Arab
القضية الكردية في سورية ليست طارئةً، ولا هي نتاج العقد الماضي فقط. إنها قضية شعب أصيل من شعوب هذه البلاد، تعرّض، كغيره من السوريين، لسياسات إقصاء وتهميش، لكنّه تعرّض، فوق ذلك، لظلم خاص مرتبط بالهُويّة واللغة والثقافة والانتماء. هذا التمييز لا يمكن إنكاره أو القفز فوقه بشعارات عامّة عن "المواطنة المتساوية"، لأن المساواة الشكلية، حين تُفرغ من الاعتراف بالتمايز، تتحوّل أداةً جديدةً للإنكار بدلاً من أن تكون ضمانة للعدالة.
وفي كل مرّة كانت تُطرح فيها المسألة الكردية في سورية خلال سنوات الثورة، كان يعود الخلل نفسه إلى الواجهة: خلطٌ منهجي بين السوريين الكرد وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والوقائع التي فرضتها الحرب بوصفها استثناءً تاريخياً لا يجوز تحويله قاعدةً. هذا الخلط أربك علاقة السوريين بعضهم ببعض، وفتح الباب أمام حلول مؤقّتة تُراكم الأزمات.
الأكراد في سورية مواطنون ذوو خصوصية ثقافية ولغوية واضحة، ومجتمع متجذّر جغرافياً في مناطق تشكّل، في أحيانٍ كثيرة امتداداً تاريخياً واجتماعياً متّصلاً. تجاهل هذا المُعطى هو ما جعل "دولة البعث"، عبر عقود، تتعامل مع المسألة الكردية بوصفها "مشكلة أمنية" بدلاً من أن تراها مسألة حقوق وسياسات عامة. وهنا تحديداً اختُزلت قضايا الاعتراف والمواطنة في أدوات الضبط والسيطرة، وبالتالي فقدت الدولة حيادها تجاه جزء عزيز من مواطنيها، وتحوّلت من إطار جامع إلى طرف في النزاع. غير أن الخطأ الأكبر الذي سبّبه تعنّت نظام الأسد وتفاقم خلال سنوات الحرب هو ربط الحقوق الكردية بوجود تنظيمات عسكرية مسلّحة خارج سلطة الدولة تدّعي حصر صفة الناطق باسم مجتمع كامل وتمثيل الحقوق الكردية بناءً على منطق القوة لا منطق العقد الاجتماعي. إن التعامل مع تنظيم عسكري على أنه ممثّل سياسي لمجموعة إثنية أو ثقافية يحمل في طيّاته خطرَين متلازمَين: الأول أنه يختزل المجتمع في هذا التنظيم المسلّح، ويصادر تنوّعه الداخلي، ويُخضع حقوقه لحسابات القوة والتحالفات. والثاني أنه يُدخل الدولة في مسار تفاوضي غير دستوري، فتصبح الحقوق موضوع مساومة لا التزاماً قانونياً ثابتاً. في الحالتين تكون النتيجة واحدة: إضعاف فكرة الدولة، وإلحاق ضرر مباشر بالمجتمع الذي يُفترض الدفاع عن حقوقه.
لا تُقاس عدالة الدول بما ترفعه من شعارات جامعة، بقدر ما تُقاس بقدرتها على إدارة الاختلاف حين يتحوّل هذا الاختلاف واقعاً اجتماعياً وسياسياً لا يمكن تجاهله. فمهمّة الدولة الأسمى تتجلّى في تنظيم الهُويّات المتعدّدة ضمن عقد سياسي جامع. وحين تُختزل المواطنة في مساواة مجرّدة تتجاهل الفوارق الثقافية والتاريخية تتحوّل من ضمانة للحقوق إلى أداة إنكار صامتة، ويصبح الدستور نصّاً قانونياً منزوع الذاكرة بدلاً من أن يكون سجّلاً سياسياً يعكس حقيقة المجتمع.
في السياق السوري، يُعدّ الدفاع عن الحقوق الكردية جزءاً من الدفاع عن وحدة البلاد، فالوحدة لا تُصان بالقوة بقدر ما تُرسَّخ عبر عقد وطني يعترف بالجميع من دون استثناء. الإقرار الدستوري أخيراً باللغة الكردية، وضمان حقّ التعليم والثقافة، وإزالة آثار السياسات التمييزية السابقة، ليست "تنازلات" بقدر ما هي تصحيحات تاريخية متأخّرة. وهي في جوهرها خطوات تعيد تعريف الدولة بوصفها دولة مواطنين لا دولة هُويّة واحدة، بشرط ألا تكون مجرّد تزيينات شكلية؛ فالعبرة بتطبيق المراسيم لا بمضامينها.
إنكار اللغة أو الثقافة فعل سياسي كامل الدلالة والآثار، وغالباً ما يدفع المجتمعات المُهمَّشة إلى البحث عن أشكال تعبير بديلة خارج إطار الدولة. وحدها الدولة التي تعترف بتعدّدها قادرةٌ على منع أن يتحوّل التمايز قطيعةً، وعلى تحويل التنوّع من مصدر قلق إلى رصيد وطني. وفي هذا السياق، كان يمكن للمرسوم المتعلّق بالحقوق الوطنية للأكراد في سورية، رغم أهميته، أن يكتسب معنىً أعمق لو تضمّن تجريماً صريحاً لكل أشكال التمييز الديني أوالطائفي أو الإهانة بحقّ سائر المكوّنات السورية، باعتباره تأسيساً لمبدأ عام يحمي الجميع.
تصحيح ظلم تاريخي بحقّ جماعة بعينها يظلّ ناقصاً ما لم يُربط بإطار قانوني شامل يمنع إعادة إنتاج الإقصاء بأسماء مختلفة. إن تحويل الاعتراف بالحقوق الكردية قاعدةً دستوريةً عامّةً كان سيمنح هذا المرسوم بُعداً وطنياً جامعاً، ويجعله خطوةً في اتجاه عقد سياسي جديد. فوحدة البلاد تُبنى في شعور السوريين المشترك بالكرامة والأمان، والتوحيد يبدأ في الوعي قبل أن يكتمل في الجغرافيا.

Related News
واشنطن تلوح بجزرة «العفو» لإقناع حماس بنزع سلاحها
al-ain
43 minutes ago