Arab
بينما تقلصت المساحات المزروعة بخشخاش الأفيون في أفغانستان إثر حظر حركة طالبان، ازدهرت في باكستان، وشهد إقليم بلوشستان طفرة في الإنتاج في ظل فشل جهود حكومية لمواجهة الظاهرة المتنامية باطراد منذ عام 2022.
لم يعدم الفلاح الأفغاني حبيب الله محمد الوسيلة ولا الأرض من أجل استعادة زراعة نبات خشخاش الأفيون بعد قرار الحظر الصادر عن حكومة طالبان في إبريل/نيسان 2022، إذ قرر كغيره من أبناء بلده الرحيل إلى إقليم بلوشستان جنوب غربي باكستان.
ومن وقتها تتزايد المساحات المزروعة بالنبات المخدر في المنطقة، كما يؤكد لـ"العربي الجديد" الزعيم القبلي في مديرية قلعة عبد الله بإقليم بلوشستان، أصغر محمد أشكزاي، مضيفاً: "استغل مزارعو الأفيون الأفغان الامتداد القبلي على الحدود الباكستانية الأفغانية، لتسهيل عبورهم غير القانوني، وزادت وتيرة استئجار الأراضي المستغلة في زراعة المخدرات بالمنطقة".
عبر المعابر غير الشرعية بين ولاية هلمند جنوبي أفغانستان، ومقاطعة نوشكي في بلوشستان، تنقل الخمسيني محمد، كما يفعل رفاقه، وهذه هي الطريقة الممكنة في ظل تكاليف الحصول على تأشيرة قد تصل تكاليف استصدارها إلى 1200 دولار أميركي، فضلاً عن قصر مدة الإقامة في باكستان، والمحددة بشهر واحد فقط، كما يقول لـ"العربي الجديد".
ويتقاضى المهربون عبر الحدود ما بين 30 ألفاً و35 ألف روبية باكستانية (من 110 دولارات وحتى 125 دولاراً) للشخص الواحد، حسب ما رصده تقرير "زراعة الخشخاش المتنقلة: مزارعو الخشخاش الأفغان في بلوشستان"، الصادر عن شبكة محللي أفغانستان (AAN)، وهي منظمة بحثية مستقلة في كابول، بتاريخ 23 فبراير/شباط 2025، موضحاً أن "معظم المستأجرين لمساحات شاسعة من الأراضي، كانوا في السابق، مهربين وتجار أفيون في جنوبي أفغانستان، وهم الذين يرتبون انتقال المزارعين إلى بلوشستان لزراعة الخشخاش هناك".
ويتسلل المزارعون والعمال الأفغان إلى الإقليم المتاخم لحدود بلادهم من ولايات هلمند، وقندهار، وزابل جنوبي أفغانستان، حسب إفادة أشكزاي، قائلاً: "تتشابه التقاليد بين المناطق الأفغانية والباكستانية، مما يساعد المزارعين على الاندماج بسهولة في المجتمعات المحلية".
موسم الهجرة إلى بلوشستان
لدى وصوله إلى بلوشستان في بداية يناير/كانون الثاني 2024، استأجر محمد مع اثنين من أبناء عمومته 150 جريباً (مساحة الجريب الواحد تساوي 1366 متراً مربعاً) من الأرض، بقيمة أربعة ملايين روبية (14.280 دولاراً)، وشرع في زراعة الخشخاش. "إنه عمل مربح" يقول محمد، بعدما حصد 300 كيلوغرام صالحة لتصنيع المادة المخدرة خلال الفترة من فبراير 2024 وحتى فبراير 2025، موضحاً أن سعر الأرض يحدد بناء على وجود آبار للمياه فيها، من عدمه، وما إذا كانت رملية أو طينية، وهل قريبة من الأحياء السكنية أم بعيدة، وما إذا كانت منتجة سابقاً؟ ويتوقف السعر صعوداً أو هبوطاً على توفر أفضل المواصفات اللازمة لزراعتها.
وخلافاً لما فعله محمد، يكتفي بعض المزارعين الأفغان بتوكيل من يرونه مناسباً من الباكستانيين لاستئجار الأرض لصالحهم، والاستعانة بعمال أفغان لزراعة الخشخاش ومتابعة المحصول عن بعد إلى أن يحين موسم الحصاد، كما يقول أشكزاي. وهي الطريقة المثلى لبعض تجار الأفيون حتى لا يقعوا في قبضة قوات الأمن الباكستانية، وفق ما يقوله المزارع الأفغاني في ولاية قندهار، كاكو ميرويس خان، الذي كلف أحد معارفه في مديرية قلعة سيف الله في بلوشستان، باستئجار 36 هكتاراً من الأرض لمدة عام واحد، في مقابل مبلغ 5900 دولار، ويقول لـ"العربي الجديد" إن ملاك الأراضي رفعوا قيمة إيجار الأرض عشرة أضعاف، إذ كان المبلغ للمساحة ذاتها 750 دولاراً في عام 2022، ليزيد في عام 2023 إلى نحو 2250 دولاراً، رغم أنه هو من تولى حفر بئر في تلك الأرض التي لم تكن صالحة للزراعة لدى استئجارها.
مسار ثالث يخوضه مزارعون أفغان عبر منح نظرائهم الباكستانيين ثلث المحصول، في مقابل العمل، على أن يتكفلوا هم بنفقات الزراعة، كما يقول المزارع الأفغاني حاجي محمد خادم من ولاية نيمروز جنوب غربي أفغانستان، الذي استأجر سبعة هكتارات في مديرية قلعة سيف الله العام الماضي، عبر مواطن من مدينة كويتا الباكستانية، وتولى كل ما يخص العمل في الزراعة، وحصل على ثلث قيمة المحصول، حسب قوله، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أنه حصّل الثلثين، أي 51 كيلوغراماً من الأفيون، وباع الكيلو الواحد بـ 720 دولاراً.
وحتى نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بلغ عدد أصحاب الأراضي الباكستانيين من المؤجرين لمزارعين أفغان في مقاطعة لورلاي في بلوشستان 800 مالك، فيما بلغت المساحة الزراعية في المقاطعة خلال الفترة ذاتها، خمسة آلاف جريب، وفق ما يقوله مسؤول أمني (رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول في التحدث للإعلام)، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن الوضع الأمني متدهور هناك، وبالتالي لا يمكن مكافحة زراعة الأفيون بشكل كامل.
800 باكستاني يؤجرون أراضيهم لمزارعي الخشخاش الأفغان
لكن البعض الآخر لا يرى الوضع هكذا، فقد "تغيرت الحياة كلياً خلال العامين الماضيين"، كما يقول الباكستاني أمجد كريم خان، الذي يمتلك مساحة كبيرة من الأرض في مديرية مستونك بإقليم بلوشستان، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن مزارعين أفغاناً استأجروا منه 135 جريباً بمبلغ 30 ألف دولار خلال عامي 2024 و2025 "وهذا المبلغ الكبير لم أحصل عليه طوال حياتي".
الهجرة الثانية
"لم تكن هجرة العديد من مزارعي الجنوب الأفغاني إلى باكستان هي الأولى. فقبل ربع قرن، وبعد حظر الإمارة الإسلامية في أفغانستان زراعة الخشخاش في عام 2000، انتقل أفغان إلى بلوشستان لزراعة الأفيون"، بحسب بيانات تقرير "مزارعو الخشخاش الأفغان في بلوشستان"، الذي يوضح أن "مساحة الأراضي المزروعة بالخشخاش في باكستان تراجعت من 3067 هكتاراً في عام 2004 إلى 424 هكتاراً في عام 2007، بعدما كانت المساحة المزروعة 6703 هكتارات في عام 2003".
سبب التراجع هذا وفق مصادر التحقيق، يعود إلى سقوط حركة طالبان الأفغانية في نهاية عام 2001، وكانت قد حظرت زراعة الأفيون في عام 2000، ليقرر المزارعون في عامي 2002 و2003 مغادرة باكستان والعودة إلى بلادهم واستعادة زراعة النبات المخدر.
ونتيجة لسيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان للمرة الثانية، واتخاذها قرار حظر زراعة خشخاش الأفيون، عاد المزارعون الأفغان مجدداً لنقل الخشخاش إلى باكستان، الأمر الذي أدى إلى تزايد زراعته هناك، حيث وصلت المساحة المزروعة "في إقليم بلوشستان عام 2025 إلى 36109 جريبات، بعدما كانت 1275 جريباً في عام 2024"، بحسب إفادة رئيس وزراء الحكومة المحلية في إقليم بلوشستان، سرفراز بكتي، مشيراً في كلمة ألقاها أمام البرلمان المحلي بالإقليم في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى أن "مساحة زراعة الأفيون تزايدت ابتداء من عام 2022 بشكل خطير للغاية".
اتساع المساحة المزروعة في باكستان، يقابلها انخفاض في أفغانستان، حيث تراجعت زراعة الخشخاش العام الماضي لتصبح 10.200 هكتار بعدما كانت 232 ألف هكتار في عام 2022، وفق ما نشره موقع الأمم المتحدة في السادس من نوفمبر الماضي، بعنوان "انخفاض زراعة خشخاش الأفيون في أفغانستان خلال 2025".
انخفاض مساحة زراعة الأفيون في أفغانستان إلى 10.200 هكتار
ويفسر الخبير الأمني محمد إسماعيل وزيري (عمل في الجيش الأفغاني منذ عام 2002 حتى 2008)، سبب تراجع زراعة الخشخاش قائلاً: "لم تكتف حركة طالبان باتخاذ قرار الحظر، بل عملت على تنفيذه بصرامة من خلال الحملات المستمرة لتدمير المساحات المزروعة بالخشخاش، الأمر الذي أدى إلى تراجعه بشكل مطرد"، موضحاً أن الحركة منذ نشأتها وهي تعمل على مكافحة هذا النبات، لكن مع سيطرتها على الحكم في البلاد، استطاعت فرض قرار الحظر بقوة هذه المرة.
وتبقى البدائل المتوفرة للفلاحين بحسب وزيري، هي زراعة الزعفران غرب البلاد والفراولة والنخيل في الجنوب والشرق، لكنها ليست كافية، لأن مردودها المادي أقل بكثير مما كانوا يحصلون عليه من الأفيون.
فشل الجهود الحكومية
انخفض دخل مزارعي الأفيون من 260 مليون دولار في عام 2024 إلى 134 مليون دولار في عام 2025، حسب بيانات موقع الأمم المتحدة، الذي يوضح أن "انخفاض الإنتاج قد يؤدي إلى زيادة محاولات زراعة الأفيون في دول أخرى"، وهو ما لمسه رئيس وزراء الحكومة المحلية في إقليم بلوشستان، سرفراز بكتي، قائلاً إن "قوات الأمن دمرت في الأشهر الثمانية الأولى من العام الماضي كل المساحة المزروعة بالأفيون في مختلف مناطق الإقليم بعد تفاقم الأمر بشكل كبير".
رافق ذلك، اعتقال 55 مزارعاً وتاجراً للأفيون في مدينة كوهلو بإقليم بلوشستان، منهم، 52 أفغانياً، وفي لورلاي بالإقليم ذاته تم اعتقال 75 شخصاً، منهم 62 أفغانياً رحلوا إلى بلادهم، كونهم مقيمين غير شرعيين في باكستان، وفق ما يؤكده لـ"العربي الجديد"، النقيب في قوات حرس الحدود بمدينة كويتا، برويز جيلاني (اسم مستعار لأنه غير مخول بالتحدث للإعلام).
لكن أمجد كريم خان، وهو أحد ملاك الأراضي في بلوشستان، يؤكد عدم فعالية الإجراءات الحكومية، مستدلاً بتزايد المساحة المزروعة بالأفيون خلال عام 2025، ويقول لـ"العربي الجديد" إن عناصر الأمن الباكستاني المشاركين في حملات القضاء على مزارع الخشخاش، يحصلون على المال مقابل عدم المساس بالمحصول، مؤكداً على توافق بينهم وسكان المناطق المزروعة بالنبات المخدر، لدفع رشى بحسب عدد آبار المياه الموجودة في المساحة المزروعة (زيادة العدد يشير إلى المحصول الوفير)، على أن يبدأ الأمر من 100 ألف روبية (357 دولاراً) ليصل في بعض المناطق إلى 500 ألف روبية (1786 دولاراً)، ما يؤكد فشل الجهود الحكومية في التصدي للظاهرة.

Related News
السيسي: لا أحد يستطيع وقف الحرب إلا ترمب
aawsat
4 minutes ago