Arab
"نكون يوماً ما نريد/ لا الرحلة ابتدأتْ، ولا الدرب انتهى".
بكلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش، ومقدمة طويلة عن "فلسطين: أشكال الرفض"، يعلن "سينما الواقع: المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بباريس" برنامجه الخاص بفلسطين، في دورته الـ48 (21 ـ 28 مارس/آذار 2026). مساحة رفض يمكن للمرء فيها أن يتحدّى القيود المفروضة على الشعب الفلسطيني، وأن يتبنّى بشكل كامل فعل التعبير عن الذات. هذا تحديداً ما يمكن أن تقدّمه السينما.
إذا طرح السؤال: لماذا برنامج أفلام عن فلسطين اليوم، فإجابة المنظّمين، وأولهم كاترين بيزرن (الأمينة العامة والمديرة الفنية)، تبدو واضحة إلى حدّ كبير. مع هذا، يصعب توضيحها، فالمهرجان أدرك "أنه، بعد أكثر من عامين من حرب الإبادة الجماعية في غزة، لن تتمكن السينما والصُور من إيقاف مسيرة السياسة الإسرائيلية المتواصلة نحو الأسوأ. وُضعت صورة الكاميرا كسلاح في خزانة الآمال الخائبة، في وقت تمتد فيه سلسلة إمبريالية واسعة النطاق إلى بلدان المنطقة. أليس خطأ التساؤل عن مغزى ذلك؟".
في البرنامج الخاص، المُعدّ بالتعاون مع الفنانة والمخرجة الفلسطينية جمانة مناع، سيعرض 24 فيلماً، بعضها نادر، من سينما السبعينيات النضالية إلى الحديثة المشبعة بالتجارب. إنه استعادة لتاريخ السينما الفلسطينية، المولودة في المنفى، لا سيما لبنان، حيث باتت بيروت مركز النضال الفلسطيني بالسلاح والكاميرا في 30 عاماً: تأثير هزيمة 1967 في وضع السينما بخدمة القضية، وصناعة أفلام سياسية تكون جزءاً من سلسلة السينما الثورية الحديثة، التي تجسدت في "هنا وفي مكان آخر" (1976) لجان ـ لوك غودار، العائد مع آن ماري مِيَافِل إلى فيلم غير مكتمل عن المقاومة الفلسطينية، مُصوّر عام 1970 بمخيم عمان للاجئين، لجان ـ بيار غوران وجان ـ هنري روجيه وغودار، والأخير استخدم مع مِيَافِل الفيديو، لإعادة تفسير الصُور في حاضرهما، وحاضر المجتمع الفرنسي بأزماته وتصوّراته: منزل عائلة فرنسية عادية، اجتمع أفرادها حول جهاز التلفزيون. في مكان آخر، يعبّر شعب في المنفى عن نفسه، وينظّم صفوفه، ويناضل آملاً بالعودة إلى وطنه.
من الفترة نفسها، اختير "ليس لهم وجود" (1974) لمصطفى أبو علي (عمل مساعداً لغودار)، الذي استخدم عبارة شهيرة لغولدا مائير عنواناً لفيلمه، ليوضح كيف تجمع إسرائيل بين الكلام والعمل لإبادة الفلسطينيين، رابطاً كلمات مدمِّرة لقادة إسرائيليين بصُور تدمير مخيم النبطية (جنوب لبنان)، على خلفية كونشرتو باخ. و"مئة وجه ليوم واحد" (1969) لكريستيان غازي، الناجي من التدمير في الحرب اللبنانية: مزج السرد الدرامي بلقطات وثائقية، لتصوير نضال نشطاء شيوعيين في لبنان، من أجل القضية الفلسطينية. و"الذاكرة الخصبة" (1980) لميشال خليفي، أول فيلم يمزج الروائي بالوثائقي لمخرج فلسطيني منذ النكبة: صور يومية لامرأتين بآفاق متباينة، لكنهما شرعتا في النضال نفسه من أجل الحرية.
هناك أيضاً أفلام باتت مرجعاً للقضية، كـ"المنام"(1981) لمحمد ملص، المُصوّر في مخيمات اللاجئين بلبنان، مانحاً إياهم مكاناً للحلم، ومساحة يزورهم فيها شهداء يعودون إلى فلسطين، والعدو في الوقت نفسه يفرض الكابوس. لتمثيل تحول في السينما الفلسطينية، التي باتت تلجأ إلى السرد الذاتي الحميمي عبر التعليق الصوتي بضمير المتكلم، يبدو "عالم ليس لنا" (2013) لمهدي فليفل، المُصوّر في مخيم عين الحلوة (جنوب لبنان)، ليس مجرد يوميات شخصية، بل تحوّلاً عميقاً في الشباب الفلسطينيين.
احتفاءً بالحياة في مواجهة كمّ هائل من العنف والتدمير، يعرض البرنامج أفلاماً تركّز على قضايا شخصية، لإعادة أنسنة الضحايا الذين لا يحظون باهتمام كافٍ من الغرب، مع أربعة رجال عاديين، في "حكايات غزة" (2024) لمحمود نبيل أحمد، الذي يتتبع عن كثب حياتهم اليومية المحاصرة، وصراعهم بين القلق الوجودي والبقاء أحياء، عبر ثقافة التكيّف والصمود الدائمين، فيتشبّثون بالموسيقى والحيوانات والشاطئ، وببعضهم البعض. أفلام أخرى لسيمون بيتون وهاني أبو أسعد وبسمة الشريف وخالد جرار وعريب طوفان وغيرهم، تجعل البرنامج من أغنى ما قُدّم عن فلسطين سينمائياً.
إضافة إلى هذا، يعرض قسم "الجسد والأرض" سبعة أفلام لجمانة منّاع، التي استكشفت في 15 عاماً كيف تؤثر أشكال السلطة، الاقتصادية والسياسية والاستعمارية، على حياة الإنسان والنبات، وتترك بصمتها على المناظر الطبيعية والأجساد.
لا تبتعد فلسطين عن أفلامٍ تُعرض في المسابقة الرسمية (37 فيلماً)، بينها "تقويم غير مكتمل" لساناز سهرابي (كندا)، تستكشف فيه تطور الثقافات البصرية، بالتوازي مع تاريخ استخراج النفط في إيران وآسيا. يبدأ من وثيقة موسيقية، أُنتجت في فنزويلا، ويربط سجلُ الأغاني المنسية كاراكاس بطهران، كاشفاً قصصاً لم تُرو، تتعلق بالنفط، ليس كمادة خام بل كأداة سياسية في خدمة نضالات التحرير في فلسطين، وبناء التضامن العربي، بين عامي 1960 و1970. من لبنان، هناك "إحسان من مية سنة لليوم" (2026)، جديد لميا جريج، المستند إلى مخطوطة لجندي عثماني مكتوبة عام 1915: يناقش ممثلون فلسطينيون ولبنانيون أدوارهم أثناء التدريبات، بينما تظهر رسمة للقدس تدريجياً على الشاشة، ويعيدهم استحضار الحرب العالمية الأولى إلى الحاضر. يتعرفون على مخاوفهم وغضبهم في كتابات إحسان. يكشف النص تساؤلات تبقى بلا إجابة رغم مرور قرن، فالأزمنة متشابهة. لم يتغير شيء، وفي فلسطين، لا تزال الحرب مستمرة، وتجتاح المجاعة غزة مجدّداً.
في "بايسانوس" (2025)، أول فيلم للشقيقين أندريس وفرانسيسكا خميس جياكومان (من الشتات الفلسطيني الكبير بتشيلي)، اللذين يشجعان نادي ديبورتيفو بالستينو لكرة القدم (درجة أولى بتشيلي، أسسه عام 1920 منفيون فلسطينيون، ويوصف غالباً هناك بأنه منتخبهم الوطني الثاني). في الفيلم، راويان يجسّدان تشيلي وفلسطين، ويتساءلان عن الهوية، ومعنى العودة، والطرق المتعدّدة لتحقيقها.
بعد "عذر الإوزة" (2024)، يُصغي المصريان مهدي أبو بهات وأبو زين الدين إلى "شكوى البقرة" (2026): عمل فني، ينطلق من فكرة أن الخيال إدراكٌ بشري، يكمل الحواس الخمس، ويثري فهمنا للعالم.

Related News
بوكيتينو يريد مواصلة تدريب أميركا بعد المونديال
aawsat
4 minutes ago
رفض فلسطيني واسع لقانون إعدام الأسرى
alaraby ALjadeed
9 minutes ago