بقلم / مازن حكمي
في سوق السياسة اليمني المكتظ بالضجيج، لم تعد المواقف مجرد وجهات نظر، بل أصبحت “مخابر” تكشف معادن الرجال. وبينما تذوب المواقف الهشة تحت حرارة الأزمات، تبرز فئة من “البراغماتيين” الذين أتقنوا فن الرقص على جثث الثوابت، واوجاع الوطن، وعلى رأس هؤلاء يتربع علي البخيتي، كنموذج صارخ لظاهرة “التلون الحربائي” التي لم تشهد لها السياسة اليمنية مثيلاً.
البداية.. ناطق باسم “الكهف”
لا يمكن لذاكرة اليمني المثقوبة بالأوجاع أن تنسى تلك اللحظة الحرجة من تاريخ البلاد، حين كان البخيتي يطل علينا كـ “محامٍ” شرس لمشروع الموت السلالي. لم يكن مجرد عابر سبيل في مسيرة الحوثي، بل كان “الماكينة الدعائية” التي حاولت تجميل وجه القبح، وتبرير الانقضاض العسكري على الدولة تحت لافتات المظلومية الزائفة. حين كانت الرصاصات تخترق صدور اليمنيين، كانت كلمات البخيتي تُصاغ بعناية لتبرير تلك الجرائم، في سقطة أخلاقية ووطنية لن يمحوها ضجيجه اللاحق
الحميقاني.. سليل الجمهورية والبوصلة التي لا تخطئ
وعلى النقيض تماماً، يقف الشيخ الدكتور عبد الوهاب الحميقاني؛ الشخصية الوطنية الجامعة التي لا يختلف على نزاهتها واعتدالها اثنان. لم يكن موقف الحميقاني وليد اللحظة أو نتاج حسابات الربح والخسارة، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ أسرة عريقة ضاربة جذورها في طين الأرض اليمنية، أسرة عُرفت بمقارعتها للكهنوت الإمامي منذ فجر التاريخ الجمهوري.
الحميقاني ليس مجرد سياسي، بل هو مناضل جسور قدم تضحيات جَسيمة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية. وبينما كان البعض يتاجر بالمواقف، كان هو يرابط في خندق الهوية الوطنية، مترفعاً عن الصغائر، ومسخراً جهده لخدمة اليتيم والمشرد عبر “مؤسسة الرشد” التي طبعت بصماتها الخيرية في كل بيت يمني دون صخب إعلامي مبتذل. إننا هنا لا نقارن – فالمقارنة بحد ذاتها جريمة بحق الحميقاني – ولكننا نضع الحقائق في نصابها ليعرف الجيل مَن بنى ومَن هدم.
بهلوانية المواقف: من “السلالية” إلى “التحرر”
إن الإشكال مع علي البخيتي ليس في تحوله من خندق إلى آخر، فالتراجع عن الخطأ فضيلة، لكن الإشكال في “القفز الحر” بين النقيض ونقيضه. فمن التبشير بمشروع طائفي منغلق، إلى طرح “ليبرالي” متحلل يضرب في صلب القيم المجتمعية، يبدو البخيتي وكأنه يؤدي أدواراً مرسومة تتغير بتغير المسرح.
هذا التناقض الحاد ليس “تنويرًا” كما يدعي، بل هو عري سياسي وأخلاقي؛ إذ كيف يثق الشعب برجل كان بالأمس جزءاً من أدوات التنكيل به، ثم يرتدي اليوم قناع الناصح الأمين؟ إن السياسة التي لا تحكمها قيم الثبات هي “عهر إداري” لا ينتج إلا الخيبات.
الثبات.. كلفة لا يقوى عليها المذبذبون
لقد دفع الحميقاني كلفة ثباته من أمنه واستقراره، ومع ذلك ظل وفياً لوطنه ولطلابه وللقيم التي يمثلها حزب الرشاد؛ الحزب الذي أثبت أنه مدرسة في الاتساق الأخلاقي والوطنية الحقة. أما البخيتي، فقد جعل من التقلب “مهنة”، ومن التنكر للماضي “استراتيجية”، ظناً منه أن الذاكرة الوطنية تمحى بمسحة من “تغريدة” أو “مقطع فيديو” مثير للجدل.
كلمة أخيرة:
إن التاريخ لا يكتبه من يغير جلده عند كل منعطف، او باع وطنه بثمن بخس ودراهم معدودة؛ بل يكتبه من يقف كالجبال في وجه العواصف. سيظل الحميقاني رمزاً للثبات والعمل المؤسسي الرصين والوفاء لإرث آبائه في حماية الجمهورية، بينما سيبقى البخيتي مثالاً للانتهازية التي تتغذى على الأزمات. والناس اليوم لم تعد تخدعهم البلاغة المنمقة، فالأفعال هي من تحكم، والاتساق هو من يقنع، أما البهلوانات.. فمكانهم الطبيعي هو السيرك، لا منصات التأثير الوطني.