مصانع الطحن في اليمن: إنهاك المخزون السمكي وتهديد لمعيشة آلاف الصيادين على سواحل شرق اليمن - تتبع عبر المصادر المفتوحة
Facts
3 weeks ago
share
أُنتِج هذا التحقيق بدعمٍ وتمويلٍ من مركز بوليتزر، وأعدّه الصحفي الاستقصائي محمد حفيظ، فيما شارك فريق منصة مُسند تتبّع المصادر المفتوحة تمهيد: بتاريخ 31 يوليو/تموز 2024م، أصدر سالم عبدالله السقطري، وزير الزراعة والري والثروة السمكية، قرارًا وزاريًا يقضي بمنع إنشاء مصانع طحن الأسماك وتوقيف المصانع القائمة وتنظيم تصدير منتجاتها في محافظتي حضرموت والمهرة، بهدف حماية الثروة السمكية وتأمين السوق المحلي. غير أن هذا القرار، الذي بدا في ظاهره إجراءً تنظيميًا وبيئيًا، فتح بابًا لأسئلة أعمق حول حجم هذا القطاع، ومن يقف خلف مصانع الطحن، ولماذا استدعى الأمر تدخّلًا حكوميًا على هذا المستوى. من هنا، بدأ تحقيق منصة مُسند، متتبعًا مسار المصانع، قدراتها الإنتاجية، ملكياتها المعلنة والفعلية، وسلاسل التصدير العابرة للحدود، لفهم ما يجري خلف هذا النشاط الصناعي المثير للجدل. وبعد أشهر قليلة من صدور قرار الإغلاق، صدر قرارٌ آخر من الوزارة لمعالجة أوضاع مصانع طحن الأسماك والسماح باستئناف عملها، بموجب أوامر وتوجيهات من عيدروس الزبيدي، عضو مجلس القيادة الرئاسي حينها. هذا التحوّل في مسار القرارات، والتركيز المتزايد على هذا النوع من المنشآت، دفع فريق منصة مُسند إلى التحرّي عن طبيعة هذه التوجيهات، رغم التقرير الوزاري المسبق الذي وثّق حجم الأضرار البيئية المترتبة على نشاط مصانع الطحن، وخلص إلى عدم إعادة تشغيلها. تتبع عبر المصادر المفتوحة: وانطلاقًا من منهجية منصة مُسند القائمة على تتبّع الأثر والنتائج، أجرى الفريق بحثًا موسّعًا عبر المصادر المفتوحة، بدأ من خلاله رصد وتتبع مصانع طحن الأسماك العاملة أو المزمع تشغيلها، بهدف تقييم آثارها البيئية ومدى توافق نشاطها مع المعايير البيئية المعتمدة. وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن نحو 667.000ألف شخص من الصيادين وأفراد أسرهم يعتمدون بشكل مباشر على البحر كمصدر أساسي لكسب قوتهم اليومي، ما يضع أي توسّع غير منضبط في هذا النوع من الصناعات تحت مجهر التأثير المعيشي والاقتصادي. كما أظهر الرصد أن مصانع الطحن تتركّز على طول الساحل الشرقي لليمن، وتحديدًا في محافظتي حضرموت والمهرة، وهما المحافظتان الأكثر إنتاجًا للأسماك في البلاد، إذ تشكّلان معًا نحو 60% من إجمالي الإنتاج السمكي في اليمن، وفق البيانات القطاعية المتاحة. شركات ومصانع الطحن: وفقًا لتقرير اللجنة الوزارية المُشكَّلة من قبل وزير الزراعة والثروة السمكية لمعاينة مصانع الطحن ميدانيًا في محافظتي المهرة وحضرموت عام 2024، تعرّفنا على المصانع والشركات المذكورة، والمحددة بعشرة مصانع طحن وشركات سمكية. كما حصل فريق منصة مُسند على وثائق تُظهر أن القدرة الإنتاجية لمصانع الطحن تتراوح بين 50 و400 طن يوميًا للمصنع الواحد. وتمثّل هذه الطاقة التشغيلية ضغطًا يفوق القدرة الاستيعابية الطبيعية للمخزون السمكي على التعافي، وفق معايير الاستدامة المعتمدة لدى منظمة الأغذية والزراعة. ويؤدي هذا الخلل إلى عمليات جرفٍ مكثفة تطال الأسماك بمختلف أحجامها، لتلبية الطلب الصناعي، ما يُخلّ بالتوازن البيئي ويؤثر مباشرة على استدامة المصايد وسبل عيش الصيادين. ووفق بيانات التقرير، فإن شركات ومصانع الطحن في حضرموت والمهرة، الصادر في العام (2024)، تشير إلى أن مصانع الطحن صدّرت خلال خمسة أعوام ابتداءً من 2019 إلى 2023. اعتمادًا على الأرقام الظاهرة في الجدول(2019-2023) إجمالي مسحوق السمك 44.436.435 (كجم) إجمالي زيت السمك 12.201.288 (لتر) لكن من يملك هذه المصانع؟ سؤالٌ فرض نفسه بقوة، ووسّع نطاق التحقيق، دافعًا فريق منصة مُسند إلى تكثيف الجهد لتتبّع هياكل الملكية والتمويل في هذا الملف الحسّاس. وتشير المعطيات الأولية وأنماط التمركز والقدرات التشغيلية إلى أن ما يجري يتجاوز قدرة رجال الأعمال ورؤوس الأموال الوطنية على تنفيذه منفردين، ويكشف عن مؤشرات نفوذ لقوى خارجية تقف خلف هذا النشاط الصناعي واسع التأثير. غير أن تقرير اللجنة الوزارية نفسه نقل، على لسان صغار مُصنّعي الأسماك المحليين في حضرموت، في لقاء جمعهم مع اللجنة الوزارية، أن المالك الفعلي لجميع مصانع الطحن في المهرة وحضرموت شخص يُدعى مهدي حسني، دون إيراد أي تفاصيل إضافية أو مستندات داعمة. وأظهر التتبّع أن مهدي حسني رجل أعمال إماراتي، ويشغل منصب المدير التنفيذي لقسم التصنيع في مجموعة شركات حسني المسجّلة في الإمارات العربية المتحدة، والمتخصصة في الصناعات الغذائية، وتدير مجموعة شركات تعمل تحت مظلة واحدة. وتبيّن أن الشركة تملك مجموعة شركات تعمل تحت مظلة واحدة، ما يفتح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الارتباط بين هذه الكيانات والأنشطة الصناعية القائمة في قطاع الطحن على السواحل اليمنية. ومن خلال الوثائق التي حصلنا عليها من مصادر خاصة عبر منافذ التصدير الحدودية مع سلطنة عُمان والتي نتحفّظ على نشرها، تشير إلى أن شركة شبه الجزيرة العربية للمنتجات البحرية في المهرة عملت على تصدير كميات كبيرة من طحين وزيت السمك خلال العام 2025 إلى شركة ظفار للصناعات السمكية والغذائية المسجّلة في سلطنة عُمان، وهي ذات الشركة المستلمة لصادرات المصانع من دقيق وزيت الأسماك، إضافة إلى شركة اللوهة المسجّلة في سلطنة عُمان. وبالتحقق من تبعية هذه الشركات ونشاطها، أجرينا بحثًا وتتبعًا باستخدام المصادر المفتوحة، وتبيّن أن الشركتين تابعتان لمجموعة حسني الإماراتية، التي يدير قسم التصنيع فيها مهدي حسني. وتوصّلنا من خلال المصادر المفتوحة إلى أن مهدي حسني يملك 50% من شركة اللوهة، ويشغل منصب رئيس مجلس الإدارة في شركة ظفار. وفي شركتي ظفار واللوهة، وجدنا أن مجموعة شركات حسني الإماراتية استحوذت عليهما خلال الأعوام الماضية. يبقى التحقيق أمام سؤالٍ أخير لا يمكن تجاوزه: إذا كانت الأضرار البيئية قد وُثِّقت رسميًا، وإذا كانت سلاسل التصدير تشير إلى مستلمين محددين خارج الحدود، فإلى أي مدى ستواصل مصانع الطحن نشاطها بمعزل عن الشفافية والمساءلة؟ وهل ستقف عند حدود قرارات وزارية متبدّلة، أم أنها محكومة بشبكة مصالح تتجاوز الاعتبارات البيئية وحقوق الصيادين والسوق المحلي؟ وفي صلب هذه الأسئلة تبرز نقطة مفصلية: ما طبيعة التوجيهات التي أعادت تشغيل المصانع بعد قرار الإيقاف؟ وهل كان قرار الاستئناف إجراءً إداريًا، أم استجابة لترتيبات تخدم مسار التصدير والجهات المستفيدة خارجيًا؟ ثم إلى أي حد ارتبطت تلك التوجيهات، المنسوبة إلى عيدروس الزبيدي حينها، بإعادة تشغيل المصانع بما ينسجم مع مصالح خارجية، وفي مقدمتها الإمارات، أم أن هناك مبررات محلية لم تُكشف للرأي العام بعد؟  

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows