Arab
في كل أزمة سياسية واجهها رئيس وزراء بريطاني خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كان أول أسلحته في المقاومة هو أنه منتخب من الشعب وعليه استكمال مشروعه لخدمته، والواجب يلزمه بعدم التخلي عنه. لم يخالف رئيس الوزراء العمالي الحالي كير ستارمر هذا النهج. وعرض دفاعه، أمام ضغوط المعارضة لدفعه للتنحي بعد أن كشفت آخر دفعة من وثائق جيفري إبستين، الملياردير الأميركي المدان بجرائم الاتجار في النساء والقاصرات لأغراض الجنس، المنتحر في عام 2019، عن أبعاد جديدة في فضيحة بيتر ماندلسون، أحد الرموز التاريخية في حزب العمال، بالصيغة التالية: "لقد مُنحت تفويضاً لخمس سنوات لإحداث التغيير. وأنوي المضي قدماً في ما انتُخبت لأجله، وهو تحقيق هذا التغيير". ولم تر المعارضة، بقيادة زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك، ملامح لهذا التغيير. واستغلت فضيحة ماندلسون كي تثبت للبريطانيين أن حزب العمال تحت قيادة كير ستارمر ليس مؤهلاً لإحداث أي تغيير. وتضامنت مكونات المعارضة الأخرى، ومنها الحزب الوطني الاسكتلندي والديمقراطيون والأحرار والمستقلون في البرلمان، مع المحافظين في اتهام ستارمر بالافتقار إلى التقدير السليم.
فضيحة علاقة ماندلسون بجيفري إبستين أقوى أدلة المعارضة على سوء تقدير ستارمر
استجابة كير ستارمر للمعارضة
كانت فضيحة علاقة ماندلسون بجيفري إبستين، هي أقوى أدلة المعارضة على سوء تقدير ستارمر. رئيس الوزراء أقر بأنه رغم علمه بعلاقة ماندلسون مع إبستين، والتي استمرت حتى بعد إدانة الملياردير بجرائم التحرش الجنسي بالأطفال، فقد عينه سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة في فبراير/شباط عام 2025. وفي جلسة الأسئلة الأسبوعية في الرابع من فبراير الحالي، التي أعلن فيها هذا الاعتراف، ظهر مهزوزاً بفعل حالة الغضب التي سادت المجلس عقب اعترافه، وفاقداً ثقة النواب في تقديراته السياسية. ولذا، لم يعاند كثيراً. وأحال الملف إلى الشرطة لتقرر ما إذا كانت ستقدم ماندلسون إلى محاكمة جنائية بعدما أظهرت الوثائق الأميركية أنه سرّب، على ما يبدو، معلومات حساسة عن الاقتصاد البريطاني إلى إبستين. كما استجاب كير ستارمر لضغوط المعارضة بالإفراج عن كل الوثائق المتعلقة بتفاصيل تعيين ماندلسون في هذا المنصب الدبلوماسي الرفيع. وأفلحت استراتيجية ستارمر وفريقه بذلك في كسر حدة العاصفة. واستغل كذلك كل فرصة للاعتذار حتى بدا وكأنه يلتمس الصفح والتوسل، خصوصاً إلى حزبه، بأن يدع الأزمة تمر.
لذلك، فإنه عندما فاجأ أنس سروار، زعيم حزب العمال في اسكتلندا، العماليين في التاسع من الشهر الحالي بمطالبة كير ستارمر بالاستقالة، بعد أن أشار إلى "أخطاء كثيرة" ارتكبها رئيس الوزراء وفريقه، لم يلق تأييداً كان من شأنه، لو توفر، أن يؤجج الأزمة. تاريخ حزب العمال والمحافظين، يقول إنه لو أيد الوزراء البارزون علناً دعوة كتلك التي أطلقها سروار، لكان من الممكن إجبار ستارمر على الاستقالة. غير أن ستارمر رد بدهاء سياسي استهدف قطع الطريق على أي تمرد داخل الحزب، فقال إنه "مصمم" على العمل كي يفوز أنس سروار برئاسة حكومة اسكتلندا. وكانت تلك رسالة قوية إلى "العمال" بأن هذا هو وقت التضامن خدمة لمصلحة الحزب العليا وبقائه في الحكم، مع الإقرار بالأخطاء وتفادي تكرارها.
حققت طريقة تعامل كير ستارمر مع العاصفة غرضها. التفّت الهيئة البرلمانية لحزب العمال حوله. حتى الشخصيات التي ثارت تكهنات بأنها مرشحة لتحدي زعامته للحزب، ومن ثم رئاسته للحكومة، تسابقت للإعلان بنفسها عن دعمه وتماسك "العمال". وتأكد الهدوء بعد التضحية بعدد من معاوني ستارمر في المقر الحكومي، 10 داونينغ ستريت، ومن بينهم مورغان ماكسويني، العقل المهندس للاستراتيجية التي يرجع إليها الفضل ليس فقط في صعود كير ستارمر السياسي وفوزه بزعامة الحزب في عام 2020، بل وفي فوز الحزب الساحق في عام 2024. بهذا عبّر ستارمر عن تفاؤله بأن أيام "الاضطراب السياسي"، كما وصفها، قد مرت. لكن الزعيم العمالي الذي يفاخر بين أعضاء حزبه بأنه أعادهم إلى السلطة بعد غياب دام 14 عاماً، يبدو أنه تجرّد من أقوى مخططي سياساته في مواجهة عاصفة لا يبدو أنها قد مرت. البريطانيون، والشخصيات البارزة في حزب العمال، ما زالوا يتنظرون إجابات شافية على ثلاثة أسئلة حاسمة خلال الأشهر القليلة المقبلة.
السؤال الأول: ما مدى حجم المخالفات التي ربما يكون ماندلسون قد ارتكبها عندما كان وزيراً للأعمال بين عامي 2008 و2010، بإطلاعه إبستين على أسرار الحكومة البريطانية الاقتصادية والتجارية؟ الشرطة البريطانية "سكوتلانديارد" هي الوحيدة التي تملك الإجابة عن هذا السؤال. إذا وجدت الشرطة دلائل كافية لإحالة الملف إلى القضاء، فستتاح فرصة أخرى للمعارضة ولخصوم ستارمر داخل الحزب. السؤال الثاني: ماذا تخفي الوثائق الخاصة بتعيين ماندلسون سفيراً في واشنطن من أسرار؟ المفترض، أن تحيل الحكومة كل الوثائق إلى لجنة الأمن والاستخبارات في البرلمان لتحديد ما يمكن الإعلان عنه للجمهور، من دون المساس بمصالح بريطانيا الوطنية أو علاقاتها مع الدول الأخرى. وإن تكشف المزيد من الأسرار بشأن سوء تقدير ستارمر وتجاهله نصائح التقييم الأمني لماندلسون، فستضاف مبررات قوية لتجدد العاصفة ضده.
السؤال الثالث يتعلق برؤية الناخبين لقيادة كير ستارمر والإنجازات التي يقول إنه حققها منذ تولى السلطة قبل قرابة عامين ونصف العام. الإجابة عن هذا السؤال في صناديق الاقتراع، إذ يواجه "العمال" اختبارات انتخابية متتالية. في 26 من الشهر الحالي، هناك انتخابات تكميلية في دائرتين بإنكلترا، تليها انتخابات برلمانية محلية في اسكتلندا وويلز. والاختبار الأصعب سيكون في انتخابات المجالس المحلية في إنكلترا في شهر مايو/أيار المقبل. وإن اجرت هذه الانتخابات الآن، فإنه من المتوقع ألا يحتفظ "العمال" بمكانته، هذا إن لم يمنَ بخسائر فادحة. والسبب هو ستارمر. كل استطلاعات الرأي، التي أجريت بعد هدوء عاصفة ماندلسون، تقول إن غالبية البريطانيين يعتقدون أنه يجب أن يرحل.
قال 52% من البريطانيين إن رئيس الوزراء يجب أن يستقيل
استطلاعات سلبية
وتكشف نتائج تلك الاستطلاعات أن سعي كير ستارمر لاستنفار مشاعر الناس بالحديث العاطفي عن تجربة أسرته مع الفقر، والمعاناة من فشل الدولة بمؤسساتها في تحسين حياتهم، لم يُجد نفعاً، لأن حياة الناس لم تلمس نتائج ما يقول إنها إنجازات خلال العام ونصف العام من حكمه. في استطلاع أجري لمصلحة موقع مجلة بوليتيكو الأميركية، قال 52% من البريطانيين إن رئيس الوزراء يجب أن يستقيل، بينما عبّر 19% عن اعتقادهم بأنه يجب أن يبقى في منصبه، لكن يجب على مستشاريه الاستقالة. ووفق الاستطلاع، الذي أجري في الفترة بين يومي السادس والتاسع من فبراير الحالي، قال 47% من الذين طالبوا باستقالة كير ستارمر إن هناك أسباباً أخرى غير فضيحة ماندلسون تدعو إلى تغيير قيادة الحكومة.
وفي ظل هذه الأجواء، فإذا لم يحقق حزب العمال نتائج تحفظ مكانته، التي حققها في الانتخابات العامة في 2024، فإنه من المتوقع أن يجد خصوم كير ستارمر داخل الحزب فرصة أخرى لتحدي زعامته. في تلك الحالة، ووفق السوابق الحزبية، سيتراجع كل الذين أيدوه سابقاً، بحجة الحفاظ على تماسك الحزب، عن تأييدهم. وإذا كان شخص بوزن إيد ميليباند، زعيم الحزب السابق ووزير الطاقة الحالي، قد برر رفضه لدعوات استقالة كير ستارمر بأن الحزب "يتجه إلى الهاوية"، وبأن البديل هو "الفوضى" داخل الحزب لو فرضت انتخابات لاختبار زعيم بديل، فإن أي نتائج سلبية للانتخابات المحلية، ستوفر له المجال لتغيير رأيه. وحينها سيكون تبريره، هو وخصوم ستارمر المتربصين، بوجه أي انتقادات محتملة هو نفسه: هذا من أجل حماية الحزب من السقوط في الهاوية. والذريعة الأقوى ستكون هي الإنصات لصوت الناس واحترام تفويضهم، الذي يبرر به كل زعيم منتخب إصراره على البقاء في السلطة مهما تكن الأخطاء.

Related News
هجوم بسكين في أمريكا ينتهي بمقتل 4 أشخاص ومصرع المنفذ
al-ain
14 minutes ago