بالانتير" تقاضي تحقيقاً صحافياً كشف فشلها في سويسرا
Arab
1 week ago
share
رفعت شركة بالانتير الأميركية دعوى قضائية أمام محكمة تجارية في سويسرا ضد مجلة ريبابليك، على خلفية تحقيق استقصائي كشف تعثر محاولاتها المتكررة لدخول السوق السويسرية، وسط مخاوف أمنية وسياسية متصاعدة، يتقدّمها دورها في الحرب الإسرائيلية على غزة. وجاءت الدعوى عقب نشر تحقيق مشترك أعدّه صحافيون من مجموعة الأبحاث السويسرية "واف" (WAV) بالتعاون مع المجلة في ديسمبر/كانون الأول 2025، وتتبع مسار اتصالات الشركة مع السلطات السويسرية التي انتهت برفض متكرر للتعاون معها. تتمحور القضية حول ما يُعرف في القانون السويسري بـ"حق الرد" الذي يتيح للجهات المعنية نشر روايتها ضمن حدود الوقائع. وتقول "بالانتير" إنها تسعى لتصحيح معلومات غير دقيقة، بينما يؤكد الصحافيون أن طلباتها تتجاوز الرد إلى إعادة صياغة التحقيق. واعتبر الاتحاد الأوروبي للصحافيين الخطوة ذات طابع ترهيبي. التحقيق الذي فجّر هذا النزاع لم يكتفِ بسرد الوقائع، بل أعاد تتبّع مسار طويل من محاولات الشركة دخول السوق السويسرية. فمن خلال 59 طلباً بموجب قوانين حرية المعلومات، تتبّع الصحافيون سنوات من الاتصالات والاجتماعات التي أجرتها "بالانتير" مع جهات حكومية. ووفقاً للتحقيق، بدأت علاقة "بالانتير" بسويسرا عام 2018، حين التقى وزير المالية السويسري آنذاك أولي ماورر مسؤولين في الشركة داخل مقرها في وادي السيليكون، في زيارة رسمية شملت عدداً من شركات التكنولوجيا. لم يتجاوز اللقاء في ظاهره إطار تبادل المعلومات، لكنه فتح الباب أمام سلسلة من الاتصالات اللاحقة. عام 2020، وعلى هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، التقى المستشار الفيدرالي فالتر تورنهير الرئيس التنفيذي للشركة أليكس كارب داخل جناح صُمم خصيصاً لعقد اجتماعات مغلقة، في مؤشر إلى طبيعة العلاقات التي سعت الشركة إلى بنائها مع صناع القرار. ومع اندلاع جائحة كوفيد-19، كثّفت "بالانتير" تحركاتها، إذ وجّهت رسائل مباشرة إلى السلطات السويسرية عرضت فيها تقديم خدمات تحليل البيانات لدعم تتبع العدوى، بل وأبدت استعدادها للعمل مجاناً في المرحلة الأولى. وأفضت هذه المبادرات إلى عقد لقاء رسمي في برن، جرى خلاله بحث إمكانيات توظيف أدواتها في إدارة الأزمة. غير أن هذه المحاولة، التي بدت واعدة، انتهت من دون نتيجة، إذ اختار المكتب الفيدرالي للصحة العامة مزوداً آخر بعد نقاشات داخلية، وسط تحفظات من قسم الاتصالات الذي اعتبر أن التعاون مع الشركة ينطوي على مخاطر تتعلق بالسمعة. ولم يكن هذا الرفض استثناءً، بل جزءاً من نمط متكرر. إذ تواصلت الشركة مع عدة جهات فيدرالية، بينها المكتب الفيدرالي للإحصاء وهيئة تكنولوجيا المعلومات، وعقدت اجتماعات متعددة، من دون أن تفضي إلى أي عقد. وعام 2022، عرضت أدواتها لمكافحة غسل الأموال خلال ورشة عمل رسمية، إلا أن السلطات اعتبرت استخدامها "حساساً للغاية"، بل وربما غير قانوني. وبحصيلة هذه المحاولات، خلص التحقيق إلى أن "بالانتير" رُفضت تسع مرات على الأقل خلال سبع سنوات، ما يعكس تحفظاً مؤسساتياً واضحاً تجاه التعاون معها. في المجال العسكري، بدا أن الشركة اقتربت أكثر من تحقيق اختراق. إذ درست هيئة التسليح الفيدرالية إمكانية استخدام برمجياتها ضمن نظام الاستخبارات العسكرية، وطلبت منها تقديم عرض رسمي، إلا أن هذا العرض رُفض أيضاً لعدم استيفائه أحد الشروط الأساسية، من دون الكشف عن طبيعة هذا الشرط. وفي 2024، جرت محاولة جديدة، حين عرضت الشركة تقنياتها مباشرة على قائد الجيش السويسري خلال مؤتمر أمني دولي. هذا العرض دفع القيادة العسكرية إلى تكليف فريق مختص بإعداد تقرير داخلي لتقييم جدوى استخدام هذه الأنظمة. التقرير، الذي اطّلع عليه الصحافيون، كشف تناقضاً واضحاً؛ إذ وصف قدرات "بالانتير" بأنها "مبهرة"، لكنه في المقابل حذّر من مخاطر اعتبرها أكبر من مزاياها. وكان أبرز هذه المخاطر احتمال وصول بيانات حساسة إلى السلطات الأميركية، في ما اعتُبر تهديداً مباشراً للسيادة الرقمية. كما أشار تقرير الجيش إلى مخاوف أخلاقية تتعلق بإمكانية استهداف أفراد استناداً إلى تحليلات إحصائية، بما قد يقود إلى نتائج غير دقيقة أو غير عادلة. وفي الخلاصة، أوصى التقرير بعدم اعتماد تقنيات الشركة، والتوجه نحو البحث عن بدائل أخرى. إذا كانت المخاوف التقنية والأمنية تفسّر جانباً من هذا الرفض، فإن البعد السياسي، ولا سيما دور "بالانتير" في الحرب على غزة، أضاف طبقة أكثر تعقيداً إلى المشهد. فالشركة، التي أعلنت في يناير/كانون الثاني 2024، شراكة استراتيجية مع إسرائيل، واجهت انتقادات دولية متزايدة، خصوصاً بعد تقارير أممية أشارت إلى دورها في تطوير بنى تحتية عسكرية قائمة على الذكاء الاصطناعي تُستخدم في اتخاذ قرارات الاستهداف. وعلى الرغم من نفيها المشاركة المباشرة في بعض هذه الأنظمة، فإن تصريحات مسؤوليها غذّت الجدل، إذ أقرّ الرئيس التنفيذي بأن برمجيات الشركة "استُخدمت في غزة"، فيما تحدث المدير التقني عن مساهمتها في "تحسين سلسلة القتل". ولم يبقَ هذا البعد في إطار النقاش العام، بل دفع وزارة الخارجية السويسرية إلى فتح تحقيق، استناداً إلى قانون يمنع الشركات العاملة من داخل البلاد من المساهمة في انتهاكات حقوق الإنسان، حتى عبر تقديم الدعم التقني. في مواجهة هذا التحقيق، ترفض "بالانتير" الصورة التي رُسمت لها. وتؤكد في ردها، عبر تدوينة أول من أمس الأربعاء، أنها لم تدخل في أي عملية تعاقد رسمية مع الجيش السويسري، وأن ما وُصف بحملة ضغط في التحقيق لم يكن سوى "استكشاف سوق طبيعي" عبر عدد محدود من الاجتماعات. كما تزعم أن تقرير الجيش لم يستند إلى تقييم تقني مباشر، وأن مخاوف تسريب البيانات "غير صحيحة"، مشيرة إلى أن أنظمتها تتيح تحكماً كاملاً للعملاء في بياناتهم، وقد خضعت لمراجعات مستقلة في أوروبا. لكن هذا الرد لا يغيّر حقيقة أساسية أظهرها التحقيق؛ السلطات السويسرية، رغم اطلاعها على عروض الشركة، اختارت مراراً عدم المضي في التعاون معها. وهذا الفشل في اختراق السوق السويسرية شكّل محور القضية. فالشركة التي بنت سمعتها على عقودها الأمنية والاستخباراتية في الولايات المتحدة، وجدت نفسها أمام بيئة أوروبية أكثر تحفظاً، لا تنظر إلى تقنيات تحليل البيانات بوصفها أدوات محايدة، بل بما هي منظومات تحمل تبعات سياسية وقانونية. تُعد برمجيات "بالانتير"، مثل "غوثام" (Gotham) و"فاوندري" (Foundry)، من بين أكثر الأنظمة تقدماً في هذا المجال، إذ تتيح دمج كميات هائلة من البيانات وتحليلها وإنشاء نماذج سلوكية للأفراد، وهي قدرات تثير مخاوف متزايدة بشأن الخصوصية والسيادة الرقمية. ولا يمكن فصل ما حدث في سويسرا عن السياق الأوروبي الأوسع. ففي ألمانيا، أثارت تقنيات "بالانتير" جدلاً حاداً حول المراقبة، بينما في بريطانيا دعا سياسيون إلى تجنب التعاقد معها. وفي المقابل، تعترف الشركة نفسها بأنها تواجه "مشكلة سمعة" في أوروبا، حيث تتقاطع قضايا التكنولوجيا مع اعتبارات السيادة والحقوق.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows