هل يقود بيدرو سانشيز توجهاً أوروبياً جديداً في مواجهة ترامب؟
Arab
1 hour ago
share
لم يكن خطاب بيدرو سانشيز، عشية تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمرة الثانية، حدثاً عابراً في روزنامة السياسة الأوروبية. فحين حذّر رئيس الوزراء الإسباني من "التكنوقراطية الرقمية" وسلطة الخوارزميات التي تتحكم في النقاش العام وتؤثّر في القرار السياسي، كان يطلق تنبيهاً تقنياً، وفي الوقت نفسه، يفتح جبهة سياسية جديدة في العلاقة عبر الأطلسي. صحيح أن سانشيز لم يذكر إيلون ماسك ولا منصّة "إكس" بالاسم، لكنه أشار بشكل واضح إلى أن النفوذ التكنولوجي الأميركي بات تهديداً مباشراً لمبدأ التمثيل الشعبي والديمقراطية الأوروبية. كان خطاب سانشيز في لحظة أوروبية حساسة، خصوصاً مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بخطاب أكثر حدّة ورؤية أكثر أحادية، وهو ما يفرض على أوروبا إعادة طرح أسئلة مؤجّلة حول موقعها، وحدود تبعيتها، وقدرتها على استقلالية القرار، والدفاع عن نموذجها السياسي ومصالحها الاستراتيجية. في خضم هذا المشهد، يحاول رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز أن يقدّم نفسه بوصفه أحد أكثر القادة الأوروبيين سعياً إلى بلورة مسار مختلف، لا يقوم على الصدام المباشر مع واشنطن، ولا يكتفي في الوقت نفسه بدور التابع القَلِق. وتمكن قراءة هذا الخطاب الإسباني المتضارب نسبياً مع المصالح الترامبية تحولاً في المقاربة السياسية الخارجية الإسبانية: فالقضية لم تعد تقتصر على تنظيم السوق الرقمية وباتت مرتبطة بالسيادة السياسية نفسها. وهو ما يضع سانشيز في موقع متقدّم داخل نقاش أوروبي لا يزال متردداً في مواجهة الشركات العملاقة العابرة للحدود، التي باتت تملك من القدرة على التأثير ما يفوق أحياناً قدرة الحكومات المنتخبة. ملف الأطلسي في ملف حلف شمال الأطلسي (ناتو)، يتّخذ سانشيز موقفاً واضحاً: إسبانيا تؤكّد التزامها بالتحالف، لكنّها ترفض منطق الابتزاز المالي الذي يروّج له ترامب، والقائم على رفع الإنفاق الدفاعي بوصفه معيار الولاء السياسي. وقد شدد سانشيز مراراً على أنَّ الأمن لا يُختزل في الأرقام، ولا يُقاس بنسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي. بالنسبة للأمين العام للحزب العمالي الاشتراكي، فهو يرتبط بالتماسك الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي وحماية الدولة الاجتماعية. يضع هذا الطرح مدريد على مسافة محسوبة من الرؤية الأميركية، ويمنحها هامشاً للمناورة داخل أوروبا، حيث تتنامى أصوات ترى أن عسكرة القارّة من دون رؤية سياسية جامعة قد تزيد من هشاشتها بدل أن تحميها. وهو ما يجعل الموقف الإسباني أقرب إلى محاولة إعادة تعريف مفهوم الأمن الأوروبي، لا مجرد إعادة توزيع أعبائه. غزة والموقف الإسباني غير أن التحوّل الأوضح في سياسة سانشيز الخارجية يتجلّى في موقفه من فلسطين. فقد كانت إسبانيا من أول الدول الأوروبية التي وصفت ما يجري في غزّة بأنه إبادة جماعية، وذهبت أبعد من ذلك بدفعها العلني نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في خطوة كسرت إجماعاً أوروبياً طويلاً على التريث والالتفاف اللغوي. وإضافة إلى رمزية الموقف، فهو يشكّل تحدياً مباشراً للخط الأميركي الداعم بلا شروط لإسرائيل، كما أنه رسالة بأن دول أوروبية بعينها قادرة على اتخاذ مواقف مستقلة حتى عن الاتحاد، عندما يتعلّق الأمر بالقانون الدولي وحقوق الشعوب. في السياق نفسه، حرصت مدريد على عدم الانخراط في مبادرات دولية فضفاضة تحت عنوان "مجلس السلام" أو المسارات الشكلية التي تُفرغ فكرة التسوية من مضمونها، مفضّلة الدفع نحو مواقف سياسية واضحة بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة. هذا التوجّه يندرج ضمن رؤية أوسع ترى أن غياب الحسم السياسي لا يخدم السلام، إنما يكرّس موازين القوة القائمة. حرب أوكرانيا أما في موضوع الحرب الأوكرانية، فتقف إسبانيا ضمن المعسكر الأوروبي الداعم كييف، لكنها تحافظ على لهجة أقل اندفاعاً من واشنطن. فسانشيز، وإن دعم العقوبات والمساعدات، ظل يؤكد ضرورة البحث عن أفق سياسي للحرب، وعلى أن استمرار النزاع المفتوح يستنزف أوروبا بقدر ما يستنزف روسيا. هذا التمايز في الخطاب لا يرقى إلى معارضة السياسة الأميركية، لكنه يعكس رغبة في عدم الارتهان الكامل لها، وفي الإبقاء على مساحة أوروبية خاصة للمناورة السياسية. ويكتسب هذا الخطاب وزناً إضافياً حين يُقرأ في ضوء الوضع الاقتصادي لإسبانيا. فبعد سنوات من الأزمات، بات الاقتصاد الإسباني من بين الأسرع نمواً في منطقة اليورو، مستفيداً من الاستثمارات الأوروبية، وبرامج التحول الطاقي، وتحسن سوق العمل. لا شك أن هذا الاستقرار النسبي يمنح حكومة سانشيز هامش حركة أوسع، ويتيح لها لعب دور سياسي يتجاوز حجمها التقليدي داخل الاتحاد. مع ذلك، فإن تحويل هذا الخطاب إلى قيادة أوروبية فعلية يظل تحدياً كبيراً. فأوروبا منقسمة، وتوازناتها معقّدة، ولا تزال دول عدة تفضّل الاحتماء بالمظلّة الأميركية على خوض مغامرة الاستقلال الاستراتيجي. لكن الواضح أن سانشيز يحاول استثمار حماقة ترامب لطرح سؤال أوروبي جوهري: هل تملك القارة الإرادة السياسية لتكون شريكاً نداً، أم ستبقى أسيرة علاقة غير متكافئة مع واشنطن؟ في المحصلة، قد لا يكون بيدرو سانشيز قائداً لجبهة أوروبية موحّدة في مواجهة دونالد ترامب، لكنه يقدّم نفسه بوصفه أحد أبرز الأصوات الساعية إلى إعادة تعريف هذه المواجهة. فهي، في رؤيته، لا تقوم على القطيعة مع واشنطن، بل على تقليص التبعية، والدفاع عن السيادة الأوروبية، وربط الديمقراطية في الداخل بالعدالة في الخارج. ويظهر هذا المنحى بوضوح في رفضه أي منطق استعلائي في العلاقات عبر الأطلسي، سواء تجلّى في الضغوط الدفاعية، أو في النفوذ التكنولوجي، أو في التشكيك الأميركي الأخير بسيادة دول أوروبية، كما حدث في ملف غرينلاند الذي أعاد إلى الواجهة سؤال احترام الحدود والاتحاد والسيادة داخل الفضاء الغربي نفسه. قد لا يتحول هذا المسار إلى سياسة أوروبية جامعة في المدى القريب في ظل الانقسامات العميقة داخل الاتحاد، لكن الأكيد أنه يفتح نقاشاً لم يعد ممكناً تأجيله: نقاش حول موقع أوروبا في عالم يتغيّر، وحول ما إذا كانت قادرة على أن تكون شريكاً نداً، لا تابعاً، في علاقتها مع الولايات المتحدة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows