Arab
قدّمتُ في منتدى فلسطين الرابع في الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) الذي نظّمه في الدوحة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، ورقة بحثية تحت عنوان "تراجع النموذج الماوي في الخطاب الصيني المعاصر تجاه القضية الفلسطينية". أثارت نقاشاتٍ وتعليقاتٍ، كونها لم تعتمد ماو وحقبته إزاء فلسطين افتراضاً مبدئياً أو مستمرّاً، بل مُتغيّراً حذفته الدولة الصينية الحديثة لصالح الكومينتانغ (حكومة جمهورية الصين الأولى). فمن خلال تتبّع الروايات الصينية الرسمية منذ التسعينيات، أي منذ تطبيع العلاقات الصينية - الإسرائيلية، يُلاحظ نوعٌ من الإزاحة لإرث ماو الثوري في سياق العلاقة مع إسرائيل، واستبداله بسردية ترتكز تاريخيّاً على ما يمكن تسميته "إرث الكومينتانغ" والتاريخ المشترك بين الصين واليهود. ... بطريقة أخرى، تفترض الورقة أن الخطاب الصيني الرسمي يشهد تحوّلاً جذريًا، يتمثل في محاولة انتزاع الحقبة الماوية الثورية وحذفها، عبر إعادة وصل ما بعد ماو بما قبله، في إطارٍ جديدٍ يعيد تأطير العلاقة مع إسرائيل سرديةً "صينية – يهودية - إنسانية" طويلة الأمد ومستمرّة. في المقابل، لا يزال الخطاب الفلسطيني والعربي يتعامل مع الصين الحالية من خلال نوستالجيا ماوية يستند إليها لتفسير الموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية.
فتح هذا التحوّل باباً لسؤال جوهري: لماذا تختار الصين اليوم إحياء ذكرى الكومينتانغ، خصمها التاريخي، لإعادة تعريف علاقتها مع إسرائيل من بوابة يهودية، خصوصاً خلال الإبادة الجارية في غزّة؟ وفي محاولة للإجابة، برز مقترحٌ يدعو إلى توسيع البحث عبر تقصّي العلاقة بين الصين والنخب المالية اليهودية العالمية. وبما أنّ صعود الصين المُعاصر اقتصاديٌّ في جوهره، كان السؤال المقترح: هل هناك رابطٌ بين هذا الصعود وشبكات الأعمال اليهودية العابرة للحدود؟ وهل يمكن أن يكون السعي وراء هذه الشراكات المُحرّك الحقيقي وراء إحياء بكين تاريخ "الكومينتانغ" أرضية دبلوماسية للتقرّب من إسرائيل؟
إحياء إرث الكومينتانغ
برز خطاب صيني - إسرائيلي مُستحدث يشير إلى أنّ العلاقة بين الجانبين بدأت قبل آلاف السنين، من خلال اليهود الأوائل الذين وصلوا إلى الصين، وتعزّزت خلال الحربين العالميتين. وفي وقت تؤكّد فيه إسرائيل أنّ وجود اليهود في الصين آنذاك كان في خدمة إنشاء دولة إسرائيل، يُغيّب الخطاب الصيني هذا البُعد، ويضعه في إطار علاقاتٍ إنسانيةٍ هدفت إلى احتواء يهود فارّين من الحروب. وبذلك، تتجاهل الصين الأنشطة السياسية ذات الطابع الصهيوني التي مارسها اليهود داخل الصين، رغم ارتباطها الوثيق باستعمار فلسطين، ويعيد تقديم تاريخ ما قبل الحقبة الشيوعية كامتداد تاريخي لتقاربها اليوم مع إسرائيل. غير أنّ تقديم الصين نفسها في هذا الخطاب دولةً كانت "ذات سيادة مطلقة" في تلك الحقبة ينطوي على مفارقة تاريخية؛ إذ يتم تجاهل حقيقة خضوعها للاستعمار الغربي والروسي والياباني، وفي الوقت نفسه، تربط نفسها بسياسات خصمها التاريخي (الكومينتانغ) المُتورّط في دعم المشروع الصهيوني. فعلى سبيل المثال، يستحضر الخطاب الصيني الحالي ذكريات "اللجوء الإنساني" لليهود لمنح بكين شرعية أخلاقية دولية، محوّلاً الصراع من واقع استعماري إلى إطار "مكافحة معاداة السامية". ... تصل هذه النقلة الخطابية إلى ذروتها حين يتم الربط بين أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول (2023) وذاكرة الهولوكوست؛ حيث تتبنّى بكين فعلياً الإطار الإسرائيلي - الغربي الذي ينزع الصفة السياسية والحقّ القانوني عن المقاومة، ويختزل النضال الفلسطيني ضدّ السلب والاقتلاع في خانة العداء العرقي.
الخطاب الفلسطيني والعربي يتعامل مع الصين من خلال نوستالجيا ماوية، يستند إليها لتفسير الموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية
كرّر السفير الصيني لدى إسرائيل شياو جون تشنغ هذا الإرث في ثماني مقالات، خلال عامي 2024 - 2025، نشرها في صحيفة "إسرائيل هيوم" اليمينية المتطرّفة، والمُلقّبة إسرائيلياً بـ"صوت بيبي". على سبيل المثال، كتب في إحداها: "لم تكن هناك معاداة للسامية في الصين قط... وخلال الحرب العالمية الثانية، دعم الشعبان بعضهما بعضاً، واستوعبت مدن صينية، مثل شنغهاي وهاربين وتيانجين، لاجئين يهوداً كثيرين، تاركة وراءها قصصاً كثيرة مؤثّرة تستحق التذكّر". وفي مقالة أخرى، كتب: "لطالما حمل الشعب الصيني شعوراً عميقاً بالصداقة تجاه الشعب اليهودي"، مُكرّراً دعم الصين اليهود في سياق دعمها المُبكّر لإسرائيل حتى قبل تأسيسها، وأشار إلى دور المدن الصينية في إيواء اللاجئين اليهود، ذاكراً أنّ "شنغهاي وحدها استقبلت 25.000 يهودي، وهو عددٌ يفوق ما قبلته كندا وأستراليا والهند وجنوب أفريقيا ونيوزيلندا مجتمعة". كما استشهد بالأعمال البطولية لأفراد مثل هو فنغ شان، القنصل الصيني في فيينا، الذي أصدر آلاف "تأشيرات الحياة" لليهود الفارّين، وبان جون شون، الذي آوى فتاة يهودية أثناء المداهمات النازية. وفي مقال آخر، دعا شياو إسرائيل لتكون جزءاً من "مبادرة التنمية العالمية" الصينية، واضعاً إياها في سياق استمرارية تاريخية للمسار المشترك بين "اليهود والصين"، وكتب "ساهمت جهود الصين بشكل كبير في الإنقاذ النهائي لليهود من النازيين، وكانت حيوية لتأمين النصر النهائي ضدّ الفاشية العالمية". اختيار السفير الصيني وتركيزه في النشر على صحيفة إسرائيل هيوم، اليمينية المُتشدّدة، لا يمكن أن يُفسّر بأنه مصادفة؛ بل هو إشارة واضحة إلى أنّ بكين تريد مخاطبة "قلب المؤسسة الصهيونية" بلغة الذاكرة المشتركة والفرص الاقتصادية.
تهدف هذه السردية إلى تقديم العلاقات متجذّرة بعمق ومتناغمة تاريخياً، مُتجاهلة الانكسارات الأيديولوجية والتحوّلات السياسية بين النظامين الصينيين، ما يؤدّي إلى تصوير الصين صديقاً طويل الأمد لإسرائيل. وبالرغم من أنّ التاريخ يثبت أنّ وجود اليهود في الصين آنذاك كان صهيونياً، تصرّ الصين على استخدام مصطلح "اليهود" أو "لاجئين يهود" بدلاً من "الصهاينة" في خطابها المُستحدث.
روتشيلد وخضوري و"عقدة" إسرائيل
يتقاطع الخطاب الصيني المُعاصر مع شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والمالية والتعليمية التي تربط الصين بنخب يهودية، صهيونية بالأساس، عابرة للحدود. تعمل إسرائيل في هذه الشبكة كعُقدة (Node) نقطة التقاء مركزية، بين رأس المال والتكنولوجيا والصعود الصيني. ومن هنا، يصبح استدعاء إرث الكومينتانغ ضرورة لإيجاد أرضية أخلاقية مريحة لهذه المصالح، وتصوير العلاقة مع النخب المالية الصهيونية استمراريةً لصداقة تاريخية قديمة، وليست مجرّد صفقة استثمارية عابرة.
وصل "الهوس" الصيني بآل روتشيلد حدّ احتفاء جامعة تسينغهوا المرموقة بشخص ادّعى زيفاً انتماءه للعائلة
لعلّ المثال الأكثر وضوحاً على هذا التداخل التاريخي – الاقتصادي عائلة روتشيلد، التي تُقدَّم في الإعلام الصيني الرسمي شريكاً حضاريّاً مُبكّراً للصين، لا إمبراطوريةً ماليةً مثيرة للجدل، تحذف فيها تماماً فلسطين. ففي تقرير لشبكة CGTN الصينية، بعنوان "افتتان الصين بعائلة روتشيلد"، لا تدّعي الصين فقط أنّ هذه العائلة من أوائل من أقاموا علاقات مع الصين الجديدة في 1953، أي في أوج الحقبة الماوية، بل تعود إلى حقبة الأباطرة، لتقول إنّ وجود العائلة في الصين بدأ في ثلاثينيات القرن التاسع عشر (1830). وتذهب القناة إلى أبعد في محاولة لتطهير صورة العائلة من النقد الغربي، مُعتبرةً أنّ "الجدل ونظريات المؤامرة حول سيطرة العائلة على الثروة لطالما وُجدت في الغرب" بينما نجد، في المقابل، أنّ "المزيد من الاقتصاديين وروّاد الأعمال الصينيين الطموحين يدرسون عائلة روتشيلد عن كثب "مثالاً للنجاح. تصل هذه الدفاعية الصينية لذروتها في تبرير انتشار كتاب حروب العملاتCurrency Wars لمؤلفه سونغ هونغبينغ، والذي يُصنّف غربياً كتاباً "معادياً للسامية." ولكن CGTN تؤكّد أنّ الكتاب "لاقى رواجاً كبيراً لدى رؤساء الشركات الصينية والمسؤولين الحكوميين"، وتنقل عن مؤلفه نفي صفة العداء عن أطروحته.
وصل "الهوس" الصيني بآل روتشيلد حدّ احتفاء جامعة تسينغهوا المرموقة بشخص ادّعى زيفاً انتماءه للعائلة، يُدعى أوليفر روتشيلد. حيث حظي باستقبال حافل من الجامعة، حسب التقرير، ووصفه العميد تشيو يونغ بأنّه "أحد خلفاء عائلة روتشيلد"، إلا أنّ العائلة أصدرت بياناً ينفي ارتباطه بها. وفي نقد ذاتي نادر، ذكرت صحيفة غلوبال تايمز الصينية الرسمية أنّ هذا الانبهار بالرموز المالية العالمية، كما حدث في واقعة الجامعة كشف عن "نزعة اجتماعية متأصّلة في الصين، وتوقاً إلى تأييد دولي، ولا سيما من العالم المُتقدّم، دليلاً على مكانة مرموقة". وتذهب الصحيفة إلى أبعد من ذلك بوصف هذه الحالة "عقدة نقص" (Inferiority complex) تجذّرت في العقلية الصينية، وتحوّلت إلى "هوسٍ" بكلّ ما هو أجنبي (Xenophilia)، حيث تُعامل أسماء مثل "روتشيلد" كأوسمة أو "زينة" (Ornaments) تمنح المؤسسات الصينية شرعية عالمية. يوضّح هذا التشريح الداخلي لماذا تصرّ بكين على استبدال "ثورية ماو" بـ"إنسانية الكومينتانغ"؛ فهي تبحث عن تاريخٍ يسمح لها بالاندماج ضمن نادي القوى المالية الكبرى، ولو كان الثمن هو ليس فقط تبييض المشروع الصهيوني وتصويره شريكاً حضاريّاً لا غنى عنه داخل الصين، بل أيضاً تبييض تاريخ منافسها.
عائلة روتشيلد تقابلها عائلة خضوري، والتي تُعتبر المثال الأبرز على ترابط الصهيونية مع حكومة الكومينتانغ في بدايات القرن الماضي
عائلة روتشيلد تقابلها عائلة خضوري، والتي تُعتبر المثال الأبرز على ترابط الصهيونية مع حكومة الكومينتانغ في بدايات القرن الماضي. يُحتفى اليوم بها في الصين بشكل كبير باعتبارها إحدى العائلات التي بنت مجد شنغهاي. ولكن التاريخ المحذوف في تأريخ الصين المُستحدث أن إيلي خضوري (الجد)، كان يشغل منصب رئيس جمعية شنغهاي الصهيونية Shanghai Zionist Association، المركز الذي أدار الدعم المالي والسياسي للحركة الصهيونية من قلب الصين، وهو ما ينسف الرواية التي تحاول تصوير الوجود اليهودي آنذاك بوصفه وجوداً "لاجئاً" أو "مستضعفاً". استدعاء الصين إرث "خضوري" اليوم، مع طمس هُويّتهم باعتبارهم قادة للتنظيم الصهيوني العالمي في مطلع القرن العشرين، يهدف إلى إيجاد شرعية صهيونية - صينية مستحدثة.
أما الحفيد اليوم، مايكل خضوري، فهو يرأس مجموعات اقتصادية ضخمة في الصين، وهي شركة تشاينا لايت إند بور China Light and Power. وكان إيلي خضوري من أوائل المستثمرين في الشركة عند تأسيسها في 1901، أي قبل حقبة الجمهورية الأولى. وتزوّد الشركة حوالي 80% من سكان هونغ كونغ بالكهرباء، ولديها استثمارات ضخمة في محطات الطاقة النووية والحرارية في الصين (البرّ الرئيسي). ليست عائلة خضوري مجرّد مستثمر، بل هي التي حوّلت شركة كهرباء محلية صينية صغيرة إلى إمبراطورية طاقة إقليمية عملاقة، وهي الشركة التي ما زالت تمنح العائلة نفوذها الاقتصادي الأكبر في آسيا. بالإضافة إلى شركة ثانية تمتلكها العائلة، وهي سلسة فنادق بينسويلا في الصين. ولا تكتفي بكين بالتعامل مع العائلة بوصفها قوّة اقتصادية، بل تستخدمها أداة شرعنة ثقافية؛ حيث تعرّف العائلة عن نفسها في الصين حارساً للتراث اليهودي هناك، وشاهداً على سردية "الملاذ الآمن" التي تروّجها الحكومة الصينية حالياً.
تاريخيّاً، يعرف عن عائلة خضوري ارتباطها بتسهيل استعمار فلسطين عبر استثمارها في البنية التحتية لنشأة المستوطنات والمؤسسات الاستعمارية في فلسطين. والأهم أنّ الجد حصل على رسالة من وزارة الخارجية الصينية آنذاك، بعنوان "المصادقة الصينية" على وعد بلفور، جاء فيها: "لي الشرف أن أقرّ باستلام رسالتكم المؤرخة في السادس من يونيو (حزيران) 1918، وتُفيدني بأن الاتحاد الصهيوني الإنكليزي (English Zionist Federation) الذي تتبعون له قد تسلم رسالة بتاريخ الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 من السيد آرتور جيمس بلفور، وزير الخارجية البريطاني، والتي أعلن فيها تعاطف الحكومة البريطانية مع التطلعات الصهيونية لإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وأنكم حريصون على كسب تعاطفنا. وردّاً على ذلك، لي الشرف أن أبلغكم بأن الحكومة الصينية قد تبنت الموقف نفسه تجاه التطلعات الصهيونية الذي تبنته الحكومة البريطانية".
خطاب صيني - إسرائيلي مُستحدث يفيد بأن العلاقة بدأت قبل آلاف السنين من خلال اليهود الأوائل الذين وصلوا إلى الصين
كان إيلي خضوري ثالث أكبر مُتبرّع فردي في العالم لمشروع الجامعة العبرية في القدس عام 1919، الجامعة التي كانت وما زالت رمزاً للاستعمار المكاني والثقافي لفلسطين. وبفضل الأموال القادمة من شنغهاي، أُسّست "مدرسة خضوري الزراعية" في جبل طابور، التي لم تكن مجرّد مدرسة، بل مصنعاً لتخريج قادة عسكريين وسياسيين للكيان، وفي مقدّمتهم إسحاق رابين. يفيد هذا بأنّ المادة التي بنت ركائز الدولة العبرية كانت تُصاغ وتُجمع في شنغهاي وبرعاية صينية، ما يجعل عودة بكين اليوم إلى الاحتفاء بآل خضوري، وخصوصاً في تلك الحقبة، عودةً لمن ساهموا مالياً في تمكين المشروع الاستيطاني منذ لحظاته الأولى، تُغلّفها بكين اليوم بإطار حماية "اللاجئين اليهود". يحذف هذا التاريخ المسكوت عنه في خطاب الصين "إرث ماو" ليعيد وصل ما انقطع مع "إرث خضوري وروتشيلد والكومينتانغ"، ويرسخ معاملةً إسرائيل "عقدة" وظيفية تضمن للصين مكانة إنسانية تاريخية وحضارية.
وفي هذا السياق، تستكمل عائلة ساسون (Sassoon) ضلع المثلث الأخير في هذا التاريخ، عبر "تبييض السردية"؛ فبينما تُقدّم الصين إرث العائلة في شنغهاي دليلاً على الملاذ الإنساني، تتغافل عن حقيقة أنّ هذه العائلة كانت من الروّاد الصهاينة الذين موّلوا "اليشوف" والمستشفيات التي تشكل البنية التحتية للاستيطان في إسرائيل اليوم.
من روتشيلد وخضوري إلى شبكات الإبادة
لا يمكن فهم حذف "إرث ماو" وتغييبه خلال حرب الإبادة الحالية بمعزلٍ عن العلاقات المادية التي تربط بكين بشركات صهيونية عالمية أخرى، كانت وما زالت شريكاً أصيلاً في تمويل الآلة العسكرية الإسرائيلية. وهنا التناقض الصارخ؛ ففي وقتٍ كانت فيه بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار، كانت تعزّز شراكاتها مع عمالقة الاستثمار اليهود الذين يغذّون الإبادة. وفي مقدّمة هذه القائمة لاري فينك، رئيس BlackRock. خلال الإبادة، نشرت الأمم المتحدة تقريراً أكّدت فيه أنّ هذه الشركة شريك في الإبادة الإسرائيلية، ومن "أكبر المستثمرين في شركات الأسلحة المحورية في الترسانة العسكرية لإسرائيل". في الوقت نفسه، التقى فينك مع كبار المسؤولين الصينيين، وخصوصاً نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خه لي فنغ. وبالنظر إلى تقرير الأمم المتحدة أخيراً حول الإبادة في غزّة بوصفها "جريمة جماعية"، فإنّ الصين ظهرت أيضاً في التقرير ثلاث مرّات باعتبارها أحد المورّدين العسكريين لإسرائيل. لقد كان موقف فينك من الإبادة واضحاً، حتى أنه شجّع نشر الولايات المتحدة ترسانتها العسكرية النووية في الإقليم لمواجهة إيران، الشريك الاستراتيجي للصين، كما توصف، واصفاً بيان واشنطن ضد إيران بأنه "مذهل".
يمتدّ هذا التشابك إلى ستيفن شوارزمان، رئيس Blackstone، الذي استقبلته بكين مرّتين في 2025. كانت هذه الشركة قد قدّمت ملايين الدولارات لدعم إسرائيل خلال الإبادة، بل وافتتحت مكتباً لها في تل أبيب في إبريل/ نيسان 2025 لتمويل قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، الذي استُخدم بكثافة لقتل أكبر عدد من المدنيين في قطاع غزّة. وليست أهمية شوارزمان بالنسبة للصين فقط في سياق التكنولوجيا العسكرية، أيضاً هو بوابة لتواصل الصين مع الولايات المتحدة. وخلال الإبادة، التقى به وزير الخارجية الصيني وانغ يي مرّتين في الصين (مارس/ آذار وإبريل/ نيسان 2025)، وأشاد وانغ بجهوده "في تعزيز العلاقات الصينية الأميركية".
يكشف تعمّق البحث في هذه العلاقات المالية عن آلية أكثر تعقيداً لتسييل الأصول الصينية وتحويلها إلى وقود للمشروع الصهيوني. وهنا يبرز شوارزمان، الذي لا يكتفي بأنه قناة خلفية لبكين في واشنطن، بل قام بعمليات تسييل ضخمة لأصول لوجستية في قلب منطقة الخليج الكبرى الصينية لصالح شركة Ping An، ثاني أكبر شركة تأمين في الصين. وليست هذه العملية مجرّد تبادل تجاري، بل هي حلقة في سلسلة تمويل قطاعات الذكاء الاصطناعي العسكري والطبي في إسرائيل، والتي يعد شوارزمان أحد أكبر داعميها. وتكتمل الدائرة بشركة Ping An نفسها، التي تعمل ذراعاً استثماريّاً شبه حكومي صيني؛ فهي الشريك الاستراتيجي لبنك لئومي (Bank Leumi) الإسرائيلي الذي افتتح مكتباً في شنغهاي عام 2013 لتسهيل الصفقات، وهو ليس مؤسّسة مالية عادية، بل هو "بنك أنغلو- فلسطين" سابقاً، الذراع المالي التاريخي للمنظمة الصهيونية العالمية والمستثمر الأوّل في المستوطنات.
ترى الصين في إسرائيل مركزية تكنولوجية ومالية لا يمكن للصعود الصيني أن يكتمل من دون الاندماج في نظامها العالمي
الحقيقة التي يكشفها هذا الترابط أنّ بنك لئومي كان في بدايات القرن العشرين يعتمد في أكبر نسبة استثمار عالمية فيه على يهود صينيين، وهو اليوم يعود ليلعب الدور نفسه ماكينة تشفير مالية تحوّل رؤوس الأموال الصينية إلى مشاريع تخدم البنية التحتية الصهيونية وتكنولوجيا الأمن في الأراضي المحتلة، فهو على رأس قائمة تقارير الأمم المتحدة السوداء حول دعم الاستيطان في الأراضي المحتلة. يحوّل هذا التشابك السيادة الصينية إلى واجهة لتمويل استيطان وفصل عنصري، حيث تساهم أموال التأمين الصينية، بوعي أو من دونه، في تثبيت أركان المنظومة التي تدّعي بكين دبلوماسياً معارضتها.
ولا يمكن فصل الدعم المالي الحديث عن الجذور العسكرية التي أرساها شاؤول أيزنبرغ، الذي يُعدّ المهندس الحقيقي للعلاقات العسكرية السرية بين بكين وتل أبيب منذ السبعينيات. لم يكن مجرّد رجل أعمال، بل هو الذي وضع حجر الأساس للتعاون العسكري الصناعي بين الصين وإسرائيل. ويجد هذا الاختراق الأمني المُبكّر امتداده اليوم في الاستقبال الرسمي الحافل لديفيد سولومون رئيس Goldman Sachs في بكين (يناير/ كانون الثاني 2026)؛ حيث رحّبت الحكومة الصينية بزيادة استثماراته في وقت كانت فيه مؤسّسته قد أعلنت التزامها بملايين الدولارات لدعم الكيان في أعقاب "7 أكتوبر". يكشف هذا التوافق بين بوابة السلاح التي فتحها أيزنبرغ وبوابة المال التي يديرها سولومون كيف أصبحت الصين شريكاً في نظام مالي يموّل الإبادة بشكل مباشر.
لا تتسع المساحة هنا لاستعراض مزيد من أسماء الشركات وتشعبات التاريخ الذي لا يُناقش عربياً ويُؤخذ مسلمات، ولكن كلّ ما تمّ استعراضه أعلاه يُثبت أنّ إسرائيل ليست مجرّد شريك عابر للصين، بل هي عقدة حيوية وضرورية لصعود الصين. فهي الجسر الذي يربط الصين برؤوس الأموال اليهودية العابرة للحدود، وبشركات البنية التحتية والذكاء الاصطناعي. لذلك، كانت فلسطين وما زالت، حتى في حقبة ماو تسي تونغ، ولو افترضنا جدلاً أنها كانت حقبة "ناصعة البياض" في دعمها الثورة الفلسطينية، الاستثناء المؤقت في تاريخ طويل وممتد من الصهيو - صينية المادية، فهذه العلاقات التي بدأت بجمعية شنغهاي الصهيونية، وبرسائل رسمية للمصادقة على وعد بلفور عام 1918، وانتهت بشراكات مع مموّلي الإبادة والاستعمار الاستيطاني، تكشف أن الصين لا ترى في فلسطين قضية أخلاقية، بل ترى في إسرائيل مركزية تكنولوجية ومالية لا يمكن للصعود الصيني أن يكتمل من دون الاندماج في نظامها العالمي، ولذلك عادت الصين للكومينتانغ، باعتباره إرثاً حضاريّاً إنسانياً.

Related News
هجوم بسكين في أمريكا ينتهي بمقتل 4 أشخاص ومصرع المنفذ
al-ain
14 minutes ago