Arab
لم يحتج شعار "نيكولا من يدفع" (C’est Nicolas qui paie) في فرنسا إلى الكثير من الوقت كي يعود إلى واجهة النقاش الاقتصادي الفرنسي، مع لجوء حكومة سيباستيان لوكورنو إلى المادة 49.3 لتمرير شقّ الإيرادات من مشروع الميزانية لعام 2026 من دون تصويت في البرلمان. في خطوة تراها الحكومة مخرجاً من انسداد تشريعي، بينما رأت فيها المعارضة اليسارية (حزب فرنسا الأبية) تكريساً لفكرة أنّ "من يدفع لا يملك حتى حقّ مناقشة الفاتورة".
ونجت حكومة ليكورنو من مذكرتي حجب ثقة، لكنّ المشهد لم يهدأ، فالنصّ نفسه يتجه إلى المسار عينه على شقّ النفقات، ما يعني أن ميزانية الدولة تُستكمل دستورياً، فيما تُستكمل اقتصادياً داخل معركة رمزية يتصدرها "نيكولا" بوصفه صورة دافع الضرائب المحاصر. وهنا ظهر الاستياء الشعبي ومعه عودة شعار "نيكولا دافع الضرائب"، وفي هذا السياق، كتبت مواطنة فرنسية ترمز لإسمها بـ"كيكي" على منصة إكس: "ليس من واجبنا أن ندفع تكاليف العالم بأسره. لقد سئمتُ من هذا الوضع".
وتحول كل ما يخص الإنفاق العام إلى اتهام مباشر باستغلال المال العام، مثل ما أشار صاحب حساب "نيكولا من يدفع" في منصة إكس، معلقاً على رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين عند نشرها خبر سفرها إلى الهند في مهمة "رحلة أورسولا ورفيقاتها إلى الهند ممولة من أموال نيكولا".
Le voyage d'Ursula et sa clique en Inde, c'est Nicolas qui paie 😡
— Nicolas qui paie (@Nicolasexaspere) January 26, 2026
دولة اجتماعية بحجم استثنائي
ويبقى الإشكال في كل نقاش يخص الميزانية هو النظام الاجتماعي الفرنسي الذي بنته باريس منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والقائم على نموذج دولة اجتماعية قوية، توفر المعاشات وتغطية صحية واسعة، وتعليماً عاماً، ودعماً للسكن والبطالة. غير أنّ اتساع هذا النموذج صار اليوم جزءاً من المشكلة، لا من الإجابة.
وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الإنفاق الاجتماعي العام في فرنسا كان "أكثر بقليل من 30% من الناتج في 2022"، وهو من الأعلى داخل دول المنظمة.
في المقابل، يتراكم الضغط على الحسابات العمومية، وعزّزت هذا الطرح المذكرة التي نشرتها محكمة الحسابات الفرنسية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي والتي أشارت إلى أن عجز الضمان الاجتماعي في 2025 سيبلغ 23.0 مليار يورو، بسبب عجز أنظمة القاعدة وصندوق تضامن الشيخوخة.
أما مجلس توجيه التقاعد، فوضع الإصبع على الجرح الأكبر، إذ يبيّن أن نفقات التقاعد بلغت 13.9% من الناتج في 2024 (407 مليارات يورو)، مع بقاء هذه الحصة "في مسارٍ مستقر تقريباً على المدى القريب، وفق السيناريو المرجعي له".
وقال الخبير الاقتصادي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة السوربون كميل الساري لـ"العربي الجديد" إن "النفقات الاجتماعية الفرنسية تفوق كثيراً الدول المجاورة"، مشيراً إلى دعم الحكومة الفرنسية القدرات الشرائية للمواطنين عبر منح تعويضات وأموال لشركات توزيع المحروقات لكي يكون السعر الذي يطبق على المواطن منخفض، ما يكلف الحكومة أكثر من 30 مليار يورو، فضلاً عن نظام التقاعد الذي وصفه بـ"السخي جداً".
من الأرقام إلى الهوية
في مناخ كهذا، لا يبقى الجدل تقنياً، ويتحول إلى سؤال هوياتي. هل يشعر الفرنسي الذي يعمل ويدفع بأن ما يقتطع منه يعود إليه فعلاً؟ أم أنه يمول الآخرين أكثر مما يمول نفسه؟ وهنا ظهرت قوة الشعارات المختصرة التي رتبت الواقع على شكل ثنائية: "دافع ضرائب مقابل مستفيد"، ومن هذه العبارة بالتحديد، ولد "نيكولا الذي يدفع ليعيش كريم".
وانطلق شعار "نيكولا من يدفع" من فضاءات وسائل التواصل الاجتماعي، وارتبط بحساب مجهول على منصة إكس يحمل الاسم نفسه، قبل أن يتحول إلى "ميم" اقتصادي واسع الانتشار في 2025. المثير أن "نيكولا" ليس مجرد اسم، بل شخصية نمطية، ففي المخيال الفرنسي هو شاب ثلاثيني حضري، متعلم، من الطبقة الوسطى، يشعر بالانحدار الاجتماعي وأنه يُستنزف عبر الضرائب والاقتطاعات لتمويل نموذج لا يمنحه، في نظره، المقابل الكافي، بل يدفع ليعيش "كريم المهاجر" في ظروف مناسبة.
حين يصبح نيكولا مرآة للهجرة
في النسخة الشعبوية من الحكاية، تُقدّم العلاقة وكأنها معادلة ثابتة "فرنسي يدفع أكثر… ومهاجر يستفيد أكثر"، لكن الأرقام الرسمية تشرح أولاً سبب سهولة الاتهام، فالهجرة عنصر مرئي في المجتمع الفرنسي. إذ كشف المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي أن نحو نصف المهاجرين المقيمين في فرنسا وُلدوا في أفريقيا، وأن بلدان الميلاد الأكثر تكراراً تشمل الجزائر والمغرب وتونس، ضمن بلدان أخرى.
كما تُظهر وزارة الداخلية الفرنسية أنّ التأشيرات القصيرة (2024) كانت مرتفعة لجنسيات بينها المغرب (250 ألفاً و198) والجزائر (232 ألفاً و163) وتونس (88 ألفاً و70)، وهي أرقام تغذي بدورها مركزية الملف في النقاش العام. لكن تحويل هذا الحضور إلى سبب العجز يقفز فوق الواقع الاقتصادي.
وفي هذا الصدد، أشار الساري إلى أن النظام الاجتماعي الفرنسي يضمن للمهاجرين، بمن فيهم غير النظاميين (إقامة غير شرعية)، تعويضات ونفقات صحية تقدر تكلفتها بـ3.5 مليارات يورو.
انتقال الشعار إلى الاقتصاد
لكن هذا الشعار تحول من شبكات التواصل إلى الاقتصاد، ففي يوليو/تموز 2025، وثّقت صحيفة لوموند الفرنسية كيف التقط اليمين واليمين المتطرف هذا الغضب الرقمي وحوّلاه إلى أداة خطابية جاهزة، انتقدا من خلالها الضرائب، وشنّا هجوماً على الإنفاق العام، مع التلميح إلى أن المستفيدين أصبحوا يشكلون عبئاً.
ثم انتقل الشعار إلى البرلمان عبر نائب من اتحاد اليمين من أجل الجمهورية، ثم استُعمل من شخصيات في اليمين التقليدي واليمين المتطرف، ما ثبّت انتقاله من نكتة إلى لغة اقتصادية وسياسية.
وفشلت كل المحاولات الحكومية أو التشريعية في تخفيض هذه النفقات، وقال الساري: "هناك بعض الأشخاص بلا عمل بتقاضون مساعدات اجتماعية أكثر من الذي يعمل، وفي كل مرة تكون هناك محاولة لتخفيض النفقات الاجتماعية ترافقها تظاهرات رافضة".
C’est une dérive de piller le travail de Nicolas qui paie. Mais comme comptable tu n’as pas été bien loin dans tes études vu que tu confonds beaucoup de choses en matière fiscale.
Ce n’est pas à nous de payer pour le monde entier. RAS le bol
— 🇫🇷 Kiki Eauclaire (@EauclaireKiki) January 26, 2026
معركة شعبية
على منصات التواصل، لم يبق "نيكولا من يدفع" مجرد وسم، بل تحوّل إلى مساحة تراشق يومية بين مؤيدين يرفعون سردية "الطبقة الوسطى المخنوقة" ورافضين يعتبرونه قناعاً لشيطنة الدولة الاجتماعية والمهاجرين. الحساب الذي حمل الاسم نفسه على منصة إكس "NicolasQuiPaie" لعب دوراً محورياً في تدوير "الميم"، ومعه انتشر وسم "#JeSuisNicolas" (أنا نيكولا أو يمثلني نيكولا) بوصفه إعلان انتماء إلى "المتذمر الضريبي" الذي يرى نفسه ممولاً للجميع.
وفي الجهة المقابلة، ردت جهات نقابية وجمعيات بتفكيك الشعار واتهامه بتغذية نظرة انتقائية للجباية والإنفاق، وحذرت نقابة التضامن المالي العام "سوليدير فينانس بوبليك" من توظيف الشعار دعوةَ تعبئة ضد الضرائب، بينما قدّمت جمعية فرض الضرائب على المعاملات المالية والعمل المدني "أتاك" (Attac) قراءة تعتبر أن "نيكولا" يتناسى ما استفاد منه هو نفسه من الخدمات العامة، وأن تحويل الغضب نحو "المستفيدين" يموّه سؤال العدالة الضريبية الحقيقي.
أما اقتصاديون، فدخلوا النقاش من زاويتين، إذ قدم كزافييه تيمبو من مرصد الأوضاع الاقتصادية الفرنسي (OFCE) تفنيداً رقمياً لفكرة أن "الطبقة الوسطى كلها ممول صاف"، مبرزاً أن نقطة التحول تقع قرب الشريحة السبعين من توزيع الدخل، وفي سياق آخر، استُخدم اسم الاقتصادي غابرييل زوكمان ضمن سجال مضاد يرى أن الشعار يشتت الانتباه عن تهرب الأعلى ثراء من العبء الضريبي الفعلي.
هل نيكولا يمول فعلاً معيشة كريم؟
تشير منصّة "في - بوبليك" (Vie-publique) الحكومية إلى أنّ المساهمة الصافية للمهاجرين في فرنسا (2006 - 2018) تقدَّر بنحو +0.25% من الناتج وفق مقاربة محاسبية تُقارن ما يدفعونه بما يحصلون عليه في المتوسط.
ومن زاوية أخرى، تُظهر ورقة بحثية لمركز الدراسات المستقبلية والمعلومات الدولية أن الأثر المالي للهجرة على الموازنات العمومية يميل إلى أن يكون محدوداً، ويتذبذب مع الدورة الاقتصادية، ولا يفسر وحده الاختلالات البنيوية.
وبالتالي، الأزمة الأثقل لا تأتي من المهاجر بقدر ما تنبع من قلب النموذج نفسه، من شيخوخة سكانية متسارعة وكلفة تقاعد وصحة مرتفعة، ومن نموّ أضعف وإنتاجية لا تكفي لتمويل سخاء صُمّم لزمنٍ مختلف. ويزداد هذا المعنى وضوحاً في تحليل اقتصادي حديث نشره مرصد الأوضاع الاقتصادية الفرنسي، وخلص إلى أن نقطة التحول التي يصبح عندها الفرد "دافعاً صافياً تقع قرب الشريحة السبعين من توزيع الدخل"، ما يعني أن "المساهمين الصافين يتركزون غالباً بين الأعلى دخلاً"، وليس بالضرورة "بين كل من يتماهى شعورياً مع صورة نيكولا".
Nicolas qui paie est encore plus taxé !
Pourquoi on vient toucher au micro éléments non taxés ? Comme le remboursement transport ? 🤡
C’est un délire ! https://t.co/Am7lJDFffa
— Rali 𝕏 (@ralifromparis) January 25, 2026
حكومات سقطت بسبب "من يدفع"؟
هذا الشعار لم يشتعل في فراغ. خلال العامين الماضيين، تحولت الموازنة إلى امتحان بقاء سياسي، ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، سقطت حكومة ميشال بارنييه بعد حجب الثقة في سياق أزمة تشريعات مالية مرتبطة بالضمان الاجتماعي. ثم أطيحت حكومة فرانسوا بايرو في سبتمبر/أيلول الماضي بعد خسارة تصويت الثقة، في مناخ استقطاب حول الخيارات المالية. بينما نجت حكومة لوكورنو الأسبوع الماضي من مذكرتي حجب ثقة بعد تفعيل 49.3 على الإيرادات، فيما يلوح تكرار المسار نفسه على النفقات.
في مثل هذا السياق، يصبح "نيكولا" أكثر من نكتة، ويتحول إلى تفسير اقتصادي جاهز لفكرة أن المواطن يدفع في نظام مكلف داخل مؤسسات عاجزة عن إنتاج توافق صريح على كيفية الجباية والإنفاق.

Related News
مدرب ضمك: ليس من السهولة الحصول على كل ما نريد
aawsat
22 minutes ago