"غييرمو ديل تورو: خيال بلون الدم"... تاريخ شخصي للرعب
Arab
1 hour ago
share
عبر شاشة سوداء، يُسمع صوته الهادئ والعميق. صوت رجلٍ يجيد فن الحكاية ويتقن لغة الصور، وكأنه يحثنا على الدخول في دهاليز أحلامه المظلمة: "تخلو المتاهة الروحية من التيه؛ إنها عبور متدرج نحو المصير". هذه عتبة أولى، بابٌ صغير يُفتح إلى المتاهة الضخمة التي تُسمى غييرمو ديل تورو (Guillermo del Toro). الفيلم الوثائقي "غييرمو ديل تورو: خيال بلون الدم" (Sangre Del Toro)، من إخراج المخرج الفرنسي إيف مونمايور (يُعرض على "نتفليكس")، ينسج خيطاً سردياً أشبه بخيط أريانة اليوناني، يقودنا عبر عالم المخرج السينمائي الذي حوَّل الهواجس والمخاوف إلى جمال مُبهر. إنه رحلة استكشافية إلى داخل عقل مُبدع يرى الوحوش المرعبة مجرد أرواحٍ محطمة، ووجوهاً أخرى للإنسانية في تجليها الأصدق والأعمق. رحلة تُعيد تعريف العلاقة بين الخوف والجمال، وبين النقص والكمال، وبين الموت والحياة. يتركّز سرد الوثائقي حول محور بصري أساسي، هو معرض ديل تورو الشخصي بعنوان "في بيتي مع وحوشي"، الذي أقيم في مسقط رأسه غوادالاخارا عام 2019. يختار المخرج مونمايور هذا المعرض ليس لأنه خزينة ذاكرة مادية، بل انعكاس ثلاثيّ الأبعاد لعقل الفنان. المعرض مُرتَّب وفقاً للثيمات والهواجس وليس التسلسل الزمني لأفلامه. وبهذا القرار يتجنب الوثائقي فخ السيرة التقليدية، ويغوص مباشرةً في قلب البنية التحتية الفكرية للسينمائي، إذ تمتزج في أروقته رسومات مائية أصلية من فيلم "بينوكيو" مع مجلات الرعب القديمة التي أثرت في طفولته، وتتعايش تماثيل كاثوليكية مع تماثيل لغودزيلا. من خلال استعراض محتويات هذه الكابينة الفنية المليئة بالفضول، يصبح الفيلم كشفاً عن عملية التمازج الثقافي الفريد التي تُشكِّل جماليات ديل تورو (فيلمه "فرانكشتاين" مُرشّح لنيل أوسكار)، تلك التي يصفها الوثائقي بأنها ثقافة توفيقيّة تجمع بين جذوره المكسيكيّة العميقة وبيئاته الإبداعية في هوليوود وباريس وغوادالاخارا. لكن هذا التمازج ليس مجرد استعارة سطحية، فالمكسيك في عين ديل تورو هي تربة خصبة تولد منها رؤيته الخاصة؛ تلك العلاقة الحميمة مع الموت والنابعة من اعتراف صريح بجدواه جزءاً لا يتجزأ من دورة الحياة، ما يتجلى في احتفالات تدعى احتفالات يوم الموتى. كما أن الكاثوليكيّة التي تربى في أحضانها أصبحت مصدراً لجماليات مثيرة للرعب، تصوره باعتباره هو أحد أطراف الصورة نفسها. يأخذنا ديل تورو في جولة عبر طفولته المتخمة بالصور، التنقل بين المقابر بوصفها مكاناً للعداء والسلام، والرعب الأول من مشهد جثة قديمة في سرداب كاتدرائية، وذكريات الجدة المتدينة التي كانت تضع أغطية الزجاجات في حذائه ليُصاب بالجروح تكفيراً. هذه التفاصيل الشخصية، وعلى قدر ما هي حكايات مأساوية، إلا أنها أيضاً شرح للبذور الأولى التي نبتت منها فكرة الوحش الجميل، فيصف طفولته بأنها كابوس مليء بالمخاوف، لكنه مع ذلك كان مصدر جمال لا ينضب. هذا التوتر بين الألم والجمال هو المحرك المركزي لإبداعه؛ فالوحش في نظره هو ما نخشى مواجهته داخل أنفسنا وليس ما يخيفنا في الظلام، إنه تعبير عن الجرح الإنساني الأساسي. لقد صاغ ديل تورو مساره السينمائي بوضوح؛ فلطالما امتلك شغفاً بالتجسيد البصري للهواجس، إذ بدأ في سن الثامنة بالتصوير بكاميرا والده، ومع مرور الوقت صقل مهاراته في مجال المؤثرات الخاصة والمكياج. يرتقي الفيلم من كونه حواراً مع فنان إلى تأمل في فلسفته الجمالية. يلتقط العمل ديل تورو في لحظات تأملية وهو يشرح كيف أن الأفلام الخيالية وقصص الرعب بالنسبة إليه تنبع من المنبع نفسه، وكيف أن الخط الفاصل بين فيلم "بياض الثلج" وأي فيلم رعب هو خط رفيع للغاية. هذه النظرة التحليلية تدفعه إلى استخدام الرعب لغةً وليس غاية، لغة تتوارثها الحكايات الشعبية والفانتازيا لتعليم دروس عن الخطر والتحول. يستحضر ديل تورو الأنماط البدئية من أعماق النفس البشرية (البطل، المرشد، العدو، الظل) ويلبسها ثياباً معاصرة. بطل ديل تورو غالباً ما يكون طفلاً أو كائناً منبوذاً، يمر بمرحلة اختبار صعبة ينكسر خلالها، ثم يُعيد بناء نفسه من جديد، حاملاً ندوبه بوصفها شارة شرف. تُمثّل الثقافة اليابانية واحدة من أعمدة هذه الفلسفة الجمالية التي يؤسس لها ديل تورو، وخاصة مفهومي كينتسوغي (فن إصلاح الكسر بالذهب)، ووابي سابي (جمال النقص والتلاشي). هذان المفهومان لا يشرحان افتتانه بالمخلوقات المشوهة أو المنبوذة فقط مثل مخلوق فرانكشتاين أو كائن الغابة، بل يعكسان رؤيته للإنسانية نفسها "الجمال لا يكمن في الكمال، بل في القدرة على الاستمرار رغم الانكسار" كما يشرح. هذه الفلسفة تتخلل عمله التصميمي، إذ يصر على أن روبوتات فيلم "حافة المحيط الهادئ" تحتوي على مناطق مرقعة أو صدئة لتبدو حية وذات تاريخ، ما يُعكس في جمالية أعماله التي تمزج بين الماضي والحاضر. ينجح الوثائقي في توضيح أن هذه الثقافات المتقاطعة (المكسيكية والكاثوليكية واليابانية)، هي أعضاء في جسم واحد، يتكلم بعضها مع بعض داخل متاهة خياله. نتابع مشاهد من أفلام مثل متاهة بان وشكل الماء لنكون شهوداً على ظهور فكرة معينة عبر أعمال مختلفة، كفكرة تضحية الذات من أجل الآخر، أو البحث عن الجمال في قلب التشوه، ما يخلق إحساساً بأن كل أفلام ديل تورو هي في الحقيقة فصول من الرواية الكبيرة ذاتها. يمثل المشهد الختامي عودة إلى فكرة المتاهة والرحلة، فبعد أن يقودنا ديل تورو عبر ذكرياته ومخاوفه وكنوزه الفنيّة، يتركنا مع إدراك أن هذه المتاهة هي رحلة حج داخلية نكتشف خلالها ذاتنا ومكاناً للتأمل والصلاة، وهو بذلك يستكشف الأبعاد الفلسفية لفنه ويربطها بالتجارب الإنسانية الأساسية. يعيد الفيلم تعريفنا إلى غييرمو ديل تورو مخرجَ أفلام أولاً، ثم "مينوتور" عصرياً نصفه إنسان يبحث عن المعنى، ونصفه الآخر وحش يعيش مع الموت والكوابيس، يسكن متاهة إبداعية من صنعه، ويقودنا عبر دهاليزها لنشاركه اكتشاف بعض أسرارها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows