
"احتكار ما هو مكتوب، والفصل الصارم بين المنطوق والمكتوب، يُنتِج مجتمعاً لغوياً نرجسياً يُحبس في قاعة المرايا والتماهيات الخيالية". من هذه الفكرة تنطلق الباحثة اللبنانية ناديا بوعلي في كتابها "قاعة المرايا: التحليل النفسي وحبّ اللغة العربية"، الصادر حديثاً عن "دار الرافدين" في بيروت، بترجمة أنجزها محمد ناصر الدين.
يتألّف الكتاب، الصادر بالإنكليزية أولاً عن "منشورات جامعة إدنبرة" (2019)، من مقدّمة بعنوان "مرآة اللغة"، وأربعة فصول، هي: "الأدب باعتباره حفاراً لا يرحم للثقافة: من النمط اللاأدبي إلى الأرض المنقوبة"، و"لماذا توجد اللالانغ بدل اللاشيء؟ حبّ اللغة واللالانغ"، و"اختراق نقطة الاصطدام: العلاقة (اللا)جنسية"، و"لاهوت نفساني ليبرالي"، بالإضافة إلى خلاصة عن "تجريدات الإنسان الاقتصادي".
يوضّح الكتاب أن وضعية "التماهيات الخيالية" تُعيق بشكل أساسي ظهور ثقافة راهنة، بل يحصرها في دائرة متعالية تتماثل فيها شروط إمكانية المعنى، بشروط إمكانية التجربة. كما يقترح أن ثمّة ذاتاً لا واعية تكتب نفسها في اللغة العربية الحديثة، من خلال انفجار عوارضي (مرضي) للقلق بشأن اللغة والثقافة مبتدئةً في الحركة الفكرية في القرن التاسع عشر المعروفة بـ"النهضة". ذاتٌ لا واعية تكتب، لكنها لا تستطيع قراءة ما تكتب، ولا تمتلك معرفة بالنفس، وضمن هذا السياق، تطوّر الباحثة قراءتها لنموذجَي أحمد فارس الشدياق (1805 - 1887) وبطرس البستاني (1819 - 1883).
هوّة بين العربية المنطوقة والمكتوبة رسّخت لنمط من الهيمنة
وتعود ناديا بوعلي إلى المُحلل النفسي المصري مصطفى صفوان، الذي رأى في كتابه "لماذا العرب ليسوا أحراراً؟"، أنّ الهوّة القائمة بين العربية المنطوقة والأُخرى المكتوبة ترسّخ لنمط من الهيمنة تأمر بـ"عبودية مختارة"، لدالٍّ رئيس: دالٌّ يُجسّد حرفياً في صورة القائد. وتُبيّن بوعلي أن فصل العربية المكتوبة عن المنطوقة، وفقاً لصفوان، خلق نوعاً من الثقافة أو الفلك الرمزي للمجتمع الذي تكون اللغة وسيطه بشكل أساسي. كما أن استيلاء الدولة على الخطاب يسلب الشعب إمكانيّات التغيير.
كذلك تلفت الباحثة إلى مساهمة صفوان، عام 1992، بترجمة مقالة "في العبودية المختارة" لإيتيان دي لابويسي إلى العربية، في محاولة للتعامل مع الإيمان غير القابل للمساءلة في صورة الزعيم الموحَّد للجموع في العالم العربي. وفي سياق التحليل النفساني، يفترض صفوان أنّ ثمّة علاقة أساسية بين اللغة والقانون. لا يعمل الاستبداد من خلال القوة القسرية فحسب، ولكن من خلال فرضه لدالّ رئيس متعالٍ، يأمر بشكل "طوعي" من أشكال العبودية.
حازت ناديا بوعلي ماجستير في الأنثربولوجيا من "الجامعة الأميركية" في بيروت عام 2008، قبل أن تُكمل الدكتوراه في الدراسات الشرقية بـ"جامعة أكسفورد". تعمل حالياً أستاذة مشاركة ومديرة برنامج العلوم الإنسانية النقدية للفنون الليبرالية في "الجامعة الأميركية" ببيروت. ساهمت في تحرير كتاب "لاكان ضد فوكو: الذاتية، الجنس، والسياسة" (2018)، و"الحميمية الخارجية: لقاءات بين التحليل النفسي والفلسفة" (يصدر قريباً عن "منشورات جامعة نورث وسترن").

Related News
