Arab
هل تعلمنا؟ لا يمكننا الحصول على إجابة "حقيقية" قبل "فرصة جديدة". الإجابات محض توقّعات، تستند إلى لحظتنا الراهنة لا المقابلة. من يدري؟ قد تكون الإجابة نعم، وأكثر ممّا كنا نتوقّع، وقد تكون لا.
تراجع الجميع، هذا ما لا يسعنا إنكاره. هل نستثني هنا بعض راديكاليين في صفوف الإسلاميين وغيرهم؟ ربما، لكن هؤلاء، على علو صوتهم، ليسوا سوى هامش عددي، قيمته أقل من ضرره. ولذلك دعنا منه مؤقّتاً؛ فهو، على كل حال، نتيجة لما قبله وحوله. أما نحن، ونحن هنا نضمّ "جميع" من تشاركوا ميادين الحرية، هؤلاء العالقون بين الصدمة وتجاوزها، فقد تراجعنا، وراجعنا، وتغيرنا.
يخبرنا عبد الفتاح السيسي بين حين وآخر أنه لم يخن، ولم يقتل، ولم يتآمر. ولكن لماذا؟ على من يردّ؟ على الإخوان المسلمين مثلًا؟ ما أهميتهم؟ ما قوتهم؟ ما خطرهم؟ وهل يردعهم ردُّه؟ بالطبع لا. على من يردّ إذن؟ على شباب الثورة؟ أغلبهم بين السجون والمنافي، وقد نجح إعلام "المتحدة" وكتائبه الإلكترونية في تقطيع جثثهم أحياءً وأمواتاً؛ فهم خونة وعملاء وإرهابيون وملحدون (يشفق عليهم السيد الرئيس). وحتى المسيحيون منهم مسجونون على ذمة قضايا انضمام إلى جماعة محظورة مع العلم بأهدافها. فلماذا يهتم الرئيس بالردّ عليهم؟ الواقع أن الرئيس يردّ على نفسه، على صوته الداخلي، على ما يعرف (أكثر من غيره) أنه ارتكبه.
لماذا فشلنا؟ كل الإجابات صحيحة: افتقاد الرؤية، عدم التنظيم، ترشّح "الإخوان"، الاكتفاء "الناشطي" بتسجيل الموقف بدلاً من المشاركة في تغيير حقيقي، المراهقة السياسية (والبيولوجية). قل ما شئت: فشلنا لأننا "ولاد كلب". لكن سبباً رئيساً ومركزياً وجذرياً يجري استبعاده عمداً، خوفاً من أصحابه أو من مزايدة التماهي مع رواية الإسلاميين، وهو موقف المؤسّسة العسكرية. وهنا أقصد موقف أعضاء المجلس العسكري من 25 يناير/ كانون الثاني 2011 حتى 3 يوليو/ تموز 2013... كيف كان؟
البديهية رقم 1: الجيش هو من يحمي؛ يحمي الحدود، ويحمي الدستور. والجيش "الوطني" هو من يدين قادته بالولاء للدستور، وتبدأ علاقته بالمجال العام حين ينتهك طرفٌ من أطراف الصراع السياسي دستور البلاد، وتنتهي مع ردّ هذا العدوان. البديهية رقم 2: أن السادة قادة المجلس العسكري "الوطنيين" لم يفعلوا ذلك يوماً واحداً، وكان أداؤهم "السياسي" منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة، ثم رحيل حسني مبارك، أداءَ طرفٍ في الصراع، لا حامياً لأطرافه، ولا ضامناً التزامهم بقواعده القانونية والدستورية.
لا نحتاج إلى مقارنة شهادات النُّخب السياسية (في الغرف المغلقة) عن اجتماعاتهم غير المُعلَنة مع قادة المجلس العسكري، وتأليب العساكر بعضهم على بعض؛ يكفينا تسريبات مسلسل "الاختيار" (الذي شارك الرئيس في كتابته). سؤال واضح: لماذا كان يسجّل قادتنا العسكريون المحترمون لرؤساء الأحزاب؟ تجرّ الإجابة غيرها: عن تسريبات أذاعها الإعلامي عبد الرحيم علي تتنصّت على مكالمات النشطاء، وتسريبات نشرها "أحد أعضاء المجلس العسكري" من طريق قنوات المعارضة المصرية في تركيا تتنصّت على مكتب السيسي وعبّاس كامل، وحكايات عن خطة ينفذها السيسي وتدعمها الإمارات والسعودية، وعن حساب بنكي اسمه حساب "تمرّد"، يستأذن مدير مكتب السيسي الإماراتيين في سحب مئتي ألف دولار منه. نحن هنا أمام "خطة" إفشال ممنهجة و"مموّلة من الخارج"، أمام واقعة "خيانة" للدستور أولاً، ثم لشيء كانوا يسمونه قبل "كامب ديفيد": "الشرف العسكري".
لم تكن خطة إفشال ثورة يناير ضد "الإخوان"، بل ضد "المنظومة" التي أتت بهم، وكانت ستأتي بغيرهم. وهي أهم نجاحات ثورة يناير، وليس "كسر حاجز الخوف" كما يتصوّر أبناء "جيل زد". نعم.. نجحنا في إزاحة منظومة الحكم العسكري "شبه الوراثي" لصالح صناديق الاقتراع، التي تضمن تداول السلطة، وتصحيح الأخطاء، ومساراً ديمقراطياً يحتاج إنضاجه إلى مناخ آمن، ضمانته "الوحيدة": مؤسّسة عسكرية "وطنية". ولذلك يغنّي الرئيس ويردّ على نفسه: لم أفعل شيئاً، لم أقتل أحداً، هم من بدأوا، كنا نريد الانتخابات... إلى آخر الجرائم التي لن يدفعها عن مرتكبيها أيّ شيء.

Related News
واشنطن تلوح بجزرة «العفو» لإقناع حماس بنزع سلاحها
al-ain
45 minutes ago