غرف الصدى... سجنك الخفي على الإنترنت
Arab
1 week ago
share
  وُجد الإنترنت ليكسر الحدود ويفتح المجال أمام تنوّع غير مسبوق في المعرفة، لكن ما يحدث اليوم هو العكس تماماً؛ ملايين المستخدمين عالقون داخل ما يُعرف بـ"غرف الصدى"، حيث لا يرون إلا ما يشبههم، ولا يسمعون إلا ما يؤكد قناعاتهم، فيتحول الفضاء المفتوح إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج الفكرة نفسها حتى تتصلّب. تُعرَّف "غرف الصدى" بأنها ظاهرة رقمية يتعرّض فيها المستخدم لمحتوى ينسجم مع آرائه المسبقة، ما يعزّز معتقداته ويحصّنها ضد النقد، داخل مجتمعات افتراضية شبه معزولة تتصرف كقبائل فكرية. في البيئة الرقمية، تضاعف تأثير هذه الظاهرة بفعل الخوارزميات التي تنظّم المحتوى وفق اهتمامات المستخدم وتفضيلاته، فتُغذّيه تدريجياً بما يشبهه، وتُقصي الآراء المخالفة، ما يرسّخ الاستقطاب ويضعف القدرة على فهم وجهات النظر الأخرى. "غرف الصدى" تعمّق الشعور بالانتماء القبلي، إذ يميل الأفراد إلى التفاعل مع المعلومات التي تؤكد معتقداتهم ومشاركتها، مقابل تجاهل الآراء المخالفة. والنتيجة مجتمعات تتبنّى روايات متناقضة حول قضايا حيوية، مثل التطعيمات والعدالة الاجتماعية والقرارات السياسية. كما أن وفرة المحتوى وسهولة الوصول إليه تتيح للمستخدم "انتقاء" ما يريد استهلاكه، ما يفتح الباب أمام التضليل ويزيد حدة الاستقطاب. على المستوى النفسي، لا يبدأ الانقسام عند لحظة النقاش، بل قبلها بكثير. يوضح الباحث في علوم وهندسة الحاسوب بجامعة نوتردام، ماثيو فاسياني، في ورقة نشرتها مجلة سايكولوجي توداي، أن كل طرف يكون قد تشكّل داخل "بيئة معلوماتية" مختلفة، تضم مصادر أخبار ومنصات تواصل وبودكاست ومؤثرين يعززون جانباً واحداً من الواقع. ويقول إن الأمر لا يتعلق بمجرد اختلاف آراء، بل بـ"عوالم معلوماتية منفصلة". هذه العوالم، وفق فاسياني، ليست عشوائية، بل نتاج تفاعل بين النفس البشرية وتصميم المنصات: الهوية الاجتماعية، والتفكير الموجّه، وحوافز التفاعل، وأنظمة التوصية التي تضيق تدريجياً نطاق ما نراه. وبهذا تتكوّن غرف صدى لا تعزّز المعتقدات فقط، بل ترفع أيضاً الكلفة الاجتماعية والنفسية للخروج منها. المنصات الرقمية، كما يلفت الباحث، تسهّل على الناس القيام بما يميلون إليه أصلاً: البحث عن المعلومات التي تؤكد هويتهم وانتماءهم الجماعي. تصميم هذه المنصات لا يخلق الميل من العدم، لكنه يضخّمه ويحوّله إلى نظام مستدام. في المقابل، ينصح الخبراء بكسر الحلقة عبر الاطلاع المتعمد على وجهات نظر مختلفة، من مصادر لا يزورها المستخدم عادة. الهدف ليس تبنّي رأي مضاد بالكامل، بل توسيع المجال الإدراكي ومنع الانغلاق. كما يوصى بمتابعة حسابات لا نتفق معها دائماً، حتى "تتعلّم" الخوارزميات اقتراح محتوى أكثر تنوعاً. والأهم، التوقف قبل إعادة النشر، والتساؤل عن دقة ما نقرأه أو نشاهده، لأن كل تفاعل نمنحه يتحول إلى إشارة إضافية تعيد تشكيل الجدار الذي يحيط بنا.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows