Arab
رغم أن إسرائيل اعتمدت في حروبها الأخيرة مع غزة ولبنان وإيران (حرب الـ 12 يوما) على صادرات السلاح لترميم الخلل في اقتصادها وإيراداتها، الناتج من هذه الحروب، فمن المشكوك فيه أن تنجح صفقات بيع السلاح التي يعتمد عليها اقتصاد إسرائيل في ترميم الرقع التي علقت باقتصاد الاحتلال بعد الانتهاء من وحل الحرب الحالية على إيران. نعم، هناك تقديرات اقتصادية ترجح أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية يمكن أن تخفف جزئياً من آثار الحرب، لكن كل المؤشرات تؤكد أنها لن تكون كافية لإنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي بالكامل بعد المواجهة الواسعة الحالية مع إيران.
خلال حرب غزة خسرت تل أبيب قرابة 10 مليارات دولارات، حجم تجارة السلاح مع أوروبا ودول أخرى علقت صفقات سلاح احتجاجا على الإبادة الجماعية على القطاع، لكن هذه الصفقات عادت بعد توقف الحرب نظريا، وعادت صادرات السلاح الإسرائيلية للنمو مدفوعة بارتفاع الطلب العالمي، وتجاوز الصادرات 15 مليار دولار، وعوضت الخسائر الناتجة من الحروب السابقة، لكن هذه المرة الخسائر تطاول جميع مناحي الاقتصاد وأنشطته، والخسائر أكبر من أن تعوضها صادرات السلاح. فقد ظلت إسرائيل تتفاخر بقدرة اقتصادها على تحمّل صدمات الجولات المتتالية من الحروب التي شنتها منذ السابع من أكتوبر 2023 وتكاليفها، لكن من الواضح اليوم أن الاقتصاد الإسرائيلي يعاني في الحرب الحالية من ظروف مختلفة.
اقتصاد إسرائيل لا يتحمل تكاليف الحرب
المؤشرات تتزايد يوما بعد يوم على تراجع الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل، وذلك حتى قبل احتساب التكاليف الاقتصادية والمالية المباشرة للحرب، لدرجة أن مؤسسات مالية عالمية تتوقع أن تتحول المؤشرات المالية لحكومة الاحتلال إلى عامل يقيد قدرة إسرائيل على توسيع الحرب وإطالة أمدها، فقد استنفد الاقتصاد، إلى حد كبير، قدرته على تحمل تكاليف الحرب وامتصاص الصدمات، ولجأت إسرائيل على نطاق واسع إلى الاقتراض من الأسواق العالمية، ما دفع العجز المالي إلى مستويات مرتفعة، وأي زيادة إضافية في العجز قد ترفعه إلى أكثر من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع الدين العام إلى ما يتجاوز 70%، قد يخلق صعوبات جدية أمام العودة إلى مسار نمو اقتصادي مستقر بعد انتهاء الحرب.
وفي ضوء هذه المعطيات يبرز سؤال مركزي في الحرب الحالية على إيران و"حزب الله": هل ما زال الاقتصاد الإسرائيلي يشكل عامل قوة داعماً للمجهود الحربي، أم أنه بدأ يتحول إلى عائق أمام استمرار الحرب؟. فقد حذر واحد من أكبر البنوك في العالم، وهو "جيه بي مورغان"، من آثار الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي، وأشار إلى أن للحرب كلفة اقتصادية كبيرة، وبينما كان يتوقع أن يتمكن الاقتصاد الإسرائيلي من تحملها، تشير التقديرات إلى عكس ذلك، واستمرار الحرب واتساع نطاقها بدأ يشكّلان عبئا متزايدا على الاقتصاد الإسرائيلي.
وبعد أن عدّلت الحكومة الإسرائيلية مشروع الميزانية وخصّصت مبالغ كبيرة لتمويل الحرب على إيران، بادر بنك "جيه بي مورغان"، إلى تعديل توقعاته بشأن أداء الاقتصاد الإسرائيلي في ظل تداعيات الحرب، فقد نشر، يوم 13 مارس الجاري، تقديرا جديدا عدل فيه توقعاته السابقة الإيجابية نسبيا، متوقعا تراجعا أكثر وأكبر في أداء الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة الحرب على إيران ولبنان.
الصاروخ قبل الخبز
وبسبب تفضيل الحكومة توفير المال للصواريخ بدلا من إنفاقه على الطعام ومشاريع مدنية، ارتفع مؤشر غلاء المعيشة بنسبة كبيرة، ومعه معدل التضخم السنوي ليبلغ 2%، وبعد الحرب، من المتوقع أن تتفاقم هذه المشكلات والأزمات الاقتصادية بسبب الارتفاع الكبير في النفقات العسكرية، نتيجة استخدام كميات كبيرة من الصواريخ الدقيقة والصواريخ الاعتراضية ذات التكلفة المرتفعة. ويضاف إلى ذلك العبء المالي الناجم عن تجنيد أعداد كبيرة من قوات الاحتياط تقدر بنحو 400 ألف جندي، فضلاً عن تكلفة الأضرار المادية والدمار في البلدات الإسرائيلية، وتعطل النشاط الاقتصادي، وهو ما سيؤدي إلى خسائر في الناتج المحلي وتراجع في جباية الضرائب.
ومن شأن كل ذلك أن يدفع إلى ارتفاع العجز المالي للحكومة وزيادة الدين العام. وبهذا المعنى قد يتحول مشروع موازنة الحكومة الجديد، الذي أُقر في الحكومة ويجري نقاشه حالياً في الكنيست تمهيداً لإقراره، إلى مشروع ميزانية غير واقعي لا يواكب التغير في الظروف الاقتصادية. وللتعامل مع تكاليف الحرب الحالية، أقرت الحكومة الإسرائيلية لغاية الآن تقليصاً عاماً في ميزانية الحكومة بنسبة 3%، وبالمقابل، أقرت تخصيص ميزانية إضافية تقارب 39 مليار شيكل لتغطية نفقات الحرب، منها نحو 28 مليار شيكل لوزارة الأمن، إضافة إلى نحو مليار شيكل لتغطية مصاريف مدنية.
كما أُنشئ صندوق إضافي بقيمة تقارب 10 مليارات شيكل، يُفعّل عند الحاجة حين تتجاوز التكلفة الإجمالية للحرب حجم الميزانيات المخصصة لها حالياً. ومنذ اندلاع الحرب على إيران أصبح التعامل مع الميزانية الحكومية استثنائياً حتى وفق معايير هذه الحكومة، فقد طالبت وزارة الأمن، أولاً، بإضافة مبلغ ضخم يقارب 82 مليار شيكل، منها نحو 42 مليار شيكل لتمويل العملية العسكرية، و40 مليار شيكل إضافية لاستكمال قاعدة الميزانية، ما يعني أن الوزارة لا تعتبر ميزانية الأمن التي أُقرت قبل نحو شهرين ميزانية نهائية.
ومن المتوقع أيضاً أن تؤدي الحرب إلى تراجع النمو الاقتصادي خلال العام الحالي من 5.2% إلى 4.7%، وفقاً لتقديرات وزارة المالية، لكن خبراء الاقتصاد في إسرائيل يرون أن تباطؤ النمو قد يكون أكبر من ذلك، ولا سيما إذا طال أمد الحرب، كما سيرتفع العجز المالي للحكومة إلى نحو 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق صحيفة "كلكاليست" الاقتصادية (16 مارس).
هل تكفي صادرات السلاح؟
مع أن التوقعات هي أن تؤدي الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران ولبنان إلى تنشيط سوق السلاح العالمي ورفع مستوى الطلب، لا سيما على أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة بمختلف أنواعها، إضافة إلى تقنيات الأمن السيبراني، ما سيعود على الصناعات العسكرية الإسرائيلية وقد تكون من أبرز المستفيدين اقتصاديا من هذه الحرب، لكن هذا لا يكفي هذه المرة تغطية كل نفقات الحرب وخسائرها.
قد تسهم هذه العوائد الناتجة من صفقات الأسلحة في الحد من الخسائر المالية التي سيتكبدها الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة الحرب الحالية، خاصة أن إسرائيل تراهن على هذا القطاع الحيوي لتعويض جزء من الأعباء الاقتصادية، كما فعلت خلال الحروب التي خاضتها منذ عام 2023، لكنه لا يكفي الخسائر الاقتصادية المتوقع أن ترتفع لأرقام فلكية هذه المرة، ولن تغطي تكلفة الحرب الشاملة لأن الاقتصاد الإسرائيلي قائم أساساً على التكنولوجيا والخدمات وليس السلاح فقط.
وتشير البيانات الحالية إلى أن استمرار الإنفاق العسكري واتساع العجز المالي يقتربان تدريجياً من حدود قدرة الاقتصاد على التحمل، ففي حرب غزة كانت المؤشرات الاقتصادية لإسرائيل إيجابية نسبياً، ما وفر للاقتصاد الإسرائيلي قدرة أولية على امتصاص الصدمة الاقتصادية للحرب. لكن مع توسع الحرب إلى جبهات متعددة تشمل لبنان وإيران، بدأت الكلفة الاقتصادية للحرب تتضخم بسرعة، وتشير التقديرات إلى أن التكلفة الإجمالية للحروب الأخيرة 350 مليار شيكل (نحو 97 مليار دولار)، ما أدى إلى ارتفاع الدين العام واتساع العجز في ميزانية الحكومة.
أما الحرب الحالية مع إيران وحزب الله فالخسائر في بند واحد هو "التكلفة المباشرة للحرب" بلغت 15 مليار دولار حتى الآن، أما الخسائر في الاقتصاد الكلي ورجال ومجتمع الأعمال والأضرار الداخلية نتيجة القصف الإيراني وإعادة الإعمار والعملة والأسواق وغيرها قد لا تقل عن 150 مليار دولار وفق تقديرات اقتصادية، خاصة أن الاقتصاد الإسرائيلي يدخل المرحلة الحالية من الحرب في وضع مالي أكثر هشاشة مقارنة بما كان عليه في عام 2023، إذ استنفد الاقتصاد إلى حد كبير قدرته على امتصاص الصدمات المتتالية وتحمل تكاليف الحرب.
وفي مثال تُعد تكلفة اعتراض الصواريخ من أبرز الأعباء المالية للحرب، ففي حين تبلغ تكلفة القنبلة التي تطلقها الطائرات الحربية نحو 20 ألف دولار، تصل تكلفة صاروخ الاعتراض في منظومتي "حيتس 2" و"حيتس 3" إلى نحو 2.5 مليون دولار للصاروخ الواحد، بما قد يتكلف مليارات الدولارات في الحساب النهائي. وكانت صادرات الصناعات العسكرية الإسرائيلية سجلت أرقاما قياسية للعام الثالث على التوالي، ووفقا لمعطيات وزارة الحرب الإسرائيلية لعام 2023، بلغت 13 مليار دولار، لكنها تراجعت نسبيا عام 2024، بنسبة 5.6%، علما أن الصادرات العسكرية والحربية الإسرائيلية، تُشكل نحو 10% من إجمالي صادرات السلع والخدمات، وحوالي 25% من صادرات السلع.
ومع توقف حرب غزة عام 2025، واستئناف بيع السلاح، بلغ حجم صادرات الأسلحة الإسرائيلية نحو 15 مليار دولار، وفقا لصحيفة "غلوبس" (18 مارس)، استنادا إلى التقارير المالية لشركات الصناعات العسكرية. وتُظهر معطيات "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" (SIPRI) لعام 2025 ارتفاع مكانة إسرائيل وحصتها في سوق السلاح العالمي، إذ احتلت إسرائيل المرتبة السابعة بين مصدري السلاح عالميا، مقارنة بالمرتبة العاشرة في الأعوام السابقة، كما ارتفعت حصتها من 3.1% في الفترة 2016–2020 إلى 4.4% في الفترة 2021–2025.

Related News
بخطة مالية.. الأهلي يرد على العروض الإسبانية لمصطفى شوبير
al-ain
11 minutes ago
أفضل وقت لتناول الحلويات لتجنب ارتفاعات سكر الدم
aawsat
12 minutes ago