الرشـــــــــــــــــــــــاد بـــــــــــــــرس | تقــــــــاريـــــــــــــــر
في ظلّ المشهد الجيوسياسي المتأزّم في منطقة الشرق الأوسط، يبرز فكر الدكتور محمد بن موسى العامري رئيس الهيئة العليا لإتحاد الرشاد اليمني، بوصفه نموذجًا للتحليل العميق الذي يمزج بين الرؤية الشرعية والاستقراء التاريخي وفهم تشابكات القوى الدولية والإقليمية. ويمثّل مقاله الأخير قراءةً متأنيةً لمسار المشروع الإيراني منذ الثورة الخمينية إلى يومنا هذا، مع إعادة رسم خريطة تأثيراته في الأمة العربية والإسلامية، في ضوء السنن الإلهية الحاكمة لحركة التاريخ.
السنن الإلهية أساسًا للتحليل السياسي
يستهلّ الدكتور العامري مقاله باستحضار قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ}، تأكيدًا على أن الدول والحضارات — شأنها شأن الأفراد — خاضعةٌ لسنن الانبعاث والأفول. ومن هذا المنطلق، يعيد إبراز مركزية فلسفة التاريخ في قراءة الواقع السياسي، وهو منظورٌ يغيب عن كثيرٍ من التحليلات المعاصرة. وفي هذا الإطار، يبيّن أن الانحراف عن العدل، ومجانبة الاعتدال، والانغماس في الطغيان، مآله الحتمي السقوط السياسي والانهيار الحضاري. ويشير بوضوح إلى أن مسار «المشروع الإيراني» قد انحرف عن شعاراته الأولى، ليتحوّل — في نظره — إلى أداةٍ لإذكاء الفتن الطائفية وزعزعة استقرار المنطقة.
كشف «الخديعة الكبرى» للثورة الخمينية
يعود العامري إلى سبعينيات القرن الماضي، مستعرضًا حالة الاغترار الجماعي التي صاحبت صعود الخميني، حين صُوِّرت الثورة الإيرانية بوصفها مشروعًا لتحرير القدس ونصرة المقاومة. غير أن هذه القراءة — كما يرى — تستوجب إخضاعها لميزان العقل والتاريخ، لا العاطفة والانبهار.
كما يُشيد بتضحيات علماء بارزين، من أمثال إحسان إلهي ظهير، الذين تصدّوا للانحراف العقدي برؤيةٍ علميةٍ واعية، مؤكدًا أن إدراك السنن الإلهية هو الحصن المتين الذي يحول دون انجرار الأمة خلف المشاريع الطائفية أو الشعارات المضلِّلة.
«التخادم الصهيو-إيراني»: قراءة نقدية في السياسة الإقليمية
يفرد الدكتور العامري مساحةً لتحليل علاقة إيران بكلٍّ من تل أبيب وواشنطن، معتبرًا أن المشروع الإيراني — في محصّلة مآلاته — لم يكن في حالة صدامٍ جوهري مع الصهيونية، بقدر ما أسهم في تعميق الانقسام داخل الجسد العربي والإسلامي.
ويستند في تحليله إلى ثلاثة محاور رئيسة:
التاريخ الممتدّ: حيث يستعرض دور بعض الفرق الباطنية في إضعاف بنية الأمة عبر العصور.
الواقع اللوجستي والسياسي: متناولًا أدوار إيران في العراق وأفغانستان، ومستحضرًا قضية
«إيران–غيت» والثنائية الطائفية في السياسات الإقليمية.
وظيفة «الفزّاعة»: موضحًا كيف جرى توظيف إيران كأداة ابتزازٍ سياسي لإضعاف بعض القوى العربية وفرض إراداتٍ خارجية على القرار الوطني.
ويخلص إلى أن السياسة الإيرانية — القائمة على التخادم المرحلي وتغليب المصالح الضيقة ونشر الفوضى في محيطها — قد أدّت إلى عزلتها الإقليمية، حتى بات من العسير الحديث عن علاقةٍ صحيةٍ متوازنةٍ بينها وبين دول الجوار.
ما بعد «أفول الثورة»: رؤية استشرافية
وفي مقاربةٍ استشرافيةٍ متزنة، يعالج العامري هواجس الفراغ السياسي المحتمل في حال انهيار النظام الإيراني، مؤكدًا أن قوة المشاريع الاستعمارية والصهيونية لا تنبع من ذاتها، بل من تفرّق المسلمين واستشراء الصراعات الطائفية بينهم.
ومن هنا يقرّر أن:
النصر الحقيقي لا تصنعه طوائف الارتهان ولا قوى الخيانة.
والنهضة المنشودة لا تتحقق إلا بالعودة إلى الهوية الأصيلة، وبناء الذات، واستعادة الاستقلالية الاستراتيجية.
فالثبات على المبادئ، والوعي بسنن الله في الاجتماع البشري، هما السبيل الأقوم لاستعادة الأمة مكانتها المشروعة في عالمٍ متحوّل.
وثيقة فكرية واستراتيجية
يمكن النظر إلى مقال الدكتور العامري بوصفه وثيقةً استراتيجيةً رصينةً؛ إذ يجمع بين التحليل التاريخي والفقه الشرعي والاستقراء السياسي في رؤيةٍ متكاملة. كما يضع النقاط على الحروف في ما يتعلّق بطبيعة المشروع الإيراني وتشابكاته الإقليمية والدولية، داعيًا العقل العربي والإسلامي إلى التحرّر من وهم «الممانعة» الشكلية، والاعتماد على الذات في صناعة المستقبل.
ويؤكد أن كل مشروعٍ قائمٍ على الطغيان والفساد له أجلٌ محدود، وأن السنن الإلهية كفيلةٌ بكشف المسارات المنحرفة في أوانها، تمهيدًا لمرحلةٍ جديدةٍ تستعيد فيها الأمة وعيها وقوتها وشرعية حضورها الحضاري.
إشادة مستحقّة
إن مقال الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري ليس مجرّد قراءةٍ سياسيةٍ عابرة، بل هو عملٌ فكريٌّ متكامل، يستند إلى أصولٍ شرعيةٍ راسخةٍ ووعيٍ تاريخيٍّ نافذ، ويجسّد نموذجًا في الفقه السياسي المتّزن.
لقد استطاع أن يقدّم تحليلًا يتجاوز السطحية والتناول الانفعالي، موجّهًا البوصلة الفكرية نحو الاستقلالية والاعتماد على الذات، ومؤكدًا أن ليل الظلم — مهما طال — له نهايةٌ محتومة، وأن لكل أمةٍ أجلًا إذا بلغته لا تستقدم ساعةً ولا تستأخر.
وبهذه القراءة، يضع الدكتور العامري نفسه في مصافّ المفكرين الذين يجمعون بين عمق الفهم الديني ودقة الوعي السياسي، ليكون مرجعًا معتبرًا للباحثين والمحللين في دراسة المشاريع الإقليمية وتأثيراتها في الأمة العربية والإسلامية.
http://«ولكلِّ أُمَّةٍ أجل»: قراءةٌ تحليليةٌ في المشروع الإيراني وفق رؤية الشيخ الدكتور “العامري”