Arab
في بلدٍ أنهكته الانهيارات المتتالية، لا يبدو قرارا رفع سعر البنزين وفرض ضريبة إضافية بنسبة 1% مجرد إجراء مالي عابر، بل حلقة جديدة في مسلسل تحميل الكلفة للفئات الأضعف. الاحتجاجات التي اندلعت في بيروت هذا الأسبوع رفضاً لهذه الخطوات لم تكن مفاجئة؛ فهي تعبير مباشر عن شعور عام بأن الدولة اللبنانية لا تزال تعتمد الوصفة الأسهل: الجباية من جيوب المواطنين بدل إصلاح بنية الهدر والفساد والاقتصاد الريعي.
يعيش اللبنانيون تحت وطأة انهيار غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية، وتآكلٍ حاد في القدرة الشرائية، وارتفاعٍ مستمر في الأسعار. تحوّلت الأجور إلى أرقام بلا معنى أمام تسعيرٍ شبه كامل بالدولار، بينما لا تزال الرواتب في القطاعين العام والخاص تُدفع بمعظمها بالليرة، أو بمزيجٍ لا يواكب التضخم الفعلي.
في هذا السياق، يصبح رفع سعر البنزين قراراً ذا أثرٍ مضاعف: فهو لا يطاول فقط سائقي السيارات، بل ينسحب على كلفة النقل العام والخاص، والأسواق وأسعار السلع الغذائية، وكلفة الإنتاج، والخدمات، وصولًا إلى فاتورة المولدات الكهربائية الخاصة التي يعتمد عليها معظم اللبنانيين. البنزين في لبنان ليس سلعةً كمالية. هو عصب الحركة اليومية في بلد يفتقر إلى شبكة نقل عام فاعلة، ويعتمد على المبادرات الفردية في التنقل والعمل. حين يرتفع سعره، ترتفع معه كلفة الوصول إلى الوظيفة، والمدرسة، والمستشفى، وحتى إلى ربطة الخبز.
وهكذا، يتحول القرار المالي إلى ضغط اجتماعي شامل، يدفع شرائح واسعة إلى حافة الفقر أو أعمق منها. أما الضريبة الإضافية بنسبة 1%، فهي تبدو في ظاهرها هامشية، لكنها في اقتصاد منهار تمثل اقتطاعاً جديداً من دخلٍ متهالك أصلًا. المشكلة ليست في النسبة بحد ذاتها، بل في فلسفة فرضها. هل جرى تقديم رؤية واضحة حول كيفية استخدام هذه العائدات؟ هل ترتبط بإصلاحات بنيوية، أو بخطة حماية اجتماعية، أو بتحسين خدمات عامة منهارة، أم أنها مجرد بندٍ إضافي لسد فجوةٍ في موازنة تعاني من اختلالات عميقة؟
المعضلة الأساسية تكمن في غياب العدالة الضريبية. فالنظام الضريبي في لبنان لطالما اتسم بتركيزٍ كبير على الضرائب غير المباشرة، التي تصيب الجميع بالنسب نفسها، بغض النظر عن مستوى الدخل. هذه الضرائب، مثل تلك المفروضة على الاستهلاك أو المحروقات، تطاول الفقير والغني بالقدر ذاته، لكنها تثقل كاهل الأول أكثر بكثير. في المقابل، لا تزال الضرائب التصاعدية على الأرباح الكبيرة، والثروات، والعقارات الفاخرة، والأملاك البحرية والنهرية، مجالاً ملتبساً أو ضعيف التطبيق. حين تُفرض زيادة على البنزين، لا يُسأل أصحاب الرساميل الكبرى عن مساهمتهم في تحمل العبء، بل يُدفع سائق الأجرة والعامل اليومي والموظف محدود الدخل إلى دفع الثمن فوراً. وحين تُقر ضريبة إضافية، لا يُفتح نقاش جدي حول استرداد الأموال المنهوبة أو إصلاح النظام المصرفي أو إعادة هيكلة الدين العام، بل يُطلب من المواطن أن يتفهم الظروف.
الاحتجاجات التي خرجت إلى الشارع تعكس هذا التراكم من الغضب. هي ليست مجرد رفض لرقمٍ جديد في جدول الأسعار، بل اعتراض على نمط حكمٍ يتكرر منذ سنوات: تحميل الخسائر للناس، وترك المسؤوليات الكبرى معلقة. فبعد أزمة المصارف واحتجاز الودائع، وتبخر المدخرات، وتآكل الأجور، تأتي زيادات الأسعار لتكرّس شعوراً بأن لا أحد يحمي الفئات الأكثر هشاشة.
قد تجادل الحكومة بأن هذه الإجراءات ضرورية لتأمين إيرادات، أو للوفاء بالتزامات داخلية وخارجية، أو لتقليص العجز. غير أن أي سياسة مالية لا يمكن أن تنجح إذا افتقدت الشرعية الاجتماعية. الشرعية لا تُستمد فقط من الأرقام، بل من الإحساس العام بالعدالة. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تقتطع من قوته اليومي فيما تستمر مزاريب الهدر بلا محاسبة، فإن الثقة تتآكل أكثر، وتتعمق الهوة بين السلطة والمجتمع.
اقتصاديًا، ثمة بدائل كان يمكن بحثها بجدية. إصلاح النظام الضريبي ليصبح أكثر تصاعدية، ضبط التهرب الضريبي الذي يُقدّر بمليارات الدولارات سنويا، إعادة النظر في الإعفاءات غير المبررة، تنظيم قطاع الجمارك والمرافئ، وتفعيل الرقابة على الأملاك العامة. كما أن أي زيادة في أسعار المحروقات كان يفترض أن تترافق مع خطة نقل عام حقيقية تخفف العبء عن المواطنين، بدل تركهم رهائن لسياراتهم الخاصة والمولدات الخاصة. اجتماعياً، يحتاج لبنان إلى شبكة أمان فعالة، لا إلى إجراءات تزيد الفقر.
برامج الدعم النقدي يجب أن تكون شفافة وممولة بوضوح، وأن تستهدف الفئات الأكثر حاجة. أما فرض ضرائب جديدة في ظل غياب هذه الشبكات، فهو أشبه بدفع الناس إلى تحمّل صدمة جديدة من دون وسادة حماية. أما سياسيا، فلا يمكن فصل هذه القرارات عن السياق الأوسع لأزمة الحكم في لبنان. فالدولة التي عجزت عن استعادة أموال المودعين، وعن إصلاح قطاع الكهرباء، وعن بناء إدارة عامة كفوءة، تبدو اليوم أكثر قدرة على فرض رسوم جديدة منها على فرض المساءلة. هذا التناقض يغذي الإحباط، ويدفع الناس إلى الشارع.
"لبنان.. عِشْ يا فقير" ليست مجرد عبارة ساخرة، بل توصيف لواقع يشعر فيه المواطن بأن المطلوب منه هو التكيّف الدائم مع الخسارة. خسارة في العملة، في الدخل، في الخدمات، والآن في كلفة التنقل والاستهلاك. لكن المجتمعات لا يمكن أن تستمر على هذا النحو إلى ما لا نهاية. فالاستقرار الاقتصادي يتطلب عقداً اجتماعياً واضحاً، يوزّع الأعباء بشكل عادل، ويقترن بإصلاحات فعلية، لا بإجراءات موضعية. في نهاية المطاف، ليست المشكلة في زيادة هنا أو ضريبة هناك، بل في غياب رؤية متكاملة للخروج من الانهيار.
من دون هذه الرؤية، ستبقى كل زيادة شرارة محتملة لاحتجاج جديد، وكل قرار مالي موضع شك ورفض. أما إذا أرادت الدولة استعادة ثقة مواطنيها، فعليها أن تبدأ من مبدأ بسيط: لا إصلاح من دون عدالة، ولا جباية من دون مساءلة، ولا استقرار من دون حماية اجتماعية حقيقية. وفي بلدٍ أنهكه الفقر، قد يكون السؤال الأهم اليوم: إلى متى يُطلب من الفقير أن يتحمّل وحده كلفة الانهيار؟

Related News
هجوم بسكين في أمريكا ينتهي بمقتل 4 أشخاص ومصرع المنفذ
al-ain
15 minutes ago