Arab
لا يُختزل اسم وليد دَقة (1961 - 2024) في سيرة اعتقال ناهزت أربعة عقود، ولا حتى في قصة حب استثنائية حارقة، بل هو حالة فلسفية مشغولة بالعقل واليدين. حالة كاملة عن الإنسان رفض أن يكون السجن آخر ما يُقال عنه، أو ما يريد أن يصوغه الاحتلال الإسرائيلي.
جميع من عرفوه قالوا ذلك عنه، وشعروا بذلك داخل السجن وفي ساحته، ولدى مثوله أمام القاضي، بسبب واحد أوحد هو قدرته على التفكير والرؤية. ليس لديه أي قابلية لأن يذعن للسجان، السجان القادر فقط على أمر واحد هو انتهاك جسده.
إذاً هي ليست سيرة تقليدية، يُنظر إليها دوماً بالاحترام والتقدير، كونها ضحية واضحة، بل ما عاينّاه قبل أيام على هامش منتدى فلسطين في دورته الرابعة فيلم بعنوان "أبو ميلاد"، من إنتاج ميتافورا وإخراج صهيب أبو دولة، يحاول ونحاول معه فهم كيف يمكن لإنسان أن يخلق زمناً موازياً في مكان صُمّم لمحوه بزمن عقابي؟
على مدار ساعة وأربعين دقيقة، نتعرف إلى بناء بصري وفكري من خلال صوت وليد دقة من الداخل. وصلتنا "الكبسولات"، أي لفائف الرسائل، كل واحدة منها ملفوفة ومضغوطة حتى تُهرّب خارج السجن، وفتحنا ألبومات صور شحيحة لشخص قضى قرابة ثلثي عمره في السجن، بضع لوحات لفنان يجرب تشكيل وتلوين المكان الذي يراه بالقلب.
بيد أن صوت وليد دقة كان عاملاً مؤثراً سمعناه لأول مرة مجمعاً في سياق سردي يقرأ فيه السجين ما تيسر من كتابات ومقالات ونصوص، ومقابلة صحافية. كل ذلك ينتج في مكان محكم المراقبة، ويقع تهريبه ليصل إلى متلقٍ آخر، فيفرّغ الصوت إلى نص مكتوب.
نحن المتابعين المستمعين إلى صوته يمكن بسهولة أن نشكل تصورنا عن هويته حين يجترح الكلمة فينطقها: الصوت يشير إلى خامة واثقة غير متبجحة، وأنيسة إلى الأذن والقلب، وبالتأكيد مثقفة، أو كما يصفه المفكر عزمي بشارة في تقديمه عام 2010 كتاب "صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب": "شخص متوقد الذهن (..) بذكائه وعقله السليم يراقب ويلاحظ وهو يناضل ويبحث عن الطرق للتمسك بالقيم التي سجن من أجلها".
هذا هو، السجين الذي أمضى ثمانية وثلاثين عاماً خلف القضبان، لم يخرج منها حياً، بل استشهد، بإهماله عمداً وهو في مرحلة صحية حرجة، واحتجزت جثته حتى اليوم من دون معرفة مصيرها، غير ما تداولته الأخبار من نية الاحتلال دفنه في مقبرة الأرقام.
استعاد الفيلم ما كتبه عن صهر الوعي والزمن الموازي وتحرير الذات من الصندوق، وقد لاحقته المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كما تلاحق خطراً أمنياً. لأن الكتابة هنا لم تكن نشاطاً ثقافياً، كانت خرقاً لوظيفة السجن ذاتها.
وليد دقة ليس بطلاً في سردية جاهزة عن الصمود، بل في إفشال هذا الصهر للوعي، حتى لو تحايل عليه بالحلم والوهم، والبيت الشِّعري يكاتف البيت الطيني. هو ذاته الرجل المؤمن بكل ما تريده الروح من مغامرة لكن من دون نسيان بناء القدرة.
لا نريد أن يكون معيارنا الوطني حركة أسيرة، إلا أن فلسطين محتلة وثمة نحو عشرة آلاف أسير، جعلتهم أقدار الشعب الفلسطيني مختبراً للقيم الوطنية العليا والجامعة.
والحقيقة، كما يورد المخرج أبو دولة في تصريح لـ"العربي الجديد" أن قصة وليد دقة جامعة وتمثل طيفاً من طبقات الحركة الأسيرة الفلسطينية. له رمزية من حيث تأليفه عدة جسور فهو مثقف ومناضل ومن أبناء الداخل، ومحارب عنيد ضد الانقسام، وله سنوات طويلة ناهزت الأربعة عقود جعلته يمر على كل العهود بما فيها من نضالات، وانكسارات.
منذ عام 1999، تزوج وليد دقة من سناء سلامة التي أحبته وأحبها حين كانت تزور السجون صحافيةً وناشطةً في جمعية أنصار السجين. بهذا الثمن الفادح من العمر، يقدم قلبه عارياً: "لم أكن لأتعرف عليك لو لم أُحكم بهذا المؤبد". الجملة التي قالها لزوجته سناء سلامة ليست تلطيفاً لغوياً للقسوة، ولا محاولة لإعادة تأهيل الجرح، بل ترتيب السببية رأساً على عقب، بما يجعل السجن شرطاً أولياً للقاء، وليس عائقاً دونه.
لكم هي فاتنة هذه العبارة التي لا توافق على التصور الأخلاقي الشائع، عن أن السجن نفيٌ للحياة. أو ربما هي غير معنية على الموافقة أو عدمها. هي تفكر في ذاتها في قوة دفعها من الداخل كي تحاول الظهور خارج الشروط الاعتيادية، بلا ضمانات مستقبلية سوى إيمانها النابع من قلب النبع.
حين يقول نائل البرغوثي أقدم سجين فلسطيني (44 سنة سجناً) وأفرج عنه في 27 فبراير/ شباط 2025، إن قصة وليد وسناء تتفوق على روميو وجولييت وقيس وليلى، فالمقارنة لا تتعلق بكثافة العاطفة، بل بسقف الاحتمال. قصص الحب الكلاسيكية تنتهي دائماً عند حدّ ما كالموت، والفراق، والجنون. أما هنا، فلا حدّ زمنياً واضحاً، لا نهاية مرئية.
تقول سناء سلامة إنها لم تشعر يوماً بزوجها يتكلم أو يكتب من حيث هو السجين. وهي بعد استشهاده تشير إلى فراغ كان يملأه، رجلها بسبب من طبيعة حضوره. هذا شعور شخصي سرعان ما يتصادى مع فلسطينيين كثر وجدوا في هذا الرجل الصفة الجامعة العابرة للانقسام والفصائلية الضيقة.
يمكن للمحتل أن يدير الأرض والمنافذ والموانئ وحركة الناس. في كل تجربة تاريخية يبدو فيها صاحب القوة المدججة مضطراً إلى أن يدجج أكثر حتى يقهر رجلاً لديه قميص إضافي يمكن أن يمنحه هدية لأسير معجب أيما إعجاب به اسمه زكريا الزبيدي.
يرتدي الزبيدي قميصاً أسود سنراه على شاشات التلفزة في ما بعد، حين قبضت سلطات الاحتلال عليه بعد أن حفر مع رفاقه نفقاً في سجن جلبوع عالي التحصين وانتزع حريته لبضعة أيام، ودار في ربوع فلسطين على قدميه، قبل أن يعود إلى السجن.
الآن، زكريا (1976) المفرج عنه منذ يناير/كانون الثاني العام الماضي، يظهر في الفيلم متحدثاً عن أن حفر النفق كان محروساً بطاقة هائلة من كراسة "صهر الوعي".
لنستمع إليه يقول إنه التقى وليد دقة بضع ساعات لم يشرب فيها كوب ماء لفرط رغبته في الاستماع إلى المزيد والمزيد منه.
لم يكن وليد يوماً داخل المربع، الموجود في السجن هو الجسد فقط. هذا ما قاله الشاب عن معلمه بما يلخص جوهر هذه الحالة النضالية. فشل السجن حين سحب منه مركز السيطرة والوعي الذي يتحرر من صندوقه لا يعود قابلاً للاحتواء. لهذا السبب تحديداً لاحقته المؤسسة الأمنية، وضيّقت عليه، وعاقبت محيطه مع كل كتاب جديد كان يصدره.
الشعب الفلسطيني يعرف ميلاد وليد دقة. كان يمكن أن تكون ذكراً ويبقى الاسم كما هو بعد اتفاق والديها على ذلك، حين نجح حملها بعد ست محاولات بنطفة محررة، بعد رفض الاحتلال منحهما فرصة الإنجاب.
جاءت ميلاد إلى الدنيا في 3 فبراير/شباط 2020 في مدينة الناصرة، لم يكن ميلادها حدثاً بيولوجياً فحسب، كان إعلاناً صريحاً عن فشل الاحتلال في احتكار المستقبل. ستدخل ميلاد بعد بضعة أيام عامها السابع.

Related News
«لا ليغا»: جيرونا يفلت من فخ خيتافي
aawsat
26 minutes ago
لولا يطلب من ترامب حصر عمل "مجلس السلام" بغزة
alaraby ALjadeed
26 minutes ago
«البريمرليغ»: باري ينقذ إيفرتون من الخسارة أمام ليدز
aawsat
28 minutes ago
بعد جثة الرهينة الأخير.. نزع سلاح حماس هدف ترامب التالي
al-ain
39 minutes ago
حرائق غابات كاليفورنيا سبب بيئي للتوحد
alaraby ALjadeed
40 minutes ago