​بدر الفرقان
Party
3 days ago
share

بقلم / احمد المقرمي
​بدر الكبرى، أو بدر الفرقان؛ حجر الزاوية لانتصارات الأمة المستمرة، وإن تعثرت أو توقفت أحياناً.
​كان ذلك في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من العام الثاني للهجرة النبوية الشريفة. كان البغي قد تشامخ تشامخ الدخان، ومضى الملأ في قريش ينفخون في عيدان ذلك الدخان، محرضين العامة: “أنِ امشوا واصبروا على آلهتكم”؛ فيما مضى الإيمان يُرسّخ المبادئ في قلوب فتيةٍ آمنوا بربهم؛ فكانت مبادئ لا تهزها العواصف، ولا يحجبها دخان عقلية المنادين بالضعفاء: “لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون”.
​يا لخيبة المهزوم المكابر بالدخان، وببث البلبلة للتضليل! ويح تلك العقلية التي تمشي في الناس بلا حجة؛ إلا أن تحرض أتباعها على أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم، وأن يستغشوا ثيابهم، إصراراً على ألا يسمعوا لهذا القرآن، وأن يلغوا فيه. كم هو خائب ذلك الذي يعادي الحقيقة، وينازلها بالسراب والدخان، والتضليل بالإرجاف.
​في غفلة من الزمن تكون فيه السيطرة لطغيان البغي ممن يستضعفون المجتمعات حدّ أن يجعلوهم مجرد تابعين، بلا رأي ولا رؤية، يعيشون في ظلام، ويأوون إلى ظلام. هنا يأنس الطغيان، ويظن أن بغيه قد أتى أُكله، وأن المجتمع بناسه أطوع لهم من بنانهم، مهما كانت كلمات الطغيان تافهة، ورؤاه بائسة.. وهكذا ظن الملأ في قريش، أنهم قد امتلكوا زمام العامة.
​جاءت: “اقرأ”، وما أدراك ما اقرأ؛ كلمة هزت مكة من أصل قواعدها، وهزت الملأ في قريش من أعماقهم، حتى ضاقوا بها ذرعاً. يستعصي الباطل حيناً؛ حتى ليظن البسطاء، ويظن معهم المنتفعون والمتربصون، أن لا سبيل إلى مواجهة الباطل المنتفش. يحدث ذلك لفترة قبل أن تتشقق صفوفه، وتنهار أركانه.
​برزت قوة قريش ـ فيما يرى المحلل العسكري والسياسي ـ حين رأوا المسلمين يخرجون متخفين فرادى في هجرتهم إلى يثرب، ثم يلحق بهم الرسول ﷺ، فتخلو مكة من المسلمين، إلا من أفراد مستضعفين يكتمون إيمانهم، أو محاصرين عجزوا عن الخروج مهاجرين.
​ثلاث عشرة سنة قضاها المسلمون في مكة المكرمة في أذى وملاحقات واضطهاد، وكانت النهاية خروجهم مهاجرين منها إلى يثرب. لم يمض غير عام وبضعة أشهر قضاها الرسول والمسلمون معه في المدينة المنورة؛ ليلتقي المسلمون مع مشركي قريش في أول مواجهة عسكرية، هي غزوة بدر.
​تغير الحال، وتبدلت الأوضاع؛ وإذا بالمضطهدين المطاردين قد وقفوا وجهاً لوجه أمام قريش في ميدان النزال. كان الملأ من قريش يقودون ألف مقاتل، استنفروهم لإبادة محمد ﷺ وأصحابه، بينما كان الرسول في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه.
​قال قائل المسلمين وقد اصطفت الفئتان: “امضِ بنا يا رسول الله للجهاد، فلعل الله يريك منا ما تقر به عينك”، وقال آخر: “امضِ بنا لحربهم، ولن نقول ما قاله بنو إسرائيل: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}، ولكن امضِ أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون”.
​ذلك كان حال ومعنويات جيش المدينة المنورة، بينما كان حال جيش قريش يمثله عمير بن وهب الذي خرج يستكشف عدد وعتاد المسلمين؛ حين عاد ليقول لقريش: “إنهم ثلاثمائة يزيدون قليلاً، أو ينقصون قليلاً، ولكن دعوني أمضي لأرى هل لهم من مدد، أو كمين”، فسار في وادي بدر فلم يجد أحداً، فعاد يقول لقريش: “ليس للقوم إلا ذلك العدد، ولكن ما أرى أن يُقتل منهم أحد حتى يقتلوا أمثالهم؛ فما فائدة الحياة بعدهم، فروا رأيكم”. وذاك رجل آخر من قريش يمضي إلى عتبة بن ربيعة يحثه على أن يوظف وجاهته للانسحاب دون قتال.
​لكن أمر الله نافذ في الطغاة، فقد أبى أبو جهل إلا أن يبقى حتى تسمع العرب بمسيرهم، فيظلون يهابونهم أبد الدهر، ولقد سمعت بهم العرب، ولا يزال العرب يسمعون بهم أنهم هزموا هزيمة لم يهزموا مثلها من قبل.
​سمع بهم العرب وغير العرب، وعلموا أن الحق منتصر، مهما أبدت المقدمات نتائج مخيبة، ومهما ظهر الطغاة أنهم أكثر قوة وأعظم جنداً، فقد أعطت بدر الكبرى دروسها، وألقت عِبَرها، في كيف يكون الإعداد، وكيف يُبنى الجند الشداد، وكيف يتوسلون النصر بالإيمان، والوحدة والاتحاد: {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم}.

http://​بدر الفرقان

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows