
بعدما ظنّ كثيرون أن استئناف الحرب على غزّة، بعد استراحة، أمر مستبعد، لأسباب تراوح بين تكلفتها السياسية وقدوم إدارة جديدة في أميركا لا تحبّ الحروب ولو نظرياً، فعلها رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، ووضع المنطقة وإدارة دونالد ترامب أمام أمر واقع، غطّاه بغطاء "الموافقة والضوء الأخضر الأميركيين"، وأطاح الخطّة العربية لـ"غزّة بعد الحرب"، والجهد والوقت اللذَين بذلا لصياغتها ولتحقيق التوافق حولها. وكان لافتاً أنه بمجرّد أن تصدر أخبار من واشنطن عن بوادر تفهّم الرئيس الأميركي الخطّة ولاعتبارات ودوافع الدول التي صاغتها، تنسفها أخبار أخرى من إسرائيل، وتحديداً من دوائر حكومتها اليمينية المتطرّفة. فمن يمسك حقّاً بأوراق هذه الحرب الوحشية، ومن يسيّر دفّةَ القيادة فيها، وكيف؟ وما هو هدفه النهائي منها؟
قيل كلّ شيء تقريباً عن المعاناة والألم والقسوة والتوحّش والخذلان والغضب الفردي والجماعي والعالمي، وعن التضامن والصمود وطول النفَس، وتحرّك العالم أكثر من عام ونصف العام، مدفوعاً بهذه الانفعالات والقيم كلّها، نصرة لغزّة، التي باتت اسماً ورمزاً يغني عن سرد حكايتها. ونتج فيما نتج من هذا الحراك انقلابٌ في الوعي على نطاق واسع، وخلخلةٌ للرواية الإسرائيلية التي سيطرت على الأذهان أكثر من سبعة عقود، وتبعها تمرّد لفئات عريضة من المجتمعات الغربية (تحديداً) على سياسات حكوماتها تجاه الاحتلال الذي سُمّي "صراعاً". وتابعت إسرائيل تلك الاهتزازات بقناعة أنها حدثت (وتحدُث) فعلاً، ولا يمكن إيقافها أو التشكيك فيها أو إعادة برمجتها، فتعود بالوعي إلى الحالة الأولى التي شُكّل بها، وتتابع بخوفٍ كبيرٍ أن تكون خسارةً مزدوجةً، خسارة التعاطف الكوني وخسارة الحرب، وسقوط مخطّط تكشّف أن العمل عليه كان يجري على قدم وساق زمناً طويلاً، وبعيداً من الأضواء، فقرّرت أن تضحّي بالسردية (وإنْ مؤقّتاً)، وأن تحقّق (في المقابل) مكاسبَ في الأرض، وتستفيد من التوقيت إلى أقصى حدّ ممكن.
القولُ إن نتنياهو قرّر استئناف الحرب بدافع الحفاظ على ائتلافه الحكومي، وخوفاً على مستقبله السياسي، تفسيرٌ مملّ وقاصر
من المحزن القول اليوم إن اختبار "التطبيع مع الموت" في أبشع أشكاله ينجح، إلى حدّ كبير، في ساحات الحرب المختلّة في غزّة، وإن عبارة "ليسوا أرقاماً"، عند الحديث عن شهدائها الذين يسقطون لا تؤدّي معناها حقّاً، وإن جريمة القتل من طريق التجويع تمرّ وتحقّق هدفها، مع قدر أقلّ من مشاعر الصدمة وأشكال التنديد اللفظي والعملي، وإن الدموع تكاد تجفّ، ومشاعر الناس في أصقاع الأرض وهم يتابعون هذه المأساة التي لا سقف ولا حدود زمنية لها، تكاد تتبلّد عجزاً، ولا شيء في هذا يدعو إلى الاستغراب، فتلك طبيعةٌ بشرية، وقد اشتغل عليها كلّ من نظّر لهذه الحرب ونفّذها، ويستمرّ فيها إلى هذه الساعة، ويقدّم، في الأثناء، دليلاً إضافياً على أن الحرب (أيّ حرب) نفسية بالأساس.
لم يكن الزمن الذي اشتراه نتنياهو وحكومته في الشهرَين الأخيرين من ولاية إدارة جو بايدن سوى تمطيطٍ لا بدّ منه في نمط تفكيره الميكيافيلي، لتهيئة الأرضية لمرحلة موالية، لا يمكن أن تتحقّق أهدافها إلا مع رئيس جديد اسمُه دونالد ترامب، العائد وفي جعبته كثيرٌ من المعارك والدفاتر القديمة (والجديدة) وآلة حاسبة لا تهدأ، وشهيّة لا حدود لها للتمدّد هنا وهناك. وفوق ذلك كلّه هو مستعجل للإنجاز، فلم يمضِ أكثر من شهرَين ونيّف منذ دخوله البيت الأبيض، حتى نجح في إحداث بلبلة في أكثر من منطقة. حتى وهو يحاول إنهاء الحرب الأوكرانية كما وعد، سبّب شرخاً كبيراً داخل أوروبا نفسها، وبين أوروبا والولايات المتحدة، ولأنها أزمات متشابكة، وجدت دول عديدة نفسها منشغلةً بإشكالاتٍ جديدة، ارتدّت بالضرورة على مواطنيها الذين كانوا يملؤون الساحات خلال أشهر بالمظاهرات والشعارات تضامناً مع غزّة، وتذكيراً بقواعد القانون الدولي الإنساني، الذي بتنا نراه اليوم (وكلّ يوم) يتآكل أمام ممارسات العربدة والتغوّل من الدولة التي يُفترض أنها تقود العالم.
تحوّل العالم في غضون أشهر قليلة مكاناً مليئاً بالريبة والخوف، وانكفأت أطرافٌ كانت فاعلة وهي تراقب ما يحدث في الجوار، وتتوقّع أن تطاولها الشظايا، كندا والسويد والدنمارك وألمانيا وغيرها، تبدّلت لغة خطابها وتغيّر سلّم أولوياتها، وتفرّغت لمعارك جديدة تتعلّق بخريطتها ووجودها. ليس هذا فحسب، فقد أدّت عمليات الترحيل التي طاولت شباباً وطلبةً شاركوا في حملات تضامن مع غزّة، والعقوبات التي سُلّطت على عدد من الجامعات التي احتضنتهم، إلى بثّ مشاعر الخوف والتردّد لدى شباب آخرين في الوضع نفسه، والأنكى أن الإجراءات العقابية البغيضة نفسها تسرّبت إلى دول أوروبية كانت أبعد ما يكون من الظنّ أنها ستلجأ إلى القمع "المقنّن" للحراك الشبابي، وحرّية التعبير، القيمة الأغلى في أدبياتها السياسية والإنسانية والثقافية والاجتماعية.
رغم ما تبدو عليه الحرب على غزّة من عشوائية، لكنها تسير وفق إيقاع يسنده الظرف الإقليمي والدولي،
وفي الأثناء، تصارع أحزاب أوروبا الليبرالية الحاكمة المثقلة بالأزمات، أمام تصاعد المدّ اليميني المتسارع في بلدانها، وتشغّل أجهزة الإنذار ومكابح الفرملة لديها، بما فيها القانون والقضاء، لتحجيمه وإبطاء هجمته القوية، وهذا جزءٌ من مشهد كاملٍ متحوّلٍ في مناطق عديدة. في غزّة فقط، يبقى مشهد القتل والتدمير على حاله، ماثلاً، بكلّ بؤسه، مع إضافاتٍ جديدة لتفاصيل بؤس أشدّ، وبعض أصواتٍ خفتت نبرة الأمل فيها، وهي لا تزال تناشد العالم بالمساعدة. يبدو القول اليوم إن نتنياهو قرّر استئناف الحرب، بدافع الحفاظ على ائتلافه الحكومي، وخوفاً على مستقبله السياسي، تفسيراً مملّاً وقاصراً، ولملاحظٍ أن يلاحظ كيف ترافقت هذه الحرب منذ أسابيعها الأولى، مع ما يبدو معارك سياسية داخل الحكومة الإسرائيلية، ومع الأجهزة الأمنية والمؤسّسة العسكرية، بدت مشاغلات قد تطول قليلاً، أو تنتهي سريعاً وتبدأ أخرى، لتشكّل مادّةً للجدل والتشويش على المشهد الأخطر والأكثر أهمية، مشهد طور متقدّم في مخطّط تصفية القضية الفلسطينية برمّتها. لا يعني هذا أن الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية وعليها، وفي المجتمع الإسرائيلي برمّته، مصطنعة أو مبالغ فيها، بل هي موجودة، ولكن ليس بالحدّة التي يراد تصويرها بها، وبذلك الزخم والمساحة كلّهما، حتى إنها تقدّم، بإيحاء واضح لمن يريد أن يرى، على أنها مظهر من مظاهر ديمقراطية فريدة، بل يتيمة في منطقة يردّد الساسة الإسرائيليون والمحلّلون أنها منطقة يسودها القمع، وتخنق فيها الأصوات الناقدة.
رغم محاولات الإجهاز على غزّة، هي قادرة على إحداث المفاجأة، وتحويل أحلام المتربّصين بها كوابيسَ
رغم ما تبدو عليه الحرب على غزّة من عشوائية، لكنها تسير وفق إيقاع يسنده الظرف الإقليمي والدولي، ويضبطه ويعمل بدقّة على توقّع طبيعة ردّات الفعل، شكلها وحجمها وصداها في كلّ مرحلة، لذلك تبيّن الفرق واضحاً في ردّات الفعل تلك، بين ما قبل اتفاق وقف إطلاق النار وما بعد استئناف الحرب. ولقائل أن يقول: "لم يبقَ شيء ذو أهمية في غزّة لتدميره، لذلك تراجعت بشاعة مظاهر التدمير، وكذلك موقف الرأي العام، الإقليمي والعالمي". ولكن، حتى هذا القول لا يشخّص الحقيقة بالدقّة المطلوبة. إن الهدف النهائي بالتأكّد من القضاء على آخر مؤشّر أو علامة أمل لحياة ومستقبل ممكنَين في غزّة، هو هدف ممكن جدّاً و"واقعي"، ويكاد يكون ملموساً بالنسبة إلى حكومة الحرب الإسرائيلية، وليس مجرّد "حلم" أو "مطمح" يفتقر إلى الواقعية. ولأنه هدف كبير وخطير ومصيري، وأقرب إلى الجريمة مكتملة الأركان، تكلفته غالية، لا يمكن التكهّن بكم أو بماذا ستُسدَّد، ولأن خطوات إنجازه تحدث تحت أنظار العالم، وإن كان عالماً منشغلاً بكثير من الهموم، فإن تحقيقه على دفعات وعبر مراحل، تراوح بين إحداث الصدمة، ثمّ صرف الأنظار بعيداً باختلاق أزمة في مكان آخر... وهكذا دواليك، بمنطق التفتيت والقضم والسفسطة والتهويل وكيل الاتهامات، والتخويف نفسه الذي دأب عليه المحتلّ، مع بعض الإضافات أو التعديلات التي تفرضها كلّ مرحلة، وهذه مرحلة متقدّمة في مشروع التوسّع الكبير، فهل يعني كلّ ما قيل في هذه المقالة، أن الوقت قد فات لتعطيله، ثمّ إبطاله، أو أن الاستسلام هو المآل الحتمي في نهاية هذه الطريق الطويلة الدامية، بعدما شكّلت غزّة مختبراً لكثير من السوابق السياسية والإنسانية والقانونية والنفسية (ولا تزال)؟... يجدر التذكير بأن بعضاً من التجارب قد تفشل في المختبر، مهما توافرت لها من أسباب تضمن احتمالات النجاح، ولأن أبرز سمة لعالم اليوم هي عدم قابليته للاستقراء والتكهّن، فإن غزّة، رغم الندوب العميقة ومحاولات تقليص جغرافيتها قبل الإجهاز عليها نهائياً، لا تزال تمتلك القدرة على إحداث المفاجأة وإطاحة أحلام المتربّصين بها، قبل أن تحوّلها كوابيسَ، وليست غزّة وحدها اليوم على محكّ الوجود أو العدم.

Related News


