فيليب روث.. التآمر على أميركا
Arab
1 day ago
share

في روايته "التآمر على أميركا" (2004)، التي صدرت عربياً عن "دار المدى" (2021)، بترجمة الراحل أسامة منزلجي، يتخيّل الكاتب الأميركي فيليب روث فوز الطيار الأسطوري تشارلز ليندبيرغ في انتخابات 1940 الرئاسية بدلاً من فرانكلين ديلانو روزفلت، ما يدفع أميركا نحو تحوّل فاشي تحت قيادة ليندبيرغ الذي يتبنّى سياسات معادية للقيم الديمقراطية. وعلى الرغم من أنّ الرواية تنتمي إلى التخييل التاريخي، فإن أوجه التشابه بين أحداثها وفترة حكم دونالد ترامب تجعل منها تنبؤاً محتملاً لما يحدث في السياسة الأميركية في حال استمرار التأثيرات الشعبوية.

تبدأ الرواية بمسار تاريخي بديل، إذ يتنافس ليندبيرغ ضدّ روزفلت في انتخابات 1940، وبدلاً من الانخراط في الحرب العالمية الثانية، يقدّم ليندبيرغ نفسه شخصيةً مؤيدةً للانعزالية ويضع "أميركا أولاً" شعاراً لحملته الانتخابية، لكن هذه السياسة تتحوّل تدريجياً إلى أيديولوجية فاشية، إذ تُستبدل بالقيم الديمقراطية قيمٌ تتسم بالعدوانية والعنصرية، ويبدأ المجتمع الأميركي بالتفكّك والتحوّل إلى طائفة من المعجبين بزعامات قومية استبدادية.

تشابهات عديدة تظهر بين الرواية وفترة حكم ترامب، إذ يتبنّى ترامب سياسة "أميركا أولاً"، ويركّز على تقليص دور الولايات المتحدة في الشؤون العالمية، وإعادة فرض حدود مشدّدة على الهجرة، كما يعزّز الخطاب الشعبوي الذي يعزّز الانقسام داخل المجتمع الأميركي، مستهدفاً المهاجرين والأقليات خصوصاً. ترامب، مثل ليندبيرغ، يكثّف الهجمات على الصحافة والسلطات القضائية، ما يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية.

في الرواية، تُستَبدل بالقيم الديمقراطية سياساتٌ استبدادية تدريجياً، وتُصوَّر الشخصيات الأميركية على أنها تتقبل التغييرات ببطء، بدءاً من قبول حكم ليندبيرغ على أنه مجرّد تغيير سياسي، لكن سرعان ما تنكشف تداعياته الخطيرة. هذا الانحدار البطيء نحو الاستبداد يبدو مشابهاً للغاية للسياسات التي يتبعها ترامب، إذ يتبنى نهجاً يميل إلى تقويض سيادة القانون وفصل السلطات، إذ حاول مرات عديدة ممارسة ضغوط على القضاء وتدخل في نتائج الانتخابات، كما أطلق هجماته على المؤسسات التي كانت تعتبر رموزاً للاستقلالية.

مقاربة تحولات المجتمع الأميركي تحت حكم ليندبيرغ وترامب 

تستمر الرواية في تصوير التحولات في المجتمع الأميركي تحت حكم ليندبيرغ من خلال التوجّه نحو سياسات معادية للسامية والتمييز العنصري. لتلتقي مع فترة حكم ترامب وتصاعد الخطاب العنصري ضدّ الأقليات، بما في ذلك المسلمين والمهاجرين من دول معينة. تصريحات ترامب حول الهجرة غير الشرعية تتضمن نوعاً من التعميم العنصري الذي يعيدنا إلى جوّ الرواية، فالمجموعات العرقية والأقليات تصبح ضحايا للتمييز.

هكذا ينشأ انقسام داخل المجتمع الأميركي حول المواقف السياسية، ما يؤدي إلى توتر كبير. في الفترة الحالية، يشهد هذا المجتمع تفاقم الاستقطاب السياسي نتيجة خطاب ترامب الذي يعزز الانقسام بين الليبراليين والمحافظين، ما يؤدي إلى حدوث اضطرابات في الشوارع، كما وقع خلال الاحتجاجات على نتائج الانتخابات في 2020 وأحداث "الهجوم على الكونغرس" في يناير 2021.

تقدم الرواية تحذيراً من الطريقة التي يمكن أن تتسلل بها الأنظمة الاستبدادية في ظل سياسات شعبوية، وبالنظر إلى التحديات السياسية التي تشهدها الولايات المتحدة، يمكن اعتبار الرواية درساً في ضرورة الدفاع عن الديمقراطية في وجه التهديدات الشعبوية المتنامية.

 

* شاعر من المغرب

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2025 © Yemeni Windows