Arab
للصراع الباكستاني الأفغاني أسباب تاريخية تعود إلى فترة الغزو الأميركي لكابول، إذ تعاونت إسلام أباد مع واشنطن واعتقلت قرابة 1300 قيادي في حركة طالبان، أكثرهم مخفيون قسراً، ما ترك ندوباً مؤجلة يفجّرها مستصغر الشرر.
- اختفى كل أثر للقائد الميداني في حركة طالبان الأفغانية، مولوي محمد جاهد رمضان، منذ اعتقاله وصهره فهيم الله هارون في مدينة بيشاور الباكستانية عام 2003، وبينما خرج هارون من السجن عقب ستة أعوام من التعذيب والتنكيل مصاباً بأمراض نفسية وعضوية، لا يزال مصير رمضان مجهولاً، تاركاً وراءه أسئلة لا إجابة عنها وأسرة تحمّل مسؤولية تدمير حياتها للمخابرات الباكستانية التي كان سجيناً لديها مع هارون من أجل جمع معلومات عن المقاتلين العرب.
يقول قادري رمضان شقيق مولوي، إن: "المخابرات الباكستانية داهمت منزلهم للبحث عن ضيف عربي جريح استضافه مولوي، وأحضر له طبيباً لمتابعة حالته الصحية على مدى شهرين. إنهم يتحملون المسؤولية الكاملة عنه سواء كان حياً أو ميتاً، وعليهم الكشف عن مصيره وإنهاء معاناتنا".
ويعد رمضان واحداً من بين 1300 قيادي من مستويات عديدة في حركة طالبان اعتقلتهم المخابرات الباكستانية، بعد الغزو الأميركي لأفغانستان في عام 2001، كما يقول لـ"العربي الجديد"، قاري رفيع الله هاشم، الذي شغل مناصب عدة في وزارة الإعلام والثقافة، بحكومة طالبان الأولى منذ ديسمبر/كانون الأول 1997 وحتى سقوطها في سبتمبر/أيلول 2001.
وترك اعتقال هؤلاء القادة والتنكيل بهم واختفاء العديد منهم ندوباً في العلاقة بين البلدين، خاصة أن المخابرات الباكستانية مع بداية عام 2005 بدأت في تعقب قيادات طالبان العليا، أملاً في الوصول إلى الملا محمد عمر، مؤسس حركة طالبان والمقربين منه، كما يقول هاشم، الذي عينته الحركة في عام 2004 مسؤولا عن إعداد وتوزيع المقاتلين على الجبهة الشرقية التي كانت تضم ولايات ننغرهار ولغمان وكنر ونورستان، ليستمر في منصبة ذاك حتى عام 2014.
تفكيك شبكة طالبان والمقاتلين العرب
اعتقلت المخابرات الباكستانية وزير الدفاع بحكومة طالبان الأولى الملا عبيد الله آخوند (شغل منصب نائب الملا عمر)، ليتوفى داخل السجن المركزي بمدينة كراتشي في الخامس من مارس/آذار 2011، ويدفن هناك، بعد أربعة أعوام من اعتقاله من مدينة كويته الواقعة غربي باكستان على الحدود مع أفغانستان، كما يقول هاشم، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية الباكستانية وفي إطار تعاونها مع نظرائها في أميركا والدول الغربية عملت على الوصول إلى القيادات العليا في حركة طالبان والمقاتلين العرب، الذين كانوا على صلة بهم، لا سيما من كانوا في مدينتي بيشاور وكويته.
اعتقلت المخابرات الباكستانية 1300 قيادي من حركة طالبان الأفغانية
لكن كيف تمكنت المخابرات الباكستانية من الوصول إلى قيادات عليا في الحركة؟ يجيب الملا حماد محمدي بدخشي وكان مسؤولا لوجستيا للحركة في مكتب مدينة بيشاور بين عامي 1998 و1999ويعمل حالياً مديراً في وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بولاية سربل، قائلا لـ"العربي الجديد": "لعبت بعض المدارس والمراكز والأحزاب الدينية، كجامعة الرشيد وجيش محمد (جماعة تتخذ من باكستان مقراً لها) وجيش طيبة (جماعة جهادية باكستانية كانت تقدم الدعم اللوجستي والمالي والإعلامي لحركة طالبان قبل عام 2001)، دورا في كشف أماكن وجود قادة طالبان والمقاتلين الأجانب للمخابرات الأميركية والباكستانية، بناء على معلومات سابقة لديها عن تلك القيادات والمقاتلين العرب".
يروي هاشم مثالاً على ما سبق، بما حدث مع الملا نجم الحق الذي كان مسؤولا عن نقل المقاتلين العرب من ولاية كنر أقصي شرقي أفغانستان على الحدود مع باكستان إلى وزيرستان شمال غربي باكستان، إذ دعاه صديق من جماعة دينية باكستانية إلى منزله وما أن وصل حتى داهمت الاستخبارات البيت واعتقلت الرجل الذي لا يعرف مصيره حتى الآن.
تفنن في وسائل التعذيب
من بين 1300 معتقل، أُفرج عن 100 فقط خلال العقود الثلاثة الماضية، وفق ما يؤكده لـ"العربي الجديد"، القيادي في حركة طالبان والمسؤول في وزارة الداخلية الأفغانية الملا محمد غزنوي فدائي (طلب تعريفه باسم مستعار لكونه غير مخول بالحديث مع الإعلام). ويؤكد خمسة من المُفرج عنهم، أنهم تعرضوا للتعذيب طيلة فترة الاعتقال، ومنهم عبد الهادي عبد البشير الذي سُجن ثلاث سنوات بعد اعتقاله في 18 إبريل/نيسان 2012، بسبب كتاباته الإعلامية المؤيدة لحركة طالبان الباكستانية، كما يقول لـ"العربي الجديد"، مضيفا: "لم تتم محاكمتنا. لأنه لا توجد ملفات قضائية حقيقية وإنما مجرد تحقيقات صورية يتخللها تعذيب مستمر لجمع معلومات تبحث عنها المخابرات الباكستانية".
بعد صدور قرار بالإفراج عنه، ألقى أفراد من المخابرات الباكستانية بعبد البشير على قارعة الطريق وهو منهك القوى لا يستطيع الحركة ورائحة كريهة تفوح من جسمه لعدم استحمامه فترات طويلة، وهي من وسائل التعذيب التي كان يتفنن بها المحققون، قائلاً: "ما أزال أعاني حتى اليوم من آلام لا تنتهي بعدما أدخلوا سلكاً حديدياً في أنفي وكانوا يجرونني على الأرض مثل الحيوان. أحدهم كان ينزع ملابسي، ويضربني بعصا كهربائية على الأعضاء التناسلية، كما كانوا يلقون بي في الماء الباردة في عز الشتاء، وفي الصيف كانوا يحضرون التبن إلى الزنازين ويشعلون فيه النار، وينظرون إلينا من الخارج ونحن نختنق"، والعجيب أن التعذيب كان أكثر شدة في أيام شهر رمضان وعيد الفطر كما يقول مضيفاً: "كانوا يتسلون بإدخال قضيب خشبي مطلي بالفلفل الأحمر في دبر المعتقل حتى يغمى عليه".
يؤكد هارون الذي أُفرج عنه في سبتمبر 2009، تلك الروايات قائلاً بمرارة: "من أنواع التعذيب قلع الأظفار وربط الأقدام على الأسقف مع شتم أقاربنا وسبّ الدين عندما كنا ندعو الله أن يفرّج عنا ما نحن فيه"، ويضيف: "كنا نتمنى الموت في الزنازين عندما يأتون لمواصلة تعذيبنا من أجل جمع معلومات عن طالبان والمقاتلين العرب".
عذابات كثيرة عاشها المعتقلون، وما زال يعاني منها من بقي في سجون المخابرات الباكستانية، كما يقول الملا بدخشي، متذكرا ما حدث لأحد قادة طالبان الميدانيين، عقب اعتقاله في عام 2004 قائلا: "جرى تعذيبه لمدة عام، إلى أن فقد ذكورته بسبب ضربه على أعضائه التناسلية باستمرار، في حين أن بعض الأفغان أصيبوا داخل السجون بفيروسات مثل التهاب الكبد الوبائي، دون توفير أي عناية طبية لهم، ومع ذلك لم يتوقف تعذيبهم".
آلام وجروح باقية
"تحولت الأجهزة الأمنية الباكستانية إلى عدو للشعب الأفغاني، بعد إعلان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الحرب على الإرهاب وانضمام باكستان لها"، كما يقول السفير الأفغاني السابق لدى إسلام أباد الملا عبد السلام ضعيف، لـ"العربي الجديد"، ويتابع: "كان تعامل باكستان مهيناً جداً ولم أجد له مثيلاً في تاريخ العلاقة بين البلدين. لم أكن أتصور أن يُعتقل قادة طالبان بهذه المهانة ويُسلّموا إلى الأميركيين"، مؤكداً أنه قبل اعتقاله تواصل مع الخارجية الباكستانية ومع وزراء في الحكومة وقتها، وقدم طلب لجوء بعدما انهارت حكومة طالبان، ورغم أن الخارجية الباكستانية طمأنته وأخبرته أنه يمكنه العيش بأمان في البلاد، كونه كان سفيراً لدولة تعترف بها باكستان، وعلاقاته المجتمعية الكبيرة، إلا أنه اعتقل في يناير/كانون الثاني 2002، وسُلّم عارياً ومهاناً للقوات الأميركية في مدينة بيشاور، ومن هناك نقل إلى قاعدة باغرام الجوية في شمال العاصمة الأفغانية، ثم إلى قاعدة قندهار وفي الأول من مايو/أيار من العام ذاته نُقل إلى سجن غوانتنامو، ثم أفرج عنه في 11 سبتمبر/أيلول 2005 قبل أن يعود للعيش في كابول".
يعاني المُفرج عنهم مشاكل صحية ونفسية جراء التعذيب في الزنازين
من هنا تركت معاناة قيادات طالبان الأفغانية في سجون باكستان ندوباً كبيرة يمتد أثرها إلى الصراع القائم بين البلدين حالياً، حسب ما يقول المحلل السياسي الأفغاني أحمد بدرام أحمدي، لـ"العربي الجديد" مضيفاً أن الحركة فقدت الكثير من قيادييها بعد زجهم في السجون الباكستانية فترات طويلة منذ سقوط حكومتها الأولى، علماً أن هؤلاء ليسوا أناساً عاديين، وإنما من كبار القادة، وبعضهم من المؤسسين في الحركة، مثل الملا عبد السلام ضعيف والملا عبيد الله آخوند والملا عبد الغني برادر، الذي اعتقل في مدينة كراتشي خلال عملية عسكرية مشتركة للقوات الأميركية والباكستانية، ولم يفرج عنه سوى في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2018 أي بعد تسع سنوات من اعتقاله".
ودفعت محاولة لتذليل العقبات التي تواجه مفاوضات طالبان مع الحكومة الأفغانية حينها، باتجاه إطلاق سراح برادر، وبعدها عُيّن رئيساً للمكتب السياسي لحركة طالبان في الدوحة قبل أن يُعيّن نائباً لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بعد سيطرة الحركة على الحكم في أغسطس/آب 2021، كما يقول الملا عبد الصبور وردك، والذي كان له دور فعال في استخبارات الحركة قبل الوصول إلى الحكم.
ويتضح الأثر الكبير لتركة الصراع على علاقة البلدين في ما قاله برادر أمام ضباط الجيش الأفغاني في مقر وزارة الدفاع في ديسمبر 2025، واصفاً أفعال باكستان بـ "لعب بالنار"، مستدركاً: "لن ننسى ما فعلته بنا إسلام أباد خلال العقدين الماضيين، والذكريات المريرة التي عشناها في باكستان ما تزال باقية، وتصفية الحسابات ضرورية".
وهو تقييم يؤمن به المسؤول الأمني الأفغاني على منفذ سبين بولدك مع باكستان، مولوي بختيار الله سربلند، الذي شارك في المعارك الأخيرة ضد القوات الباكستانية منذ نهاية أكتوبر الماضي، قائلاً إنه يقاتل وفي حسبانه معاناة اللاجئين الأفغان المطرودين من جارتهم، ودماء رفاقه المعتقلين الأبرياء المعذبين على يد الجيش والاستخبارات الباكستانية.

Related News
هجوم بسكين في أمريكا ينتهي بمقتل 4 أشخاص ومصرع المنفذ
al-ain
14 minutes ago