بأنها تعكس "قصوراً في الاستدلال"؛ إذ لا تجوز المقارنة بين سلعة في دولتين تختلف تصنيفاتهما الاقتصادية جذرياً، فإحداهما تحتل مرتبة متقدمة بين الدول ذات الدخل المرتفع، بينما تقع مصر في مرتبة متأخرة بقائمة الدول ذات الدخل المتوسط. وأشار الميرغني إلى أن المقارنات يجب أن تُجرى على مستوى دخل الفرد، وإذا ما قورنت بسلع فيجب أن تشمل اللحوم والزيوت والألبان والخدمات المجانية لبيان الفروق الحقيقية.
ونبّه الباحث إلى انتشار أمراض فقر الدم وسوء التغذية بين المصريين نتيجة صعوبة الحصول على مواد غذائية أخرى تقيهم من هذه الأمراض، أسوة بالفرنسيين الذين يتمتعون بمستويات رعاية صحية وتعليمية مجانية وشاملة.
ولفت إلى أن أكثر من 40% من السكان في مصر يكافحون للحصول على الخبز من السوق الحرة (غير المدعم) بسعر 2.5 جنيه للرغيف، الذي تراجع وزنه خلال السنوات الخمس الماضية من 110 غرامات إلى 80 غراماً، مكذباً ما ذكره الوزير بأن وزن الرغيف في مصر يصل إلى 270 غراماً.
تراجع وتبريرات
بينما تراجع وزير الإعلام عن "قصد المقارنة" بين مستوى الدخل والمعيشة، موضحاً أنه استهدف تبيان مسؤولية الدولة الاجتماعية التي تنتج 270 مليون رغيف مدعوم يومياً، اتهم منتقديه بأنهم انساقوا وراء "تأويل لما لم يرد نصاً ولا قصداً". وفي المقابل، كشفت بيانات وزارة التموين أن تكلفة إنتاج الرغيف تبلغ 165 قرشاً ويباع بـ 20 قرشاً، وتخطط الدولة لزيادة تمويل الدعم بنحو 90 مليار جنيه لتصل قيمة برامج "الحماية الاجتماعية" إلى 832.3 مليار جنيه اعتباراً من يوليو/ تموز المقبل.
وكتب الحقوقي خالد علي: "حين تصبح المقارنة بين الدول قائمة على رغيف مدعوم فإننا لا نمارس اقتصاداً، بل دعاية"، متسائلاً عن إمكانية مقارنة جودة التعليم والرعاية الصحية والحريات، معتبراً المقارنة الجزئية تغفل الفوارق الهيكلية. كما اعتبرت الإعلامية هبة عبد العزيز المقارنة "تفتقر إلى مدلول اقتصادي واضح"، مؤكدة أن الحد الأدنى للأجور في مصر يشتري نحو 17.5 كيلوغراماً من اللحوم مقابل 80 كيلوغراماً في فرنسا، بفارق يتجاوز أربعة أضعاف لصالح المواطن الفرنسي.
سخرية اجتماعية وأبعاد استراتيجية
امتد السجال إلى مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث اعتبر الرواد أن تصريحات الوزير تختزل المعيشة في سلعة واحدة، مشيرين بتهكم إلى عدم رؤية مواطن فرنسي يهرب من الفقر إلى مصر عبر البحر المتوسط، كما يفعل آلاف الشباب المصريين الباحثين عن الهجرة غير الشرعية.
وكتب الإعلامي محمد لبيب: "لم نسمع عن فرنسيين يهاجرون إلى مصر لأن الخبز عندنا أرخص"، فيما اعتبر الكاتب الصحافي محمد علي خير تصريحات رشوان "مضرة بالخطاب الإعلامي" للوزير الصاعد حديثاً من رئاسة هيئة الاستعلامات، داعياً إياه لمراجعة طريقة عرض القضايا الاقتصادية.
وتكشف تقارير منظمة "الفاو" أن مصر أكبر مستورد للقمح عالمياً (أكثر من 10 ملايين طن سنوياً)، وأن زيادة الاستهلاك ترجع إلى كون الخبز المكوّن الرئيسي للنظام الغذائي المصري لتوفير سعرات حرارية وبروتين نباتي منخفض التكلفة في ظل محدودية استهلاك اللحوم.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني في حديثه لـ "العربي الجديد" أن الجدل يعكس أزمة أوسع في مجتمع تتجاوز فيه معدلات الفقر 35%.
وأضاف الميرغني أن التضخم الذي سجل 40% عام 2023 و30% عام 2024، مرشح للصعود عام 2026 تأثراً بالتوترات الإقليمية والحرب ضد إيران، ما يرفع تكاليف الاستيراد والطاقة.
واختتم بتأكيد أن الحكومة تتجه لتقليص الدعم العيني لتوجيه المخصصات لسداد فوائد الديون التي تلتهم 62% من الموازنة، مقابل 16.4% فقط لصور الدعم كافة، مشيراً إلى أن "رغيف الخبز" لم يعد مجرد سلعة، بل تحول رمزاً لنقاش أوسع حول العدالة الاجتماعية المفقودة.

Related News
فلسطين بين السردية المغلقة وأفق المراجعة
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
هل ما يحدث مؤامرة أم إعادة تشكيل للعالم؟
alaraby ALjadeed
24 minutes ago