Arab
يلتزم آلاف المحامين في المغرب بالتوقف الشامل عن تقديم الخدمات لمدة أسبوع، رفضاً لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم المهنة، وما يتضمنه من مساس بجوهر المحاماة واستقلاليتها، وسط دعوات لحلول عاجلة.
دخل الاحتقان بين وزارة العدل والمحامين في المغرب منعطفاً جديداً، بعد التزام آلاف المحامين بقرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات لمدة أسبوع كامل، بدأ يوم الاثنين في 26 يناير/ كانون الثاني الجاري، رفضاً لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وما يتضمنه من مقتضيات وصفتها الهيئات المهنية بأنها "مقلقة وتمسّ جوهر المهنة واستقلاليتها".
وفي خطوة تكشف عن تصاعد حجم الاحتقان في أوساط هيئات المحامين حيال مشروع قانون المهنة وطريقة تدبير وزارة العدل، استأنف المحامون حراكهم الذي انطلق مع بداية يناير، بتوقف شامل عن العمل وتقديم الخدمات المهنية لمدة أسبوع كامل، وتنظيم وقفة احتجاجية اليوم الأربعاء في 28 يناير، بدعوة من جمعيات المحامين الشباب أمام مقر وزارة العدل في الرباط، على أن تُنظّم جمعية هيئات المحامين وقفة وطنية أمام البرلمان في 6 فبراير/ شباط المقبل.
وبينما تطالب هيئات المحامين بسحب مشروع قانون المهنة وإعادة طرحه في المسار التشاوري والتشاركي، من أجل تنقيته من الاختلالات، يبدو الوضع مقبلاً على مزيد من التصعيد، بعد تلويح تلك الهيئات بالذهاب إلى حد التوقف الشامل والمفتوح عن العمل في حال إصرار الحكومة على موقفها ومواصلة مسطرة التشريع.
وفي وقت لا تظهر فيه أي بوادر لتجاوز حالة الاحتقان، ينعكس توقف المحامين عن تقديم الخدمات المهنية لأسبوع كامل، سلبياً، على محاكم المملكة، لناحية الشلل التامّ وتداعياته على حقوق المواطنين ومصالحهم، من جراء تأخير العديد من الملفات المعروضة على القضاء، فيما لم يتمكن عدد من المتقاضين من تسجيل الدعاوى القضائية.
ويثير مشروع القانون 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة الذي كان قد أقرّه المجلس الحكومي في 8 يناير الجاري، جدلاً واسعاً ورفضاً قاطعاً من قبل جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في حين أكدت الحكومة أن المصادقة على المشروع جرت مع "أخذ مجموعة من الملاحظات بعين الاعتبار"، وأنها ستُبقي "الحوار مفتوحاً مع المهنيين إلى غاية انتهاء المسطرة التشريعية".
ومن المقتضيات الواردة في مشروع القانون، والتي أثارت استياء المحامين، تضمّنها عيوباً تمسّ باستقلالية مهنة المحاماة وبالمكتسبات التي حققتها، ومنح عدد من اختصاصات مجلس الهيئة التي ينتمي إليها المحامي إلى غير المجلس، ووجوب تبليغ وزارة العدل بعدد من قرارات النقيب والمجلس، لكونه يكرّس تبعيتها للحكومة. كذلك يعيب المحامون على المشروع تقليص مهام المحامي بدل توسيعها، والسماح للمحامين الأجانب بممارسة المهنة في المغرب من دون توفر الشروط اللازمة لذلك، وإمكانية الإذن لهم بفتح مكاتب من دون استشارة نقيب الهيئة.
كذلك، ينتقد المحامون المادة الـ72 من المشروع، التي تنص على أن كل أداء يفوق 10 آلاف درهم (نحو 1,100 دولار أميركي) يجب أن يتم بواسطة شيك أو بطريقة إلكترونية. ويشير المحامون إلى أنّ جميع زبائنهم لا يملكون حسابات بنكية، ما يجعل هذا المقتضى صعب التطبيق عملياً. وتتضمّن مطالب المحامين الدعوة إلى إقرار نظام ضريبي عادل يتناسب مع طبيعة مهنتهم، وتعزيز مكتسبات التغطية الصحية والاجتماعية، والحفاظ على مكانة المحاماة في التشريعات الإجرائية بدلاً من تقييدها.
وفي الإطار، يقول عضو مكتب جمعية هيئات المحامين في المغرب ومجلس هيئة المحامين بالرباط، عمر محمود بنجلون، لـ"العربي الجديد"، إنّ المشروع "متناقض" مع النص الدستوري، ويُعتبر "ردة على المسار الدستوري المغربي"، حيث ينص الدستور في المادتين 23 و120 على ضمان المحاكمة العادلة وحق الدفاع، وعلى استقلالية سلطة القضاء في المادتين 107 و117 من أجل حماية الأمن القضائي للأفراد والجماعات، كما يتبنّى مبادئ فصل السلطات وتوازنها.
وبحسب بنجلون، فإنّ مشروع قانون المحاماة يُضعف السلطة التأثيرية لرسالة الدفاع داخل النظام الدستوري والعدالة، ويُعتبر قانونياً وفقهياً وعلمياً ضرباً للنص الدستوري وللالتزامات الدولية التي صادق عليها المغرب، ولا سيّما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته 14 و"مبادئ هافانا" المنظمة لمهنة المحاماة من أجل ضمان استقلالية المحامين وحصانتهم.
ويضيف بنجلون: "إنّ دخول مشروع قانون المحاماة في نسق تشريعي متكامل لوزارة العدل يهدّد النظام الدستوري المغربي، إذ هناك محاولة لإعدام سلطة تأثيرية وسلطة موازنة وسلطة أخلاقية بهيئاتها المستقلة وهي سلطة الدفاع، إذ إن هيئاتها شبيهة بمؤسسات حكامة مستقلة عن الدولة، بالرغم من أنها فرع منها، من أجل توازن السلطة الائتمارية التنفيذية والقضائية في احترام لمبدأ فصل السلطات الدستوري الذي يحمي المجتمع والدولة وأمنهما القضائي".
ويرى الرئيس الوطني لـ"الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان" (غير حكومية) إدريس السدراوي، أن تصعيد هيئات المحامين هو "نتيجة طبيعية لاحتقان مهني عميق، ومحصّلة مباشرة لغياب التجاوب الجدي مع مطالب عادلة ومشروعة". ويشدد السدراوي في حديث خاص لـ"العربي الجديد" على أن مطالب المحامين تندرج في صلب الدفاع عن استقلالية المهنة، وضمان شروط ممارسة تحترم الدور الدستوري للمحاماة باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز العدالة، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الإملاء أو فرض الأمر الواقع.
ويتابع: "أدين بشكل واضح غياب حوار مؤسساتي مسؤول، وأحمّل وزارة العدل مسؤولية تفاقم هذه الأزمة، بسبب تجاهلها للآثار الخطيرة لهذا التوقف الشامل، خصوصاً على المتقاضين، من خلال تراكم الملفات، وتأجيل البتّ في القضايا، وضياع الحقوق، ولا سيّما بالنسبة للفئات الهشّة التي لا تحتمل مزيداً من الانتظار".
ويدعو السدراوي إلى فتح حوار مؤسساتي عاجل وجاد مع هيئات المحامين، ووقف كل الإجراءات الأحادية لحين التوصل إلى حلول توافقية، وإشراك المهنيين والفاعلين الحقوقيين في أي إصلاح تشريعي يهمّ منظومة العدالة. ويطالب بوضع مصلحة المتقاضين في صلب أي معالجة للأزمة، واعتماد تدابير استعجالية لتفادي ضياع الحقوق، وتغليب الحكمة والمسؤولية من قبل جميع الأطراف لتفادي المزيد من التأزّم.

Related News
ضمك يطلب ويسلي النصر… ويترقب الاستقطاب
aawsat
11 minutes ago