Arab
في اللحظة التي يهرع فيها العالم نحو حافة الهاوية النووية (باستحقاق مذهل) وتنشغل العواصم الكبرى بحسابات "الردع" فوق مفاعلات بوشهر وديمونة، تمارس السلطات الإقليمية نوعاً آخر من الردع؛ ردعاً داخلياً يستهدف تصفية "المستقبل"، بل وتصفية الوجود الإنساني ذاته. إنّ المشهد الراهن ليس مجرّد صراع عسكري على النفوذ، بل هو تجلٍّ لسياسة "الأرض المحروقة" التي تنتهجها الأنظمة ضدّ شعوبها، لا في الحرب، بل على هامشها، حيث تتحوّل المُعتقلات من استثناء قانوني (لدينا موقفٌ منه مبدأً) إلى بنية أساسية يقوم عليها كيان الدولة.
.....
المحور الأخطر في الوضع الراهن العربي والإقليمي (والدولي منذ الطوفان) هو الانتقال من التطبيع مع وجود السجن، إلى التطبيع مع وجود الناس فيه إلى الأبد؛ كأنّما اتفقت نظم الحكم على بناء أسوار ذهنية وماديّة حول كلّ بلدٍ جملةً لتوفير الوقت والجهد حول تحويله لسجن.
تاريخياً، كان السجن مكاناً هامشياً يُعزل فيه الخارجون عن القانون، أمّا اليوم، فقد دُمج السجن في صلب الحياة اليومية. أقول لأصدقائي: بما أنّ فلسفة السجن تحكم المجتمع، علينا مقاومته بأدوات السجين وفلسفته. لكن أليس هذا تطبيعاً مع وجوده في الأخير؟
لم تعد السجون أماكن للتأهيل أو العقاب الجنائي المؤقّت (هل كانت السجون كذلك يومًا؟) بل صارت "مؤسسات استئصال وتحييد" خلف الأسوار
السجن في مصر، وسجون السلطة الفلسطينية، ومُعتقلات الاحتلال، وزنازين سورية وتونس وبريطانيا وألمانيا وغيرها، لم تعد أماكن للتأهيل أو العقاب الجنائي المؤقّت (هل كانت السجون كذلك يومًا؟)، بل صارت "مؤسسات استئصال وتحييد" خلف الأسوار، وعقليّة حكم استئصالي خارجها، بحقّ المُخالفين والمُعارضين والمُزعجين والمُغايرين، ومن ثمّ بحقّ المجتمع كلّه.
عندما يمرّر الكنيست قانون إعدام الأسرى، فإنّه يعلن مدّ جريمة الإبادة التي ينتهجها للعام الثالث بحقّ الفلسطينيين إلى حدود "الإبادة القانونية". وعندما يغيب المعتقلون في مصر لثلاثة عشر عامًا وسط صمتٍ مطبق وتواطؤ شبه جماعيّ، حتى من مؤسسات تتقاضى رواتبها من جيوب المواطنين للدفاع عن حقوقهم، فإنّ الرسالة الموجّهة للمجتمع هي "السجن هو البديل الوحيد للولاء المطلق أو الخرس التام". هذا التطبيع يحوّل المجتمع من فضاء للحرية (كما وجب به أن يكون) إلى "باحة سجن كبيرة"، حيث يصبح الخارج من الزنزانة مشروعاً لمعتقل قادم، والمواطن "الحر" مجرّد سجين مع إيقاف التنفيذ، أو سجين إلا قليلاً.
......
تنشغل السلطات بتصفية حساباتها وتثبيت أركانها عبر ملء المُعتقلات، غافلة عن الأثر التدميري على بنية السلم الداخلي (قد لا يعني لي هذا اللفظ شيئًا، لكنّهم يردّدونه كثيرًا في البيانات السياسية والأمنية!). إنّ كلّ يوم يقضيه معتقل خلف القضبان لا يمرّ من دون ثمن؛ هو تراكم لغضب مكتوم في الصدور. نحن أمام عملية مُنظّمة لـ"حشد الثارات" ينقصها (بكل أسف) الوعي بحقيقة الخصم ووجهة الخصومة.
تدمير النسيج المجتمعي عبر السجن هو قنبلة موقوتة قد تفوق في أثرها التدميري سقوط قذيفة قرب مفاعل نووي
إنما تقوم الأنظمة التي تظنّ أنّها تؤمّن استقرارها بالقبضة الأمنية بإنتاج جيوش غير مرئيّة من الكراهية العمياء. هؤلاء المعتقلون وأسرهم وأصدقاؤهم يمثّلون كتلة بشرية هائلة تُدفع دفعاً نحو الكفر بفكرة الدولة والعقد الاجتماعي والقانون والمؤسسات، كفر باحتمالات العدالة، وبالتالي الحياة. فتدمير النسيج المجتمعي عبر السجن قنبلة موقوتة قد تفوق في أثرها التدميري سقوط قذيفة قرب مفاعل نووي لولا أنّ الأخيرة تتابعها الأعين عبر الشاشات وتصمّ الآذان بصوت انفجارها، أما الأولى، فتحدث بصمتٍ قسريّ وتواطؤ.
......
يخطئ المحلّلون والحاكمون حين يفسّرون صمت الشوارع في القاهرة أو تونس أو الضفة الغربية على أنّه نسيان أو قبول بالواقع أو انشغال بمأزق اللحظة. في الفلسفة السياسية، الصمت الناتج من الرعب هو "انتظار واعٍ" وليس استسلاماً. هذا ما أعتقده وأُبشّر به، أمّا السلطة التي تفتخر بقدرتها على إخراس الألسنة، فإنما تنجح فقط في نقل الصراع من الميادين إلى الصدور، متغافلين عن ألّا ميدان ينفجر إلا بحشدٍ في النفوس أولاً.
هذا الصمت هو الحالة التي تسبق الانفجار العظيم، فعندما تغيب القنوات السياسية، وتُسدّ منافذ التعبير، ويصبح السجن هو الردّ الوحيد على الأزمة الاقتصادية أو المطلب الحقوقي أو فضح الانتهاكات، تفقد السلطة كلّ شرعيّة، بما فيها شرعية الأمر الواقع باستثناء "شرعية القهر"، والمشكلة في شرعية القهر أنّها تنتهي عند أوّل لحظة ضعف للنظام، تنهار من أوّل شرخٍ في بنيته، لكن ما يهدّد ذلك أنّ الانفجار حينها يتحوّل غالبًا من "فعل تغيير" إلى "طوفان انتقام"، وهو ما يجب الانتباه له والعمل عليه لتجنّبه حتى لا نعيد إنتاج دائرة القمع بصورة أشدّ بطشًا من حيث أردنا كسرها.
الجدران التي تبنيها السلطات اليوم لتأمين كراسيها، هي نفسها التي ستنهار فوق رؤوس الجميع غداً
يبدو أنّ السلطات الحاكمة، في سباقها مع الزمن ومع الأزمات الوجودية، قرّرت أن تفرض سطوتها حتى لو كانت تحكم حطاماً، فالإمعان في التنكيل بالمعتقلين، من زنزانة "غزّة" إلى زنازين القاهرة وتونس، يعكس رغبة محمومة في ترسيخ السلطة قدراً إلهياً لا يُردّ، لكنّه يتجاهل احتمالات القفزة في مجهول "الطوفان" على أمل الخلاص.
في التطبيع مع السجون إعلان وفاة للمجتمع وللدولة من قبله، إعلانٌ لوفاة الإنسان، ذلك الذي جوهره الحريّة، وما نراه اليوم من غليان إقليمي ليس إلا القشرة الخارجية؛ أمّا الجمر الحقيقي فهو يتقد تحت "بُرش" المعتقل وفي عيون أطفال المغيّبين تمامًا كما اتّقد قبلها في سجن غزّة وفي عيون أطفال مخيّماتها. وقبل أن يتساءل العالم عن موعد سقوط القنبلة النووية، عليه أن يتساءل متى ينتهي صبر المظلومين؟ فالجدران التي تبنيها السلطات اليوم لتأمين كراسيها، هي نفسها التي ستنهار فوق رؤوس الجميع غداً.
Related News
مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»
aawsat
4 minutes ago
دزيكو: إيطاليا هي من تشعر بالضغط... وليس نحن!
aawsat
7 minutes ago
الجيش الصومالي يؤكد دخوله مدينة بيداوة
aawsat
8 minutes ago