Arab
بتأديته وديع حداد (مسؤول المالية والعمل العسكري الخارجي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، في "كارلوس" (2010) للفرنسي أوليفييه أساياس، يُظهر اللبناني أحمد قعبور (1955 ـ 2026) شيئاً من حساسية التمثيل السينمائي، معطوفاً عليها اختبارات أدائية متنوّعة، لعلّ أبرزها دور الصحافي في مسرحية "شي فاشل" (1983) للبناني زياد الرحباني. دورٌ سيؤدّيه لاحقاً في "ناجي العلي" (1992) للمصري عاطف الطيّب، بتمثيله شخصية اللبناني طلال سلمان، مؤسّس الصحيفة البيروتية "السفير"، ورئيس تحريرها.
حيوية العمل العسكري للفلسطيني حداد تتطلّب مزيجاً شاقّاً بين حِرفية السرّية في مهامٍ كهذه، وجمالية اقتباس ملامح القيادي وحركاته ونبرته وسلوكه، وهذا يُقدّمه قعبور بسلاسة، ربما لن تبلغ مرتبة الإبداع التمثيلي المحترف، بقدر ما تحافظ على منح الشخصية السينمائية ما تملكه الشخصية الحقيقية من تفاصيل مُتدَاوَلة. وقعبور، ملتزم اليسار وفلسطين، قضية وشعباً وحقوقاً، يمتلك تلك القدرة على تحويل خبراته ومعارفه والتزاماته وإحساسه إلى نبضٍ واقعي، يتطلّبه حداد في إدارة شؤونه، تحديداً في العلاقة الصعبة مع الفنزويلي إليتش راميريز سانشيز، المعروف بكارلوس (الفنزويلي إدغار راميريز في فيلم أساياس).
القدرة تلك، بما فيها من مقوّمات، تبرز أيضاً في لقاءات حداد بكارلوس، أي أحمد قعبور براميريز، والأخير مالك خبرة تمثيلية مديدة، مطعّماً إياها بتنويع في الأدوار، أي الشخصيات، وبوعي معرفي في إخراج المطلوب من الشخصية بما يتناسب ومتطلّبات التمثيل. هذا يدفع أحمد قعبور إلى مضاعفة اشتغاله، رغم أنّ المساحة التمثيلية لوديع حداد في الفيلم صغيرة الحجم، مع أنّ لحداد دوراً مهمّاً في سيرة من يُعرف بـ"ابن آوى". لذا، يغتنم الفنان تلك المساحة، ليضيف أمام الكاميرا حيّزاً درامياً يُساهم، ولو قليلاً، في بلورة شخصية كارلوس، بأداء راميريز.
هذا غير ظاهر في "ناجي العلي"، فالاختلافات بين الفيلمين والمخرجين والشخصيتين الحقيقيتين كثيرة، والمقارنة غير صالحةٍ نقدياً. ظهور أحمد قعبور عابرٌ في فيلم "الطيب"، وشخصية الفلسطيني العلي غير معنية البتة بالسلاح والعمل العسكري والتخفّي والسرّية، رغم تعرّضها لتهديدات ستنتهي في لندن بإطلاق رصاصٍ عليه في 22 يوليو/تموز 1987، يُدخله في غيبوبة لغاية الوفاة في 29 أغسطس/آب من العام نفسه. رسم الكاريكاتور فاعلٌ بالتأكيد، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، يؤذي من يتوجّه إليه بنقدٍ لخطأ أو تهاون أو استسهال في العمل الوطني، بالنسبة إلى الرسّام. لكن دور الصحافي، الذي يمرّ سريعاً في فيلمٍ غير مستوفٍ شرطه السينمائي، لشدّة الهيام بالشخصية (ناجي العلي) والقضية والتفاصيل العامة، لن يمنح قعبور مسافة لتبيان ما لديه من أدوات تمثيل، لعلّه هو نفسه غير مكترثٍ بترجمتها المهنية كثيراً (دارس المسرح والتلفزيون)، لانشغاله بالموسيقى والغناء، وبعض انشغاله هذا معنيّ بالأطفال، وهذا البعض من أجمل المُنتَج لهم/لهنّ.
وإذْ يتشابه فيلما أساياس والطيّب بارتكازهما على السيرتين الحياتية والمهنية لشخصيتين معروفتين (مع ما يتطلّبه هذا من إبراز شخصيات حقيقية، ترافق هاتين الشخصيتين بأشكال مختلفة)، فإنّ أسلوبي الاشتغال يتناقض أحدهما مع الآخر كلّياً. فـ"كارلوس" متين الصُنعة، رغم مدّته الطويلة (330 دقيقة للنسخة التلفزيونية ذات الأجزاء الثلاثة، و160 دقيقة للنسخة السينمائية)، يسرد وقائع وتفاصيل عبر أداء وصورة ومعاينة (مضمونه وكيفية سرد تلك الوقائع والتفاصيل مُثيرة لسجالات متنوّعة، يندر السينمائيّ فيها)، بينما "ناجي العلي" مُسطّح ومشغول بتسرّع، خاصة أنّ هناك من يُلمّح حينها إلى "انكفاء" الطيّب عن إبداع أسلوبه في "فيلم نضالي". علماً أن علاقة العلي بسلمان تستحق إطلالة أكبر وأعمق، وإنْ في فيلمٍ يروي حكاية الرسّام الكاريكاتوري.
حضور آخر يلفت الانتباه، لسببين: طول مدّة ظهوره أمام الكاميرا (من دون بلوغ دور البطولة)، وتمكّنه من إبراز السلطة الذكورية/الأبوية في مجتمع ريفي، زمن "الحرب الأهلية اللبنانية المصغّرة" (1958)، بملمح وصوت وحركة وانفعال، وفي بعض هذا غضبٌ ورأفة معاً، يبدو أنّ أحدهما يُكمِل الآخر في شخصية الشيخ داود، الزعيم الإقطاعي وكبير العائلة. والزمن زمن اضطرابات في بلدٍ يكاد يسقط، حينها، في نزاع دموي عنيف، سيتأجّل أعواماً قليلة قبل اندلاعه (1975 ـ 1990، وما بعد النهاية المزعومة لتلك الحرب). فالشيخ داود مهمومٌ بمسائل محلية كثيرة، وفي العائلة نساء وصبايا، والتفتّح الجسدي والانفعالي لبعض هؤلاء يتطلّب قمعاً، يدفع إلى مواجهات في بيئة منغلقة. بينما أحمد قعبور، بارتدائه زيّ كبير عائلة وزعيم إقطاعي ريفي، يتسلّل بين المكتوب في السيناريو (شاهين) وحاجاتِ شخصيةٍ كهذه، ومداركه هو كفنان له في التمثيل معرفة ووعي، ما يجعل التسلّل مُفيداً في تكوين الشخصية وحضورها "الواقعي"، سينمائياً.
مرور سينمائي عابر، سيكون الأخير: "فلسطين 36" (2025) للفلسطينية الأميركية آن ماري جاسر. يُمكن التنبّه إلى مفارقة أنّ البداية الفنية، لحناً وغناءً، بل الانطلاقة الجماهيرية الفعلية، سيكون عنوانها فلسطين، عبر أغنية "أناديكم" (1975)، من ديوان "أشدّ على أياديكم" (1966) للفلسطيني توفيق زيّاد، وأنّ نهاية سيرته الفنية معقودة على فلسطين أيضاً، بفضل جاسر.
في هذا شيءٌ من الحقيقة. لكنّ حضور أحمد قعبور، الفني والحياتي، في سِيَر كثيرين وكثيرات، غير عابر إطلاقاً.

Related News
مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»
aawsat
4 minutes ago
دزيكو: إيطاليا هي من تشعر بالضغط... وليس نحن!
aawsat
7 minutes ago
الجيش الصومالي يؤكد دخوله مدينة بيداوة
aawsat
8 minutes ago