Arab
"من قبحنا ستنمو روح العالم". – أندريه بلاتونوف، رواية "الروح"
يُقال إنّ الشعب الأميركي ظلّ، على مدى عقود، يصوّت بثبات ضدّ انخراط الولايات المتحدة في الحروب، لكن في مفارقة عجيبة، تمضي نخبةٌ، مرةً بعد مرة، إلى الحرب.
قبل قرن تقريبًا، خاض وودرو ويلسون حملته الانتخابية على وعدٍ واضح: أن يُبقي البلاد خارج أتون الحرب العالمية الأولى. لكنّ التاريخ كثيرًا ما يسخر من وعود السياسة؛ فما إن وصل إلى الرئاسة حتى دخلت الولايات المتحدة الحرب، وهو القرار الذي يرى فيه كثير من المؤرخين واحدًا من الشروط البعيدة التي مهّدت لولادة حربٍ عالمية ثانية، أشدّ فتكًا وأوسع خرابًا.
منذ ذلك الحين، يكاد يتكرّر المشهد بصيغة واحدة: مرشّح بعد آخر يتعهّد بالبقاء خارج الحروب، ثم لا تلبث الحروب أن تتكاثر في عهده، كأنّها قدرٌ مؤجَّل لا وعدٌ منقوض. وحين يتكرّر الأمر بهذا الانتظام، يغدو من السذاجة ردّه إلى أخطاء أفراد أو تقلّبات مناسبات سياسية. نحن بإزاء بنية، لا حادثة؛ بإزاء ميلٍ مستقرّ في عمق السلطة، يتجاوز الأشخاص والأحزاب، ويشير إلى وجود قوى نافذة قادرة على إبقاء النزعة الحربية حيّة، مهما تبدّلت الوجوه وتلوّنت البرامج. ليست الديمقراطية، في هذه الحال، سوى سطحٍ تفاوضيّ يطفو فوق أعماق أقلّ شفافية، حيث تتشكّل الأولويات الفعلية بعيدًا عن الإرادة الشعبية المعلنة.
ولهذا، بالتوازي مع الحروب المشتعلة علينا من الإمبراطورية، تكتسب الملفات الأخيرة المتصلة بشبكة جيفري إبستين، وما أحاط بها من كلامٍ عن النفوذ والابتزاز وتشابك المصالح لمصلحة إسرائيل، أهميةً تتجاوز فضيحة الأسماء والسلوكيات الفردية. فالقضية هنا ليست مجرّد انحطاطٍ أخلاقي لنخبةٍ بعينها، بل توضيحٌ لكيف تكون السلطة الحديثة، في بعض تجلياتها، أشدّ هشاشةً أمام الشبكات المعتمة مما تسمح به صورتها الرسمية. إنّها لمحةٌ مقلقةٌ من طبيعة بعض هذه القوى، وعن الكيفية التي يمكن بها للشبكات المعتمة أن تتسرّب إلى مراكز القرار، لا بوصفها استثناءً عارضًا، بل بوصفها جزءًا من البنية الفعلية للسلطة الحديثة.
وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ خضوع قطاعات من النخبة الأميركية لمنطق القوة الذي يجسّده نظام نتنياهو يزداد رسوخًا، حتى صارت واشنطن، في أكثر من موضع، لا تكتفي بدعم ذلك المنطق، بل تحاكيه وتتبنّى لغته وأدواته: الاغتيال السياسي خارج القانون، التباهي بالعنف كأنّه فضيلة سيادية، شنّ الهجمات في ظلّ مفاوضات يُراد لها أن تبدو سلامًا، والانتهاك الصريح لمروحة واسعة من القوانين والمعاهدات التي تدّعي الإمبراطورية نفسها أنّها ضامنتها.
هنا لا يعود الأمر متعلّقًا بسياسة خارجية فحسب، بل بصورة أعمق من التكوين الأخلاقي لحضارةٍ ما. فعلى امتداد التاريخ الإنكليزي - الأميركي، ظلّ هناك ميلٌ دفين إلى الارتحال نحو المجهول لا لاكتشافه فقط، بل لإخضاعه وامتلاكه وإعادة تشكيله بالقوة. لماذا؟ لعلّ كثيرًا من أولئك الذين اندفعوا إلى البحار البعيدة، أو إلى الصحارى، أو إلى القارات الجديدة، لم يكونوا يملكون جوابًا واضحًا. لقد ذهبوا لأنّ الذهاب نفسه كان جزءًا من تعريفهم لأنفسهم. كان التوغّل في المجهول، وفرض الإرادة عليه، فعلًا يؤسّس الهوية قبل أن يحقّق المنفعة.
وما زال هذا الدافع يعمل، وإنْ تبدّلت صوره وأدواته. بالنسبة إلى الخيال الأميركي، لا يحتاج اقتحام المجهول دائمًا إلى مبرّرٍ عقلاني كامل، ولا إلى يقينٍ بالربح. يكفي أنّ المجهول يَعِد بالإثارة، وأنّ الحركة خارجه تبدو، في وعي القوة، دليلًا على الحيوية والتفوّق. أمّا الأرباح، السياسية منها أو الاقتصادية أو الجيوستراتيجية، فهي تأتي لاحقًا بوصفها مكافأةً مرحّبًا بها، لا شرطًا أوليًا للفعل.
في هذا المعنى، ربما لا تكون الحرب دائمًا نتيجة ضرورة، بل نتيجة مزاج حضاري: ضيقٌ بالحاضر المستقر، ونفورٌ من حدود الاكتفاء، وحاجةٌ دائمة إلى مسرحٍ جديد تُعرَض عليه القوة وتُختبر فيه إرادة السيطرة. ليست العدوانية هنا حادثًا طارئًا، بل شكل من أشكال القلق الوجودي حين يتلبّس دولةً تملك من الوسائل ما يسمح لها بتحويل نزواتها الميتافيزيقية إلى وقائع دامية.
ذلك هو الوجه الأشدّ قتامة في الإمبراطوريات المتأخرة: أنّها لا تشنّ الحروب فقط دفاعًا عن المصالح، بل دفاعًا عن صورةٍ متداعية لذاتها، عن وهمٍ قديم يقول إنّ الحركة الدائمة دليل الشرعية، وإنّ القدرة على التدمير برهانٌ على العظمة. وحين تبلغ حضارةٌ هذه المرحلة، يصبح العنف أقلّ ارتباطًا بالعقل السياسي وأكثر ارتباطًا بالخواء الذي يسكنه.
لذلك لا يكون السؤال الأصدق: لماذا تذهب أميركا إلى الحرب؟ فالأسباب المعلنة تتبدّل، والمسوغات تتكاثر، والذرائع لا تنتهي. بل لعلّ السؤال الأهم هو: ما الذي تخشاه دولةٌ إلى هذا الحدّ من الاكتفاء، من عالمٍ لا يكون مسرحًا لإرادتها؟ لعلّ الحرب، هذه الحرب، في صورتها الأعمق، ليست دائمًا تعبيرًا عن قوّةٍ واثقة، بل عن إمبراطورية لم تعد تعرف كيف تعيش مع أفولها إلا بتحويل ذلك الأفول إلى نارٍ تتسع للجميع.
ومن هنا ربما تكتسب عبارة بلاتونوف قسوتها النبوئية: "من قبحنا ستنمو روح العالم". ليس لأنّ القبح يطهّر، ولا لأنّ التاريخ يكافئ الشرّ بحكمةٍ خفيّة، بل لأنّ انكشاف القبح، حين يبلغ مداه، يجرّد الحضارات من أوهامها، ويكشف روح العالم الذي صنعه البشر بأيديهم.