منتدى فلسطين وأزمة المشروع الوطني
Arab
1 hour ago
share
اختُتمت أمس الاثنين في الدوحة الدورة الرابعة من المنتدى السنوي لفلسطين، الحدث الذي لم يكن مجرّد تظاهرة أكاديمية أخرى، بل محاولة للقبض على "الزمن الفلسطيني" وهو يتبدّل قسراً: من زمن إدارة صراع طويل إلى زمن تُرسم فيه خرائط السياسة على وقع حرب إبادة، لا تهدّد الأجساد وحدها، بل أيضاً تهدد معنى المشروع الوطني الفلسطيني فكرةً جامعةً وحاملاً سياسياً. وفي كل عام، يُقدِّم المنتدى (ينظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسّسة الدراسات الفلسطينية) نفسَه مساحةً للبحث لا للاستهلاك الإعلامي. وجاءت دورة هذا العام في لحظة تشابكت فيها الإبادة مع إعادة ترتيب الإقليم، فاهتزّت مفردات السياسة التقليدية تحت ضغط الوقائع. لم يعد السؤال عما إذا كانت فلسطين "قضية عالمية"، بل كيف يُعاد تعريف العالم نفسه حين يرى ويصمت، وحين تُختبر أمامه معايير العدالة والإنفاذ. ولعلّ الثيمة الأبرز في نقاشات المنتدى كانت إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني. فما جرى (ويجري) يتعدّى حصار الفلسطيني إلى محاصرة اللغة السياسية ذاتها: لغة "الحل النهائي" و"عملية السلام" و"إدارة الصراع"... صار على الفلسطيني أن يشرح حقّه في الحياة قبل أن يشرح حقّه في الحرية، وأن يدافع عن إنسانية الضحية قبل الدفاع عن عدالة القضية. هنا تتبدّى ضرورة إعادة تشغيل العقل السياسي لاستعادة القدرة على الفعل، ولضمان عدم الانزلاق إلى إدارة كارثة تُستبدل فيها السياسة بالتقنيات. في ختام اليوم الأول من المنتدى، حذّر عزمي بشارة (محاضرة بعنوان: "المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/العربي الراهن") من تحوّل حرب الإبادة محاولةً لتصفيةٍ سياسيةٍ للمشروع الوطني نفسه. ونبّه إلى أن "البرنامج مكوّنٌ رئيسٌ في أيّ منظومة سياسية تستحقّ أن تسمّى المشروع الوطني… ولكنّ التعريف يبقى منقوصاً إذا اقتصر على البرنامج ولم يشمل البنى التنظيمية وحوامل البرنامج الاجتماعية". وعلى ذلك، فالمشكلة ليست في وفرة الشعارات ولا في تكرار الأهداف، بل في هشاشة الحوامل التي تمنح الأهداف معنىً سياسياً وقدرة على الادّعاء بأنها تمثّل الشرعية الوطنية. وبيّن بشارة أنه أصبح واضحاً أكثر من أيّ وقتٍ مضى أنّ ما يجري تشييده في فلسطين هو نظام فصل عنصري من نوع خاص، إسرائيلي الطابع، وشبيه بنظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، ودعا إلى ضرورة تشكّل المؤسّسة السياسية التي تقود النضال ضد نظام الفصل العنصري، وهي دعوة لا تنظر إلى الجغرافيا الفلسطينية منفصلة (الداخل والضفة وغزّة والشتات)، بل تردّها إلى معنى واحد: وحدة شعب لا تُستعاد إلا بإطار تمثيلي وتنظيمي قادر على تحويل الغضب مساراً، والتضامن استدامة. يوسّع هذا الطرح دائرةَ الحلفاء الممكنين، كما يربط المطلب الفلسطيني بمعجم حقوقي عالمي (المساواة، المواطنة، الحرية) ويمنح حركة التضامن معنىً عملياً يتجاوز التعاطف: مساءلةٌ وضغطٌ ومقاطعةٌ قانونيةٌ وأكاديميةٌ وإعلاميةٌ. لكنّ ذلك لا يكفي وحده إن لم يترافق مع مشروع وطني واضح تُرى فيه الحوامل لا العناوين فحسب. إدارة الكارثة، مع أهميتها الأخلاقية والعملية، قد تتحوّل إلى بديل من السياسة إذا لم تُربط بهدف تحرّري واضح وبتمثيل جامع. وحين تصبح فلسطين في الخطاب الدولي ملفّاً "إنسانياً" أو "إغاثياً"، يبرز خطر أن تُستبدل السياسة بالإدارة، وأن يُختزل التحرّر في "ترتيبات ما بعد الحرب". وعندما تُطرح إعادة هندسة غزّة والضفة وكأنّها مسألة "حكم محلّي" أو "إصلاح مؤسّسي" تحت سقف يحدّده الاحتلال وموازين القوى، تصبح مهمّة المعرفة إعادة القضية إلى أصلها: صراع على الحرية ضد استعمار استيطاني يمارس الفصل العنصري، لا أزمة خدمات تحتاج إلى كفاءات. لذلك لا تعود نقطة الانطلاق: "هل الحل دولتان أم دولة؟"، بل يبرز سؤال أشدّ إلحاحاً: كيف تُستعاد وحدة الشعب ليصير فاعلاً سياسياً يتجاوز الانقسام؟ يضع المنتدى هذا السؤال في مركز النقاش، ويذكّر بأن السياسة تُستعاد ببناء الحوامل الاجتماعية واستعادة الشرعيات السياسية لا بالشعارات. والمنتدى، وهو يفتح ملفّات الإعلام الغربي، والتحوّلات في الرأي العام العالمي، وحدود القانون الدولي... لا يراكم معلومات بقدر ما يحاول حماية فلسطين من أن تتحوّل خبراً متكرّراً أو مادة تعاطف موسمية. القيمة الحقيقية، إذن، تكمن في هذا الإصرار على أن المعرفة يمكن أن تكون جزءاً من المقاومة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows