"بيت الأمل": لقطة مُقرّبة لمدرسة فلسطينية بالضفة الغربية
Arab
5 days ago
share
  ثلاث سنوات أمضتها المخرجة الهولندية ماريولين بوسترا بمتابعة تجربة تأسيس مدرسة فلسطينية خاصة بالضفة الغربية، تعتمد في تدريسها على مناهج تعليم مدرسة "والدوف"، التي تجمع بين التعليم العلمي للطلبة وإكسابهم مهارات ذهنية وفنية إضافية، كتعلّم الموسيقى والرسم والرقص. المَشاهِد الافتتاحية لـ"بيت الأمل" -التي يظهر فيها تلاميذ صغار يردّدون، على إيقاعات راقصة، عبارات توصي بنبذ العنف والتمييز، وتدعو إلى السلم والمحبة- تكفي لتلخيص الأفكار والقيم التي يُغذّى بها أطفال "مدرسة الأمل" كما سمّاها مؤسِّساها، الزوجان ميلاد ومنار، في بلدية العيزرية، وكما سمّت أيضاً بوسترا وثائقيّها هذا (بيت الأمل). مشاهِد تلتقط تلامذة صغاراً من داخل المدرسة، ينكبّون على رسم ما يجول في خواطرهم من أفكار بحُريّة، وترك معلّمتهم لهم لاختيار الموضوعات التي يريدون الحكي عنها، بأسلوب تربوي يختلف عن المتّبع في بقية المدارس التقليدية. هذا لا يزيل إحساساً بأن الذي يجري فيها غريب، بعض الشيء، عن المناخ المتوتر الذي يحيط بها، وما يحصل ليس بعيداً عنها في غزة. العنف السائد في الخارج، المتأتي دائماً من الوجود العسكري الإسرائيلي، وممارساته العنيفة ضد الفلسطينيين، يتنافر مع الأفكار السلمية التي تدعو إليها مناهج تعليم مدارس "والدوف". الإحساس بالتناقض بين الخارج والداخل يظهر عبر الكلام العفوي للتلامذة عما يلاقيه إخوانهم وعوائلهم على أيدي الجنود الإسرائيليين، ويتسرّب إلى سطح الوثائقي بشكل أسطع، حين تركن المعلمة منار إلى نفسها في فترات الاستراحة، أو حين تكون في منزلها. تتذكّر طفولتها وخوفها من الاحتلال، وقناعتها وزوجها بأن المدرسة يمكن أن تكون مكاناً مختلفاً، لا يشبه الخارج المشحون بالخوف والعنف، تزيد من حماستهما للعمل على تحقيق تجربة جديدة، تمنح الطفل الفلسطيني مأوى يطمئن على وجوده فيه، وينسى ما يحصل من عنف خارجه. الحاصل في غزة يترك أثره في المدرسة وتلامذتها، الذين يصلهم الخوف. هستيريا الجيش الإسرائيلي، في جنين وبقية المناطق، لا تشبه سابقاتها. يتسرّب الخوف إلى الزوجين وطفلهما أيضاً، فهما يودّعانه في ذهابه إلى مدرسته كما لو أنهما يودعانه للمرة الأخيرة.     بذكاء، تلتقط عدسات الكاميرا تأثّر الأطفال بالحاصل في مناطقهم. تكثر المشاجرات بينهم، وتُهدّئ المعلّمة من روعهم. لم يعد ممكناً منع الحاصل في الخارج من اختراق جدار المدرسة المسالمة. يزداد التوتر والانفعال أكثر في اللحظة التي ينتشر فيها خبر هجوم حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. تغلق المدرسة أبوابها مؤقّتاً، فتهتم الكاميرا أكثر بتوثيق لحظات القلق والخوف، المتسرّبة إلى أعماق الناس. يظهر التعب على الزوجين، ويشير حديث منار مع زميلة لها، عن الإنجاب والخوف من الولادة في زمن الحرب والتقاتل، إلى ما يجول في خواطر الفلسطينيين عن الأيام المقبلة. تراكم القلق وسماع الأخبار المخيفة يُقرّب النص (السيناريو للمخرجة أيضاً) من جوّانيات شخصياته الرئيسية، وربما هذا أحسن ما فيه. لم تغر قسوة الأحداث صانعته للذهاب إلى غزة، والتقاط مشاهد الدمار والموت الحاصل فيها. فبدلاً من ذلك، اهتمّت برصد انفعالات الفلسطينيين وتوتراتهم، والإصغاء بإمعان إلى ذكرياتهم، وجلّها عن طفولتهم وما فيها من عذاب ناتج من الاحتلال وممارساته العنصرية. وبعيداً عن المشهد العام في غزة، المنقول في وثائقيات تلفزيونية كثيرة، يتفرّد "بيت الأمل" (2025) بذهابه إلى مناطق الضفة، والعيش المُرّ للفلسطينيين فيها. وجوده في المدرسة وفّر فرصة لمعاينة منطقة، غفلت السينما الوثائقية عنها جراء الحاصل في غزة. منطقة، كلّ جملة ينطقها سكّانها توضح بعمق القهر الكامن في نفوسهم، وخوفهم الدائم من الآتي. العودة إلى المدرسة بعد انقطاع يصاحبه تغيير في دواخل الجميع، لا يمكن تجاهله. النبرة الوطنية تتصاعد أكثر، والحديث في السياسة يدخل الصفوف، كما ينتشر العنف الإسرائيلي في الشوارع والبيوت. تسجيلات الفيديو -المستفاد منها في التوليف، والناقلة دوريات عسكرية لحظة اقتحامها بيوتاً، وتفجيرات تصاحب تحرّكات جنود إسرائيليين- تتداخل مع صورة هادئة تلتقطها عدسة المُصوّر أبو مصعب للمكان المحاصر. التصوير يضفي جمالية على صورة قوية التعبير أصلاً. اسمه العربي يكسر توقّعاً بأن وراء حلاوة الصورة مُصوّراً أجنبياً، طالما أن صانعة الفيلم أجنبية. التوقّع متأت من كثرة الأعمال السينمائية المعنية بتوثيق الحاصل في المنطقة العربية، واختلافها الأساسي عن المحلي بجودة مفرداتها الفنية وإتقانها. كسر التوقع يحدث أيضاً في النص، عبر قرار منار بالحَمَل ثانية، رغم كل ما يجري. إصرارها على مواصلة دورة الحياة يتوافق مع فكرة فلسفية لمنهج تدريسي، يدعو إلى تقوية دواخل الأطفال، وشحن عزائمهم، لمواصلة الحياة بالصبر والأمل.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows