Arab
في عام 1656، داخل غرفةٍ محدّدةِ الإطار في قصر ألكاثار بمدريد، صاغ دييغو فيلاثكيث عملاً سيغدو أحد أكثر الأعمال مساءلةً لطبيعة الصورة في تاريخ الفن الغربي. بعد أكثر من ثلاثة قرون، تتم استعادة هيئة الأميرة نفسها خارج سياقها الأصلي، في فضاءٍ مفتوحٍ على البحر في ميناء الدوحة القديم. بين هذين الموقعين تتغيّر الشروط: من بلاطٍ ملكيٍّ محكومٍ ببروتوكول السلطة إلى مجالٍ حضريٍّ مفتوحٍ على العابرين. السؤال لا يتعلّق بانتقال شكلٍ من وسيطٍ إلى آخر فحسب، وإنما بانتقال نظام رؤيةٍ كاملٍ من بنيةٍ تاريخيةٍ محدّدةٍ إلى سياقٍ ثقافيٍّ مغاير. ما الذي يحدث للمعنى إذا انتزع العمل من جهازه المفاهيمي الأصلي وأُعيد تثبيته باعتباره علامةً بصريةً في المجال العام؟
أنجز دييغو فيلاثكيث لوحة "لامينينا" Las Meninas في سياق خدمته لبلاط فيليب الرابع، وهي محفوظةٌ اليوم في متحف برادو. يتوزّع المشهد داخل غرفةٍ عميقةٍ؛ إنفانتا مارغريتا تيريزا في المركز، تحيط بها وصيفتاها، ويظهر قزمان وكلبٌ في المقدّمة، بينما يقف الرسّام إلى اليسار أمام حاملٍ ضخمٍ. في عمق اللوحة تعكس مرآةٌ وجهي الملك والملكة. الضوء الداخل من النافذة الجانبية ينظّم الفراغ عبر تدرّجٍ محسوبٍ، فيبرز الأميرة ويغرق الخلفية في عتمةٍ نسبيةٍ، ما يمنح المشهد طبقاتٍ متراكبة من الحضور.
هذه البنية سردٌ بصريٌّ للحظة في البلاط، وتمثل ما هو أكثر لتصير جهازاً معرفياً يعيد توزيع مواقع الرؤية. المرآة لا تكتفي بعكس وجهين، فهي تُربك يقين المتلقي بشأن موضعه؛ هل يقف حيث يقف الملكان، أم حيث يقف الرسّام؟ وجود فيلاثكيث داخل اللوحة، مرتدياً زيّ البلاط، يكشف موقع الفنان داخل منظومة السلطة، ويعكس سعيه إلى ترقية الرسم من حرفةٍ إلى ممارسةٍ نبيلةٍ تستحق الاعتراف الاجتماعي. كما أن إضافة وسام سانتياغو إلى صدره بعد حصوله عليه تكرّس هذا الطموح. بذلك تتحوّل "Las Meninas" إلى تأمّلٍ في طبيعة التمثيل وفي علاقة الصورة بالسلطة، وفي إمكان الفن أن يعيد تعريف مكانته داخل النظام الاجتماعي.
انتقال العمل من جهازٍ مفاهيميٍّ معقّدٍ إلى علامةٍ حضريةٍ واضحة
وفي ميناء الدوحة القديم، تستلهم منحوتة "لامينينا"، التي تم الكشف عنها منتصف الشهر الجاري، والتي صمّمها أنطونيو آزاتو، الشكل العام للشخصية المركزية، مع تنفيذٍ لونيٍّ للفنانة القطرية منى البدر. الكتلة النحتية تختزل الفستان ذا الامتدادات الجانبية إلى هيئةٍ هندسيةٍ متماسكةٍ، يتقارب فيها الامتداد الأفقي مع الارتفاع، فتكتسب حضوراً أقرب إلى معلمٍ حضريٍّ. السطح أملس نسبيا، يتفاعل مع الضوء الطبيعي ويتحوّل تبعاً لانعكاس السماء والبحر. اللون الأزرق وزخارف الأمواج وعناصر العلمين القطري والإسباني تدرج العمل ضمن خطابٍ رمزيٍّ يعلن عن تلاقٍ ثقافيٍّ بين ضفتين.
غير أن التحوّل الأعمق يكمن في انتقال العمل من جهازٍ مفاهيميٍّ معقّدٍ إلى علامةٍ حضريةٍ واضحة. ففي اللوحة؛ المعنى يتشكّل عبر شبكةٍ من النظرات والانعكاسات، وعبر توتّرٍ بين الداخل والخارج وبين الأصل وصورته. أما في المنحوتة، فتستعاد الهيئة ويتم فصلها عن تلك الشبكة، فتغدو الكتلة موضوعاً للإدراك المباشر. لا تعاد صياغة السؤال المعرفي الذي طرحته المرآة، كما لا يتم استحضار موقع الفنان داخل السلطة، وإنما يتم الإبقاء على الرمز شكلاً قابلاً للانتقال.
هنا تبرز مسألة الاقتباس الثقافي في سياقٍ خليجيٍّ معاصر. استقدام أيقونةٍ أوروبيةٍ إلى فضاءٍ عامٍّ في الدوحة يندرج ضمن سياساتٍ ثقافيةٍ تسعى إلى إدراج الفن العالمي في المشهد الحضري، وإلى تأكيد انفتاح المدينة على مرجعياتٍ متعددةٍ. المنحوتة تعمل باعتبارها إشارةً إلى هذا الانفتاح، وتؤكّد قدرة الفضاء العام على احتضان رموزٍ عابرةٍ للحدود. غير أن هذا الإدراج يغيّر وظيفة العمل، من دراسةٍ دقيقةٍ في طبيعة الرؤية داخل بلاطٍ ملكيٍّ إلى عنصرٍ بصريٍّ يشارك في تشكيل هويةٍ حضريةٍ معاصرةٍ.
السؤال النقدي يتجاوز المفاضلة بين الأصل والاقتباس، ويتعلّق بحدود انتقال المعنى. وإنتاج هيئةٍ تاريخيةٍ عبر وسيطٍ آخر، في سياقٍ ثقافيٍّ مختلفٍ، يجعل هذه الهيئة غير قادرة على أن تحمل معها كامل جهازها المفاهيمي، ذلك أنها تُعيد التشكّل وفق شروط المكان الجديد. "لامينينا" لا تعيد بناء التعقيد البصري الذي ميّز "Las Meninas"، غير أنها تمنح الرمز حياةً أخرى في فضاءٍ مفتوحٍ، حيث يتفاعل مع البحر والمدينة والجمهور. بين قاعة البلاط في مدريد ورصيف الميناء في الدوحة، يتبدّل نظام الرؤية وتتغيّر وظيفة الصورة ليبقى المعنى في حالة انتقالٍ دائم، يتشكّل بقدر ما نعيد توطينه في سياقاتٍ جديدة.

Related News
هجوم بسكين في أمريكا ينتهي بمقتل 4 أشخاص ومصرع المنفذ
al-ain
14 minutes ago