Arab
لا شيء عن سفيرة القضية الفلسطينية في أوروبا، المثقّفة الدبلوماسية الرائقة، ليلى شهيد، في كتاب والدتها سيرين الحسيني شهيد "ذكريات من القدس" (صدر بالإنكليزية، 2000، نقله عن الفرنسية إلى العربية محمد برّادة، وصدر عن دار الشروق للنشر والتوزيع في عمّان، 2009، وعن دار الفنك في الدار البيضاء، 2024). ولكن وفاتها الصادمة، قبل أيام عن 77 عاماً، تُذكّر بهذا الكتاب الذي صحّ وصفُ إدوارد سعيد له في مقدّمته "ذخيرةٌ تاريخيةٌ وبشريةٌ مؤلفةٌ أساساً على شاكلة فسيفساء من شذراتٍ ممتعةٍ في معظمها، ومن مسرّاتٍ عابرةٍ وشقاءاتٍ أكثر ديمومة". ... وفاة الابنة تأخُذُنا إلى كتاب أمّها، والمأمول أن تكون قد دوّنت مذكّراتٍ أو ذكرياتٍ أو يوميّاتٍ عن مسار حياتها العامرة بتجربةٍ إنسانيةٍ ومهنيةٍ وسياسيةٍ وثقافيةٍ شائقة، في أوروبا ولبنان والمغرب (أمثلة). والقناعة لدى صاحب هذه المقالة نفسُها التي لدى محرّرة الكتاب (بالإنكليزية)، جين سعيد مقدسي (شقيقة إدوارد سعيد)، وقد كتبَت في تقديم آخر "أنا منذ أمد طويل مقتنعةٌ بأن ذكريات النساء العربيات تستحقّ أن تُجمَع وتُسجَّل وتُنشر". ولمّا أفصحت المؤلفة، في مفتتح كتابها، إنها كتبت هذه الصفحات عن طفولتها وعن فلسطين في الثلاثينيات، من أجل بناتها والأجيال الآتية "التي لعلّها تجهل كل شيءٍ عنّا وعن طريقة عيشنا"، فلنا أن نفترض، أو نجزم على الأصح، إن سيرة سيرين الحسيني، الموصولة بكفاحٍ فلسطينيٍّ في القدس، من أعلامه رجالاتٌ بارزون من آل الحسيني، ومن آل العلمي (أخوال الكاتبة)، كانت ملهمةً للابنة ليلى، التي ربما كانت، في عملها الكفاحي، الدبلوماسي والإعلامي والثقافي، من أجل فلسطين وفي صدّ الدعاية الإسرائيلية، في فرنسا (وأوروبا)، تتمثل جهود جدّها لأمّها، جمال الحسيني، زعيم الحزب العربي الفلسطيني، وممثل الهيئة العربية العليا في الأمم المتحدة (في بعض الأربعينيات)، والذي كان في الوفد الفلسطيني الذي فاوض الإنكليز في لندن لإنهاء الانتداب البريطاني في فلسطين.
صحيحٌ أن "ذكريات..." سيرين الحسيني شهيد تُقرأ نصّاً تسرُدُ فيه امرأة فلسطينية محطّاتٍ أولى وبعيدة في سيرتها، إلا أنها أيضا تُقرأ، لا بدّ، عملاً سردياً تُضاء، فيه وبه وفي مساراته، حياةٌ اجتماعيةٌ وسياسيةٌ في القدس منذ عشرينيات القرن الماضي وصولاً إلى ما بعد احتلال 1967. تبسُط الراوية حكيا ممتدّاً، ومتقطّعاً في أحيان، عن طبقةٍ متعلّمةٍ، برجوازيةٍ إن صحّ الوصف، أو متوسّطةٍ إذا أراد بعضٌ أن يراها هكذا، وعن بيئةٍ عامّةٍ من حيث تفاصيل الحياة في القدس وقراها، وعن تبايناتٍ اجتماعيةٍ ومعيشيةٍ فيهما. وإذ أقامت الساردة وأسرتها شطراً من شبابها الأول في بيروت، حيث أكملت تعليمها المدرسي (ثم الجامعي)، وتزوّجت فيها الطبيب العكاوي، منيب شهيد، والذي كان شهيراً (عميد كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت)، فإن في السيرة التي تجتمع بين دفّتي الكتاب فائدةً قصوى لإطلالةٍ على إيقاعٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ في لبنان في الأربعينيات وما تلاها. ومن إحالاتٍ ونتفٍ عديدةٍ تستوقف القارئ أن سيرين الحسيني، لمّا التحقت في بيروت، في "كوليج الفتيات الأميركي"، أرسل مدير هذه المدرسة الدولية إلى والدها سؤالاً عمّا إذا كان يوافق على خروج ابنته نهاية الأسبوع مع أولادٍ تلاميذ بعد الظهر، فيكون جواب جمال الحسيني: "إنها تستطيع أن تفعل كل ما تراه حسناً". وهنا توضح سيرين "كنتُ بالغة الانضباط مع نفسي، ربما أكثر من اللازم عندما أفكّر في ذلك اليوم. وكانت أحداث فلسطين تلاحقني. كيف أذهب إلى السينما بينما أناسٌ يُقتلون في بلادي؟ كيف أشارك في نزهةٍ بينما شبّانٌ من سنّي، ومعهم أبناء عمّي، كانوا مرغمين على وقف دروسهم للالتحاق بالمقاومة؟".
ترتحل الأسرة إلى بغداد، قبل أن تعود إلى فلسطين، لتقيم في أريحا، ثم تعود إلى بيروت. وفي هذه الارتحالات، يُسافر قارئ ذكريات سيرين الحسيني في زمن اللجوء الفلسطيني والمقاومة الأولى ثم في ميلاد منظّمة التحرير. يسافر في مروياتٍ عن نساءٍ فلسطينياتٍ من مخيّمات لبنان (درست ليلى شهيد في الجامعة الأميركية في بيروت علم الاجتماع، وتخصّصت في المخيمات الفلسطينية هناك). ويسافر ليس فقط في ذاكرةِ شخصيةٍ كانت مثالاً دالّاً على حضور المرأة الفلسطينية في إيقاعٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ وتربويٍّ عام، وإنما أيضاً في مقطعٍ عريضٍ من غنى الحالة الفلسطينية وتنويعاتها وخرائط كفاحها على غير صعيد... أصداءُ من ذلك الغنى كانت في شخصية الراحلة الباقية، ليلى شهيد، وأصداءُ صوت والدتها لا تُنسى بعد قراءة كتابها الرهيف.

Related News
هجوم بسكين في أمريكا ينتهي بمقتل 4 أشخاص ومصرع المنفذ
al-ain
13 minutes ago