Arab
لم يعد مشهد التلاميذ المتجهين بعد انتهاء الدوام المدرسي إلى معاهد خاصة أو منازل معلمين خصوصيين استثناءً في مدن سورية، بل تحوّل إلى جزء من الحياة اليومية حتى في الأحياء التي يعيش فيها أشخاص ذوو دخل محدود. ولا يرتبط هذا المشهد فقط بضعف التعليم الرسمي أو نقص الكوادر، بل يعكس تحوّلاً ثقافياً واجتماعياً أوسع حيث لم تعد المدرسة المساحة الأساسية للتعلّم، بل مجرد محطة شكلية، في حين انتقل العبء الحقيقي إلى المعاهد الخاصة أو المعلمين الذي يحصلون على أجور لتدريس تلاميذ خارج الصفوف.
تنتشر المعاهد التعليمية بسرعة في الأحياء السكنية في معظم مناطق سورية، وتزدحم صفوفها في ساعات المساء بتلاميذ من مختلف مراحل التعليم. وتعمل بعض هذه المعاهد بتراخيص رسمية، لكن غالبيتها غير نظامية وتستفيد من حاجة الأهالي ورغبتهم في تعويض ما يصفونه بأنه "ضعف في التعليم الحكومي".
تقول ريم آغا، وهي أم لطفلين في مدرسة حكومية باللاذقية، لـ"العربي الجديد": "لم تعد المدرسة كافية. الصفوف مكتظة، والمعلمون يشرحون بسرعة أو لا يأتون أصلاً. ومن المعروف أن المدارس تشهد تراجعاً واضحاً منذ سنوات، وإذا لم أسجّل أولادي في دروس خاصة فسيضيعون".
ورغم صعوبة الأوضاع المادية وارتفاع التكاليف تؤكد ريم أن "التعليم أولوية لا يمكن التنازل عنها، حتى لو حصل ذلك على حساب متطلبات أخرى. وما يُدفع اليوم هو استثمار في مستقبل الأولاد".
ويردد تلاميذ شهادات مماثلة. وتقول تهاني طوزان، وهي تلميذة في الصف الثالث الثانوي العلمي تسجلت هذا العام لتلقي دروس خاصة بأكثر من خمس مواد، لـ"العربي الجديد": "الاعتماد على الدروس الخصوصية أمر حتمي للتلاميذ، لا سيما في تقديم الامتحانات الرسمية للحصول على شهادات نهاية الدراسة، ولأولئك الذي يحاولون التفوق في التعليم تمهيداً لدراسة تخصصات جامعية مهمة. في المدرسة لا يشرحون المنهج كاملاً، وتضيع معظم الحصص بين غياب المعلمين وفوضى الأعداد المرتفعة للتلاميذ، ويحصل الشرح الحقيقي في المعاهد، رغم أن بعض التلاميذ يتسجلون عند المعلمين أنفسهم الذين يدرسونهم في المدارس".
واللافت خلال السنوات الأخيرة في سورية أن الدروس الخاصة لم تعد تقتصر على تلاميذ شهادات نهاية الدراسة أو المراحل العليا، بل باتت مقصداً لطلاب الصفوف الابتدائية أيضاً، ما يشير إلى تراجع ثقة الأهالي بالمدارس منذ المراحل الأولى للتعليم.
ويتحدث المدرّس ماهر خضورة لـ"العربي الجديد" عن أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا الواقع هو نقص الكوادر التعليمية وضعف الحوافز، فمع تراجع الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة اضطر كثير من المعلمين إلى ترك المدارس الحكومية أو تقليص التزامهم بها، والبحث عن فرص أفضل في القطاع الخاص أو في مجالات أخرى". يضيف: "لا يكفي راتب المعلم لأيام معدودة، ويعمل بعض زملائي صباحاً في المدرسة ومساءً في المعاهد، في حين ترك آخرون التعليم نهائياً. النتيجة أن المدرسة أصبحت الحلقة الأضعف".
إلى ذلك تعاني مدارس كثيرة ضعف البنى التحتية وازدحام الصفوف ونقص الوسائل التعليمية، ولا سيما في المناطق التي تضررت بسبب سنوات الحرب والنزوح. وساهمت هذه الظروف في تآكل ثقة الأهالي بالمؤسسة التعليمية الرسمية، ودفعتهم إلى البحث عن بدائل، حتى لو كانت مكلفة. لكن الظاهرة لا يمكن اختصارها في فشل التعليم الحكومي وحده. وتقول يارا استامبولي، وهي موجّهة تربوية في اللاذقية، لـ"العربي الجديد": "أصبحت الدروس الخصوصية جزءاً من ثقافة اجتماعية سائدة، وليست مجرد حلّ اضطراري. وينظر أهالٍ كثيرون إلى المعهد باعتباره الطريق الطبيعي للنجاح، بغض النظر عن مستوى التلميذ أو جودة مدرسته".
من جهته يقول محمد حداد، وهو أب لثلاثة طلاب في المرحلة الإعدادية بدمشق: "أعمل وزوجتي طوال اليوم، ولا نملك الوقت لمتابعة دروس أولادنا. المعهد يريحنا، إذ يتكفل مسؤولوه بتعليم أولادنا".
وقد ساهمت هذه النظرة، بحسب يارا، في تراجع دور الأسرة في العملية التعليمية، واكتفى بعضهم بتمويل الدروس من دون متابعة حقيقية للواجبات أو المستوى الدراسي. وهنا باتت المشكلة مزدوجة، هناك تقصير من المدرسة، وأيضاً انسحاب تدريجي للأسرة من مسؤوليتها التربوية. لا يسأل أهالٍ ماذا تعلم أبناؤهم، ولا يراجعون دفاترهم، ثم يلقون اللوم بالكامل على التعليم الحكومي".
ومع الانتشار الواسع للمعاهد الخاصة، تحوّلت الدروس الخصوصية إلى نوع من الضغط الاجتماعي، حيث يخشى بعض الأهالي أن يتخلف أبناؤهم عن أقرانهم إذا لم يلتحقوا بالمعاهد، حتى إذا لم تكن هناك حاجة فعلية. وتقول رنا زينب، وهي أم طالب في الصف التاسع لـ"العربي الجديد": "تسجل عائلات كثيرات أولادها في معاهد. لا أستطيع أن أترك ابني وحده حتى لو كان مستواه جيداً".
ويخلق هذا الواقع، بحسب تربويين، فجوة تعليمية واضحة بين من يستطيع تحمّل كلفة التعليم الخاص ومن لا يستطيع، ويرسّخ نوعاً من الطبقية في فرص النجاح، حيث تصبح القدرة المادية عاملاً حاسماً في التحصيل العلمي. كما يعزز هذا الواقع نمط التعليم القائم على التلقين والحفظ على حساب بناء المهارات والاستقلالية لدى التلاميذ.
في المقابل يرى متخصصون أن إصلاح التعليم الحكومي لا يقتصر على تحسين الرواتب والبنى التحتية فقط، بل يتطلب أيضاً إعادة بناء العلاقة بين المدرسة والأسرة، وتعزيز دور الأهل بوصفهم شركاء حقيقيين في العملية التعليمية، إلى جانب ضبط قطاع المعاهد الخاصة وتنظيمه.
وبين مدرسة رسمية تعاني ضعف الإمكانات وأسر مثقلة بالأعباء المعيشية، ومعاهد خاصة تسد فراغاً متزايداً، يبقى التلميذ في سورية الحلقة الأكثر تأثراً في انتظار حلول شاملة تعيد للتعليم العام مكانته بوصفه حقاً أساسياً وليس امتيازاً طبقياً".

Related News
السعودية: علاقتنا مع الإمارات مهمة للاستقرار الإقليمي
aawsat
52 minutes ago
طهران: كل الخيارات مفتوحة والرد سيكون قاسياً
aawsat
55 minutes ago
واشنطن تحذّر بغداد من حكومة «تسيطر عليها طهران»
aawsat
58 minutes ago