الفوسفور الأبيض... سياسة الأرض المحروقة الإسرائيلية في لبنان
Arab
1 week ago
share
قصفت إسرائيل بلدة يحمر الشقيف في جنوب لبنان، بالفوسفور الأبيض في أوائل مارس/آذار، ودانت منظمات حقوقية استخدام هذه المادة الحارقة، مطالبة بمعاقبة إسرائيل، لكن القانون الدولي غائب. أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي ما بين 10 إلى 15 قذيفة فوسفور أبيض على بلدة يحمر الشقيف بقضاء النبطية في جنوب لبنان، في 3 و4 مارس/آذار 2026، وكانت كل قذيفة تنفجر في الجو مطلقة نحو أربع إلى خمس قنابل فرعية ينبعث منها الغاز، لتحرق منزلين وسيارة ومساحات من المزروعات. في 9 مارس، أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تقريراً قالت فيه إنها تحققت عبر صور ومقاطع فيديو من استخدام الجيش الإسرائيلي قذائف فوسفور أبيض مدفعية فوق منازل في بلدة يحمر، وحددت مواقعها الجغرافية.  يشرح مدير التواصل في "هيومن رايتس ووتش" لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أحمد بن شمسي، لـ"العربي الجديد"، أن "توثيق القصف بالفوسفور الأبيض في 3 مارس اعتمد على صور أُحيلت إلى القسم المختص بالأسلحة لدى المنظمة، وتم تحديد موقعها في يحمر. السمة الأساسية لهذه المادة الكيميائية هي أنها حارقة، وغالباً ما يُطلق الفوسفور الأبيض عبر القذائف المدفعية". لم تتواصل المنظمة مع أي من الأهالي لأن ما حصلت عليه كان كافياً. ويؤكد بن شمسي: "ليس هناك رقم محدد لعدد المرات التي استخدم فيها الفوسفور الأبيض في لبنان. لكن بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومايو/أيار 2024، استُخدم مرات عديدة في لبنان، وفي قطاع غزة، وعادة في مناطق مكتظة بالسكان. الفوسفور الأبيض في حد ذاته ليس سلاحاً محظوراً إذا استُخدم لأغراض عسكرية، لكن في حال انفجر فوق مناطق مأهولة، فإنه يصنف سلاحاً عشوائياً، فالمادة خطيرة، وقد تقتل كل من يلمسها، أو تُسبب أضراراً لمدى الحياة". يشتعل الفوسفور الأبيض عند تعرضه للأوكسجين ليحرق كل ما يلامسه، لكن لا يوجد دليل على انتقال الفوسفور الأبيض إلى السلسلة الغذائية في لبنان يضيف: "الخطوة الثانية هي المناصرة. لكنّ في ظل حالة الحرب القائمة، نشرنا التقرير الذي حظي باهتمام من دبلوماسيين غربيين والأمم المتحدة. أما الجيش الإسرائيلي، فقال إنه لم يتأكد من استخدام الفوسفور الأبيض. أصدرنا توصيات تدعو إلى إجبار إسرائيل على حظر جميع استخدامات الفوسفور الأبيض بالمدفعية فوق المناطق المأهولة، وأوصت المنظمة الدول التي تزود إسرائيل بالسلاح بتعليق مبيعات الأسلحة والمساعدات العسكرية، لأنها ترتكب انتهاكات واضحة لقوانين الحرب التي تنص على حماية المدنيين والأعيان المدنية، ومنع استخدام أسلحة تسبب أضراراً مفرطة. حتى الآن، لا يمكن القول إن استخدام الفوسفور الأبيض جريمة حرب بسبب الحاجة إلى معلومات إضافية". ويوضح بن شمسي: "نشهد احتراماً أقل للقانون الدولي، علماً أن الولايات المتحدة التي كانت رائدة في تأسيسه تنتهكه اليوم مباشرة، أو تساعد من ينتهكه بصورة عمياء. مع ذلك، ما زالت هناك منظمات تؤمن بالقانون الدولي، مثل منظمتنا،  ولولا هذه المنظمات لكان الوضع أسوأ بكثير. نعمل على الحفاظ على الوعي الجماعي؛ فإذا لم يكن هناك توثيق، لن يعرف أحد بحدوث الجرائم، كما أننا نساهم في استمرار نظام القانون. ربما نؤجل الكارثة". ويشتعل الفوسفور الأبيض عند تعرضه للأوكسجين، ويمكن أن يشعل ما يلامسه من مواد قابلة للاحتراق، وعند ملامسته جسم الإنسان يسبب حروقاً عميقة كون الفوسفور شديد الذوبان في الدهون، ما يسمح له باختراق الأنسجة، ويجعله مادة شديدة الخطورة. وحول الهجوم الجديد، يقول عنصر في الدفاع المدني اللبناني، طلب عدم الكشف عن اسمه لـ "العربي الجديد": "كانت البلدة في ذلك الوقت شبه خالية من السكان، إذ اضطر الناس إلى المغادرة من جراء القصف المدفعي العنيف، وحضرنا كدفاع مدني إلى المكان لإطفاء الحرائق، علماً أنه لا يمكن إطفاء الفوسفور بالمياه بسهولة، وعادة ما يتم اللجوء إلى تغطية المادة بالرمل أو التراب لمنع وصول الأكسجين، أو إبقاؤها مغمورة بالماء بشكل كامل حتى يتم التعامل معها. خلال التعامل مع الواقعة سقطت قنبلة إلى جانب ثلاثة عناصر من الدفاع المدني، وأصيبوا ونقلوا إلى المستشفى. الأقنعة التي نستخدمها توفر حماية جزئية لا تتجاوز 50%، وبالتالي لا تمنع بالكامل الاختناق أو السعال". وفي يوليو/ تموز 2024، قال المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، إنه وثق 175 هجوماً استخدم فيها الفوسفور الأبيض منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 في جنوب لبنان، تسبب العديد منها بحرائق أثرت على أكثر من 600 هكتار من الأراضي الزراعية. وفي 13 مايو 2025، أصدر معهد دراسات الهجرة في الجامعة اللبنانية الأميركية بحثاً بعنوان "الفوسفور الأبيض والنزوح وهشاشة العودة إلى جنوب لبنان"، ركز على الأثر البيئي الذي يخلف أراضي محروقة، ويخفض إنتاجية تلك الأراضي، ويترك بقايا سامة في التربة لسنوات، إضافة إلى تأثيرات محتملة على المياه والنظام البيئي. وكشف البحث عن استخدام تلك المادة في عدة حروب سابقة في لبنان، خلال أعوام 1982، و1993، و1996، و2006، و2023، ما أدى في كل مرة إلى سقوط ضحايا، ودمار واسع، ونزوح. وتطرق إلى وجود نقص في الأبحاث العلمية حول تأثير استخدام الفوسفور الأبيض في لبنان خلال حرب 2023- 2024، خصوصاً في ما يتعلق بالأمن الغذائي والنزوح. وتؤكد الأكاديمية اللبنانية المشاركة في البحث، ياسمين فخري، لـ"العربي الجديد" أن تأثير الفوسفور الأبيض على البيئة والزراعة بشكل عام "مباشر وعيني، ويظهر التأثير الأسوأ فوراً عندما تُحرق وتدمر التربة أو الأراضي الزراعية". أما التأثير طويل الأمد فيتعلق بالقدرة على استصلاح الأرض والزراعة من جديد أو تجدد نمو الأشجار. الأمر يحتاج إلى وقت وصبر، وعادة ما تكون النتائج بعيدة المدى". وفي ما يتعلق بخصوبة التربة، تقول: "من الطبيعي أن تتأثر كثيراً على المدى الطويل، وفي المقابلات التي أجريتها، استخدم بعض الناس كلمات مثل: الأرض أصبحت عقيمة، أو ميتة. حتى الآن، لا يوجد دليل قاطع على انتقال الفوسفور الأبيض إلى السلسلة الغذائية، وفي الفترة الأولى من القصف، ساد قلق بين السكان من استهلاك الخضر والفاكهة وزيت الزيتون في مناطق مثل دير ميماس (قضاء مرجعيون في محافظة النبطية)، وأثيرت تساؤلات حول احتمال تأثيره في المياه الجوفية ومياه الري، لكن الإجابات العلمية ما زالت محدودة". وتضيف: "يتوجب على الدولة بالتعاون مع المؤسسات المحلية والدولية، إجراء فحوص منتظمة لعينات من التربة والمياه والمحاصيل لطمأنة السكان. لكن إجراء هذه الفحوصات يكون صعباً في بعض الفترات، إذ إن القرى لا تزال تتعرض للقصف. الخطر الأكبر لا يقتصر على الأضرار المباشرة، بل يتمثل في فقدان القدرة على زراعة الأرض على المدى الطويل، ما يهدد الاستدامة وسبل العيش في المناطق الزراعية. يتوقف حجم الضرر أيضاً على طبيعة التربة وكيفية انجرافها أو تدهورها". وترى فخري أن "تصاعد التوتر العسكري أدى إلى نزوح واسع للسكان وسقوط ضحايا في جنوب لبنان. عودة السكان إلى قراهم لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل شعور حقيقي بالأمان، ووقف فعلي لإطلاق النار. الحرب أثرت بشكل كبير في البنية التحتية الزراعية، وتضررت الآبار وشبكات الري والمعدات الزراعية، فضلاً عن خسائر في الثروة الحيوانية والدواجن ومخزون الأعلاف، وبالتالي سبل عيش المواطنين". بدوره، يقول مصدر عسكري لبناني لـ"العربي الجديد"، إن "القانون الدولي الإنساني لا يتطرق مباشرة إلى الفوسفور الأبيض، ويخضع استخدامه لاتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980، وتحديداً البروتوكول الثالث المتعلق بحظر أو تقييد استعمال أسلحة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر، وتشمل الاتفاقية خمسة بروتوكولات، من بينها السلاح الحارق الذي يمكن أن يندرج الفوسفور الأبيض ضمنه". ويشير إلى أن "أي سلاح أو ذخيرة تُصمم أساساً لإشعال النار أو التسبب بحروق بواسطة اللهب أو الحرارة الناتجة عن تفاعل كيميائي يُعد سلاحاً حارقاً، ما ينطبق على الفوسفور الأبيض. لكن النص القانوني يميز بين السلاح الحارق وغيره، إذ إن السلاح الذي لم يُصمم خصيصاً للإحراق، أو لم يكن الأثر الحارق فيه أساسياً، لا يُعد سلاحاً حارقاً. لم تصادق إسرائيل على البروتوكول الثالث، فيما صادق عليه لبنان عام 2017، وهو يمنع استخدام هذا السلاح ضد هدف عسكري يقع بين مدنيين، ويسمح باستخدامه ضد هدف عسكري منفصل، أو لإزالة الغطاء النباتي الذي يشكل ستاراً للعدو". ويؤكد المصدر العسكري أن "استخدام الفوسفور الأبيض في ظل وجود مدنيين يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، وقد يرقى إلى جريمة حرب. القانون الدولي الإنساني وصكوك أخرى تحظر الهجمات العشوائية، أو البالغة الأثر، ما يمكن الاستناد إليه لإدانة استخدام الفوسفور الأبيض، خصوصاً عند حرق مساحات حرجية، وتأثيره على التربة والمياه، رغم أنه غير مشمول بمعاهدة الأسلحة الكيميائية".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows