مذكرات ماري منيب... التفاتة إلى فن التمثيل في العشرينيات
Arab
2 weeks ago
share
التقت ماري منيب (1905 - 1969)، نجيب الريحاني أول مرة عند بلوغها الـ14 عاماً، لكنه رفض أن تعمل بفرقته المسرحية. مرت 15 عاماً قبل اللقاء الثاني، فوافق على مضض، بعد اختبارها في دور صغير. سبب ذلك أن الممثل حسين إبراهيم، الذي اشتهر بتمثيل دور المرأة البلدية التي تجيد أداء مشاهد الردح (الشجار) بكل أنواعه، اختلف مع الريحاني، فترك الفرقة غاضباً. وعندما بدأ الأخير البحث عن ممثل بديل، قال له بديع خيري: لماذا لا نبحث عن ممثلة بدلاً من البحث عن ممثل؟ هكذا، رُشّحت ماري منيب لدور صغير في مسرحية "الدنيا لما تضحك". آنذاك، قدم الريحاني لها نصيحته الذهبية: توقّفي عن التنقل بين الفرق، لأنه سيضيّع معالم شخصيتك. نصيحة تكشف لماذا لم تصنع منيب مجدها في الـ15 عاماً السابقة على لقائها الريحاني، وظلّت ممثلة ومطربة مغمورة، رغم امتلاك زوجها فرقة مسرحية، كانت لسنوات بطلتها الأولى، وحقّقت مكاسب مادية ضخمة. ورغم أنها عملت مع فرق أخرى شهيرة، لعلي الكسار، وأمين عطا الله، وبشارة واكيم، و"رمسيس" ليوسف وهبي، وفاطمة رشدي، وإن في مواسم قليلة، إلا أنها لم تنل ذلك المجد إلا بعد ذلك. بهذا الدور، كشفت ماري منيب عن مواهبها التمثيلية، حتى أن الريحاني (شاركته بطولة ثلاثة أفلام له) طلب كتابة أداور خاصة بها، فرَسَخ اسمها بصفتها أشهر حماة ونجمة كوميدية، في مسيرة فنية امتدت لـ35 عاماً، شاركت فيها بنحو 200 فيلم، واشتهرت بدور المرأة الشريرة خفيفة الظل. استِعادة هذا متأتية من صدور "مذكرات ماري منيب"، التي جمعها وحققها وقدّمها محمد دياب (دار المرايا، 2026، 288 صفحة)، استناداً إلى المذكرات المنشورة في مجلتي "الجيل الجديد" (1954)، و"الكواكب" (1960). للكتاب أهمية، لضمّه مذكرات إحدى أيقونات الكوميديا في المسرح والسينما المصريين بالقرن الـ20، التي كلّما عُرضت أعمالها، امتلأت نفوس المشاهدين/ المستمعين بهجةً طاغية. صحيح أنه يجب التعاطي مع مذكرات الفنانين بحذر. لكن قراءة متأنية لما تحت كتابة منيب، في مذكراتها ومقالاتها القليلة، تطرح تساؤلات عدة: مَن كتب لها المذكرات؟ أكانت تملي على محرّر فني، أم فعلت ذلك بنفسها، رغم أنها لم تكمل دراستها (توقفت في سن باكرة)؟ هل اخترعت مشاهد خيالية لجذب القراء، كما فعلت مع مشاهد الزار والمشعوذين، وعلاقتها المضطربة بزوجها؟ أهناك قطيعة أبدية مع عائلة الأم، عقب امتهان البنات التمثيل؟ لماذا تضاربت مواقف الأم منها في المذكرات؟ لماذا اختفت الجدة تماماً من النص الثاني، وحُمّلت نظرتها وآراؤها على شخصية الأم؟ تشي قراءة المذكرات بأمور أخرى: النظرة الدونية لفن التمثيل في عشرينيات القرن الـ20، رغم الإقبال الجماهيري وتعدد الفرق المسرحية، وهذا يكشف التناقض. يتضح ذلك في نظرة الوالدة لفن التمثيل، منذ كانت ابنتاها، ماري وأليس، في مدرسة الراهبات (ص. 39)، اللتين رُشّحتا لأدوار قليلة، لكن الأم رفضت وعاتبت الراهبات على تعليمهن الفتيات التمثيل. وعندما سكنت بجوارهن ممثلة كبيرة (كانت بريمادونا أكبر فرقة آنذاك)، كانت ماري وأختها تتلصّصان عليها كل صباح، وإذا رأتهما الأم مصادفة، كانت تضربهما، إلى درجة أنّها (الأم) أغلقت الشرفة بالمسامير. وعندما صفّفت الابنة الكبرى شعرها كما فعلت الممثلة، شعرت الأم بالخطر، وقرّرت ترك المنزل والانتقال إلى آخر (ص. 41). هناك حوار يؤكّد تلك النظرة بين الأم والممثل جبران نعوم، مدير فرقة الريحاني آنذاك (ص. 43). في الصفحة 93، يظهر أن فوزي منيب، زوج ماري ـ ابن عائلة كبيرة، ووالده (محمد) يعمل في وزارة الداخلية موظفاً كبيراً ـ هرب من أسرته ليُمثل بطلاً أول، وسريعاً أنشأ فرقته المسرحية. وعند زواجه من ماري، أصرّت العائلة على أن يتوقفا نهائياً عن التمثيل، فتحمّلا هذا الوضع عاماً، قبل عودتهما إليه سرّاً في البداية. تذكر ماري منيب أنه عندما كان فوزي يتفق على تنظيم حفلة أو اثنتين، لم يكونا قادرين على إخبار والديه بأنهما "ذاهبان للتمثيل"، بل "لزيارة والدتي في الإسكندرية" (ص. 96). هناك أيضاً ردة فعل الخال عند زيارته بيروت ليطلب من أخته، بل ليمنعها من ترك ابنتيها تمثّلان. إذاً، كيف ولماذا سمحت الأم لماري وأليس أن تمثّلا؟ الحاجة المادية، والظروف الصعبة، خاصة بعد وفاة الأب ونفاد المدخرات، ما أرغم الأم على الرضوخ لهذا الاقتراح، الذي ظلت تعتبره مهنة مؤقتة، لم تكن تحترمها. كانت تنتظر فرصة تزويج ابنتيها من شخصين مسؤولين، فتتوقفا عن التمثيل. هذا حصل مع الابنة الكبرى. لكن قصة الحب الملتهبة، المعقدة والمؤلمة، التي عاشتها ماري مع حبيبها فوزي، وانقيادها إلى سحرة ومشعوذين لفترة، جعلتها تواصل المشوار، حتى التقت الريحاني، فتبدّل مسار حياتها. أمر لافت في الكتاب: اعتراف ماري بسرقة نصوص مكتوبة، وتأكيدها أن هذا شائع بقولها: "لم تكن هناك قوانين تحمي الملكية الأدبية وحقوق التأليف والتمثيل. فرقتنا أيضاً مثلت مسرحية (العشرة الطيبة) بعد سرقتها من سيد درويش، مثّلت فيها دور ست الدار، ومسرحيات أخرى كثيرة كانت تملكها الفرق الأخرى" (ص. 219). هناك تقاطعات بين نصيّ مذكرات 1954 و1960. لكن، يبدو أن طبيعة الوسيط الصحافي ساهمت في صياغة شكل المذكرات وحجمها ومضمونها. فالأول (الجيل الجديد، 16 حلقة)، عن علاقة الحب بين ماري سليم حبيب نصرالله وفوزي منيب، النجم الأول لفرقة أمين عطا الله (120 صفحة من أصل 170)، وتطرّق لكل المعوقات والمكائد والغيرة وغرام أخريات وهجرها، ووفاة طفلتها بعد إرضاعها أحزانها، وتوقفها عن التمثيل، ثم العودة اليه بعد بيعها كل ما تملك، وصارت شقتها من دون أثاث. الثاني (الكواكب) اختصر علاقتها بزوجها الأول فوزي في صفحات قليلة جداً، أسقطت فيه دور الجدة تماماً، مخصّصة صفحات للحديث عن أهمية الريحاني. يُلاحظ في النسخة الأولى أنها أغفلت الحكي عن الأدوار التي أدّتها، وعن فن التمثيل، إلا في شذرات عابرة. بينما في المنشور بالكواكب، تحدّثت عن جهود الممثلين وأصحاب الفرق: فاطمة رشدي تحكي عنها (ص. 332): "لمست الجهد الكبير الذي تبذله رشدي والتضحيات الجسيمة التي تبذلها راضية في سبيل الفن، وإلى جانبها شيخ الممثلين عزيز عيد، الذي تتلمذ على يديه جميع الممثلين الذين ظفروا بمكانة كبرى بفن التمثيل المسرحي، ثم التمثيل السينمائي، ووصل الكثير منهم إلى القمة". رغم أهمية المذكرات، لما فيها من وقائع وتفاصيل كاشفة، ومن حوارات خفيفة الظل، لم يُقدّم محمد دياب (يسبق اسمه على الغلاف أوصاف: جمع وتحقيق وتقديم)، أي تحقيق جوهري فيها، مكتفياً بذكر تضارب تفاصيل انحاز إلى بعضها، من دون تقديم دليل أو توضيح السبب. هذا يعيدنا إلى حقيقة عدم فهم كلمة "تحقيق"، وعدم القدرة على تحمّل مسؤوليتها الشاقة والمرهقة، بعكس الجهد والبحث والتحري الذي فعلته نهاد صليحة في قراءة مذكرات فاطمة سري وتحقيقها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows