Arab
بمناسبة اليوم العالمي للشعر، تذكّرَ بعضُهم فجأة أن العالم لا يعاني جفاف المياه فحسب، بل جفاف الروح والمعنى. في هذا اليوم تحديداً، ظهر شخصٌ يحمل جرّة. هل كان امرأة؟ هل كان رجلاً؟ هل كان شخصيّة خارجة من تفاصيل حكايةٍ في كتاب؟ لم يكن مدرجاً ضمن البرنامج الرسمي للاحتفال. لم يُدعَ إلى المنصّة ولم يُذكر اسمه في الملصقات. كان يقف في طرف الساحة، يراقب الشعراء وهم يتناوبون على الميكروفون، يلقون نصوصاً عن الحب والحرب والغياب، بينما الجمهور يصفق بحماسٍ أحياناً وبضجرٍ في أغلب الأحيان.
اقترب منه أحد المخبرين، وسأله بنبرةٍ إداريّة: هل أنت شاعر؟ أجاب: لا. أنا سقّاء. ضحك المخبر ومضى، فمثل هذه الإجابات لا تُدرج في التقارير. وبعد انتهاء القراءات، وبينما أخذ الحضور يتفرّق، رفع الشخصُ جرّته، وهمس بكلماتٍ لم تُسمع، ثم أراق منها قليلاً على أرض الساحة، من دون أن يتبيّن الجمهور ماذا أراق، ولمن، وهل كان لما أريق طعم أو رائحة؟ قال أحدهم لعلّه يسقينا شعراً. لكن طفلاً توقف فجأة، كأنه تذكّر طفولته التي ضيّعوها عليه، وصاح بأعلى صوته: إنّه يسقينا عطشاً من الجرّة. الشعر هو العطش.
في اليوم التالي، انتشرت حكاية "جرّة العطش". اعتُبِرت في البداية نكتةً سمِجة. إلّا أنّ أموراً غريبة بدأت تحصل: انفكّت حبسةُ كثيرين. استعادت كلماتٌ كثيرة وزنها، كأن الحريّة غدت ممكنةً. كأنّ الاختلاف لم يعد آثماً. بدأ الفضول يتحوّل إلى طوابير. صار حامل الجرّة يتنقل بين الأماكن التي لا تُذكر في نشرات الطقس: مكاتب بلا نوافذ، مدارس فقدت دهشتها، بيوتٌ يسكنها الصمت أكثر من أهلها. في كل مرّة، يفتح جرّته، يهمس بكلمات غير مفهومة، ويسقي المكان "سائلاً" غير مرئيّ، ثمّ يمضي، فتفتتح الأمور رحلة تغيُّرها. لكن ليس فوراً، وليس بشكل استعراضي، بل بخطواتٍ هادئة وحسب إيقاع قادم من الأعماق. هكذا بدأ التلاميذ يميّزون بين المعلومات والتعليمات. بدأ الطلّاب يفرّقون بين المعلومات والتعاليم. بدأ موظّفو الإدارة يفكّرون في الأوامر. بدأ الكتّاب يقرأون ما يكتبونه قبل أن يوقّعوه. وفي الشوارع والمقاهي المزدحمة، لم يقلّ الضجيج، لكنه صار أقلّ فراغاً، كأنّ كل صوتٍ صار يعرف لماذا يتكلم. أما في البيوت التي كان أصحابها يعيشون معاً كالغرباء، فقد صار الدفء يخرج من بين الضلوع وليس من المدافئ. أصبح الناس يضحكون ويبكون ويختلفون ثمّ يعودون إلى الضحك من جديد، بسبب ودونما سبب، كأنّ اللقاء لم يعد واجباً اجتماعيّاً بل رغبة حقيقية. وهو تسلسلٌ لم يحدُث منذ سنوات.
انتبهت وسائل الإعلام إلى الأمر، وتداعى محترفو التفكير من داخل الصناديق إلى التفكير خارج الصندوق: هل الشعر هو العطش للحرّية والحب والعدل وكلّ ما يعالج جفاف الروح والمعنى؟ هل هذه جرّةُ عطشٍ حقّاً؟ اتّضح للجميع أنّ اليقين أصبح أبعد منالاً من الكبريت الأحمر، فظهرت تحليلاتٌ متضاربةٌ تتحدث عن "آثار العطش السيكو/ سوسيولوجيّة"، وعن "اقتصاد الشعر" وعن "إدارة الموارد الرمزية". وتلا ذلك ما هو طبيعيّ من تبعات الرغبة والطمع، وتعالت أصواتُ تجّارٍ متنفّذين يريدون السيطرة على هذه الثروة النادرة، بدعوى تنظيم "سقايتها"، وضرورة "وضع حدّ لممارستها عشوائيًّا". ولكن كيف؟ هل يختطفون حامل الجرّة؟ هل يعرضون عليه عقداً حصريّاً، أم يذهبون في اتّجاه سحب البساط من تحت قدميه، بتصنيع جرارٍ مقلّدة، مليئةٍ بكلماتٍ جاهزة، تُسكب بضغطة زر؟ المشكلة أنّهم لا يعرفون محتواها ولا يستطيعون تصنيع مادّة غير ماديّة.
بعد سوء تدبير وانعدام تفكير، عمَدَ عددٌ من أهل السوء إلى إيغار صدور العامّة على حامل الجرّة فروّعوه، ومزّقوا ثيابه، وانتزعوا منه جرّته، وتحلّقوا بها بمخالب وأنياب، وقد افترسهم الفضول لمعرفة ما فيها. وحين اكتشفوا أنّها لا تحمل شيئاً ممّا كانوا يظنّون، جُنّ جنونهم، فكسروها. كسروا الجرّة. تواطأ الجميع على كسر الجرّة، كُلٌّ بحجّةٍ وكُلٌّ بحَجَرٍ وكُلٌّ بطريقة. لكنّ ذلك لم ينفعهم بشيء. ظلّ الشعر يتدفّق في الرمال والأنهار والشرايين. وها هو طفله، طفل الحكاية، يهتف عند كلّ يوم عالميّ للشعر، وفي الأيّام الأخرى: لا تحزنوا لكسرة الجرّة. أنتم جرار العطش إلى الشعر. وإذا عطشتم هذا ماؤها يتدفّق من ضلوعكم. الشعر هو الماء الوحيد الذي لا ينضب، لأنّه ينبع من العطش إليه.

Related News
سفير يرفض إبعاده! هل من سوابق في العلاقات بين الدول؟
aawsat
3 minutes ago
دي زيربي الهدف الأول لتوتنهام من أجل إنقاذه من الهبوط
aawsat
7 minutes ago
إسرائيل تطلق رسائل بالنار تتجاوز خطوط القتال في جنوب لبنان
aawsat
10 minutes ago