Arab
لا يمكن فهم الصراع بين منطق الدولة ومنطق السلطة في الحالة السورية الراهنة بوصفه جدلاً نظرياً مجرّداً، بل باعتباره البنية العميقة التي تحدّد فعلياً اتجاه تطوّر النظام السياسي بعد انهيار النظام السابق. فالمسألة لا تتعلّق فقط بمرحلة انتقالية زمنية أو بكتابة دستور جديد أو بإجراء انتخابات لاحقة، بل تتعلّق قبل ذلك بطبيعة الآليات التي تُدار بها السلطة اليوم، لأنّها هي التي ستُحدّد إن كانت هذه المرحلة ستُنتج دولة حديثة أم ستُعيد إنتاج شكل جديد من الحكم السلطوي بوسائل مختلفة.
الواقع السياسي الحالي في سورية يظهر بوضوح أنّ مركز الثقل لا يزال يميل نحو منطق السلطة أكثر من ميله نحو منطق الدولة. هذا الميل لا يظهر فقط في مستوى القرار السياسي المركزي، بل في الطريقة التي تُدار بها الموارد، وتُوزَّع بها الفرص الاقتصادية، وتُبنى بها العلاقات بين السلطة والمجتمع، وبين السلطة والنُخب المحلية، وبين السلطة والفاعلين الخارجيين.
هنا تحديداً تبرز البنية الحاكمة التي يمكن وصفها بـ"منظومة التحكّم الريعي". هذه المنظومة ليست مجّرد شبكة فساد أو نظام محسوبيات تقليدي، بل هي إطار متكامل لإدارة السلطة يقوم على تحويل الموارد العامة إلى أدوات لضبط الولاءات السياسية. فبدلاً من أن تعمل المؤسسات وفق قواعد قانونية مستقلة، تصبح هذه المؤسسات قنوات لإعادة توزيع الامتيازات بطريقة تضمن بقاء مراكز القوّة مرتبطة بالسلطة المركزية.
ضمن هذه المنظومة، لا يُقاس النفوذ بمدى الكفاءة المؤسسية، بل بمدى القرب من دوائر القرار. ولا يُقاس الاستقرار بصلابة المؤسسات، بل بقدرة السلطة على الاستمرار في توزيع الموارد بشكل يمنع تشكّل بدائل سياسية أو اقتصادية مستقلة. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين منطق الدولة ومنطق السلطة: الدولة تبني مؤسسات قادرة على العمل حتى في غياب القيادة السياسية، بينما منظومة التحكّم الريعي تجعل كلّ شيء مُرتبطاً مباشرة بإرادة السلطة وبقائها.
لا يُقاس النفوذ بمدى الكفاءة المؤسسية، بل بمدى القرب من دوائر القرار
التحوّلات الاقتصادية المُعلنة أخيراً، مثل تسهيلات الاستثمار أو إعادة هيكلة السياسات الجمركية أو توسيع المدن الصناعية، تبدو ظاهرياً خطوات باتجاه بناء اقتصاد سوق ومؤسسات حديثة. لكن القراءة الأعمق تشير إلى أنّ هذه الإجراءات ما زالت تعمل داخل إطار منظومة التحكّم الريعي، وليس خارجها. فالمسألة ليست في إصدار قوانين جديدة أو تقديم حوافز للمستثمرين، بل في طبيعة البيئة السياسية التي تُطبَّق فيها هذه القوانين.
أيّ بيئة استثمارية حقيقية تحتاج إلى استقلال القضاء، ووضوح قواعد الملكية، واستقرار السياسات، وإمكانية التنبّؤ بالقرار السياسي. أما إذا بقيت هذه العناصر مرتبطة بميزان القوى داخل السلطة نفسها، فإنّ الاقتصاد سيظلّ امتداداً للسياسة، لا مجالاً مستقلاً عنها. وهذا ما يجعل كثيراً من الإصلاحات الاقتصادية في الدول الخارجة من النزاعات تبدو في البداية واعدة، لكنها تتحوّل لاحقاً إلى أدوات لتعزيز السلطة لا لبناء الدولة.
في الحالة السورية، يتضاعف هذا التعقيد بسبب التوزّع الجغرافي للسلطة والنفوذ. فالدولة لم تستعد بعد سيادتها الكاملة على كامل الإقليم، وما زال جزء كبير من القرار الأمني والاقتصادي في بعض المناطق مُرتبطاً بتوازنات دولية أو محلية خارج سلطة المركز. هذا الواقع يجعل بناء الدولة عملية مركّبة، لأنّ السلطة لا تواجه فقط تحدي الإصلاح الداخلي، بل أيضاً تحدي إعادة توحيد المجال السياسي والسيادي.
استمرار منظومة التحكّم الريعي يضعف قدرة السلطة نفسها على استعادة السيادة الكاملة
لكن المفارقة الأساسية تكمن في أنّ استمرار منظومة التحكّم الريعي يضعف قدرة السلطة نفسها على استعادة السيادة الكاملة. فهذه المنظومة بطبيعتها تُنتج هشاشة مؤسسية، وتعتمد على الولاءات الشخصية، وتحدّ من قدرة الدولة على التخطيط طويل المدى. وفي بيئة إقليمية شديدة التقلّب، تصبح الدولة التي تُدار بهذه الطريقة أكثر عرضة للصدمات، لأنها تفتقر إلى المرونة المؤسسية التي تسمح بالتكيّف.
المقارنة بتجارب أخرى تُظهر بوضوح أنّ الفترات الانتقالية التي نجحت في التحوّل نحو الدولة كانت تلك التي تمكّنت من تفكيك منظومات التحكّم الريعي تدريجياً، واستبدالها بمؤسسات قانونية مستقلة. أما الحالات التي حافظت على هذه المنظومات فقد انتهت غالباً إلى إعادة إنتاج أنظمة سلطوية بواجهات جديدة، حيث بقيت السلطة مُسيطرة على الموارد وعلى المجال السياسي، بينما بقيت الدولة ضعيفة وغير قادرة على العمل بذاتها.
في السياق السوري، لا يزال الاتجاه مفتوحاً على الاحتمالين. فهناك مؤشّرات محدودة إلى محاولات تنظيم الاقتصاد وتحديث بعض الأطر القانونية، لكن في المقابل لا توجد حتى الآن دلائل كافية على انتقال فعلي نحو استقلال المؤسسات أو نحو فصل واضح بين السلطة السياسية وأدوات الدولة. وهذا يعني أنّ الصراع بين منطق الدولة ومنطق السلطة لم يُحسم بعد، بل ما زال في مرحلة إعادة التشكّل.
الصراع بين منطق الدولة ومنطق السلطة لم يُحسم بعد، بل ما زال في مرحلة إعادة التشكّل
المسألة الحاسمة هنا ليست في الخطاب الرسمي ولا في النصوص القانونية، بل في التحوّل الفعلي لطبيعة إدارة السلطة نفسها. فإذا استمرّت منظومة التحكّم الريعي في تحديد كيفية توزيع الموارد والنفوذ، فإنّ الدولة ستبقى شكلاً فوقياً هشّاً، وسيظلّ النظام السياسي مُعتمداً على السيطرة لا على المؤسسات. أما إذا بدأت هذه المنظومة بالتفكّك تدريجياً، لصالح قواعد قانونية ثابتة ومستقلة، فإنّ ذلك سيكون المؤشّر الحقيقي إلى بدء الانتقال نحو دولة فعلية.
بمعنى آخر، مستقبل الدولة السورية لا يتحدّد فقط بنتائج الانتخابات القادمة أو بكتابة دستور جديد، بل يتحدّد أساساً بمدى قدرة النظام السياسي على الانتقال من إدارة السلطة عبر الريع والتحكّم إلى إدارة الدولة عبر المؤسسات والقانون. هذا التحوّل، إن حدث، سيكون بطيئاً ومُعقّداً ومُكلفاً سياسياً، لكنه وحده القادر على نقل سورية من حالة سلطة مُسيطرة إلى حالة دولة مستقرة، ككيان مستقل عن الحاكم. أما إذا لم يحدث، فإنّ المرحلة الانتقالية ستتحوّل تدريجياً إلى شكل دائم من الحكم السلطوي، حتى وإن احتفظت بواجهة دستورية أو انتخابية.
Related News
بودو غليمت «فرس الرهان» ينتظر مواجهة سيتي أو لشبونة
aawsat
4 minutes ago
مودي يكسر عزلة نتنياهو وإسرائيل بـ16 اتفاقية تعاون
aawsat
12 minutes ago